الرئيسية » دراسات » الاعتدال السياسي في الإسلام (1)

الاعتدال السياسي في الإسلام (1)

مقدمة
يشهد العالم في مطلع القرن الحادي والعشرين ظاهرة فريدة من نوعها تتمثل في تنامي مشاعر التدين لدى جميع المجتمعات ومن كل الثقافات كرد فعل على ما تشهده الهويات الثقافية والحضارية من تحديات خطيرة أفرزتها العولمة بمختلف مظاهرها لاسيما الثقافية منها، فأصبح التدين يمثل مظهرا من مظاهر الاحتماء الذاتي للمجتمعات تحافظ من خلاله على هويتها المستقلة، باكتسابها الشعور الجمعي الرابط بين أبناء الدين الواحد.
إن تنامي نزعات الانشقاق والتململ الثقافي في مناطق العالم ذات الهويات الثقافية المتنوعة ما هي إلا دليل على هذه الظاهرة التي سوف تتصاعد مدياتها كما ونوعا في المستقبل لتتخذ أحيانا صورا منتظمة تثري العلاقات الإنسانية عندما تسود قيم التعقل وقواعد الحوار البناء ونزعة الحفاظ على الوحدة الإنسانية، وفي أحيان أخرى قد تكون الصورة معكوسة عندما تسود القيم البربرية والثقافة البدائية فتحكم العلاقة بين التنوعات الثقافية وتكون النتيجة صراعات دموية شديدة الخطورة تصدم المجتمعات الإنسانية في القرن الحادي والعشرين.
ونحن في عالمنا الإسلامي بدأنا منذ مطلع السبعينات من القرن الماضي نتلمس ظاهرة التدين المتنامية في أوساطنا الاجتماعية، لكن وتيرة هذه الظاهرة تسارعت في السنوات الأخيرة لاسيما بعد إفلاس المشروع القومي العربي، وعدم تحقيق نهاية مقنعة للصراع العربي – الإسرائيلي، وتحول أنظمة الاستقلال وما بعد الاستقلال إلى أشكال مفزعة من الدكتاتورية الصارمة والدولة البوليسية الفاسدة، لتكون النتيجة (ثورات الربيع العربي) التي ركب الموجة فيها التيارات الإسلامية على اختلاف رؤاها الفكرية ومنطلقاتها الثقافية.
وقد أفرزت السنوات الأخيرة أشكالا مفزعة من العنف بين قوى الإسلام السياسي جعلت الكثير من الناس يتخوفون من مستقبل هذا الصراع وانعكاساته على الشعوب الإسلامية. وهذه المؤشرات تثير القلق وتقتضي استحضار الجانب المشرق والإنساني من ثقافتنا الإسلامية لتحكيمه في صراعاتنا الحالية والمستقبلية، وجعله أساسا مقدسا ترتكز عليه أحكامنا المستنبطة وفتاوانا الشرعية من اجل تخفيف حدة الصراع بين المسلمين أنفسهم، وبينهم وبين غير المسلمين وبما يدفع موجة التغيير المتصاعدة بالاتجاه الصحيح الذي يقود لبناء دولة مدنية اسلامية في أطروحاتها ومبانيها الفكرية، وعصرية في استيعابها للتنوع الإنساني، والتطور الحضاري، والمخرجات التقنية الرائعة للألفية الثالثة.
أهمية البحث: تتجلى أهمية البحث في انه وحسب اطلاع الباحث من أول الجهود العلمية التي تركز على البعد السياسي للاعتدال في الإسلام، فقد كانت هناك جهود علمية خارج العراق ركزت على الاعتدال بمفهومه العام، كما هو الحال بالنسبة لدراسة الدكتور علي محمد الصلابي في ليبيا التي ركز فيها على الوسطية في القرآن، أو تلك الدراسات التي تمت الإشارة إلى بعضها في سياق البحث، أما فيما يتعلق بالدراسات ذات العلاقة داخل العراق، فتكاد تكون المكتبة العراقية فقيرة فيها بشكل ملحوظ، إذ لا توجد دراسة مركزة على الاعتدال سواء بشكله العام أو بشكله السياسي، نعم هناك الكثير من الدراسات التي تنشغل بمواضيع عدة تمس الاعتدال بشكل أو بآخر كدراسة الحقوق والحريات السياسية في الإسلام، وثقافة السلم والسلام، والتسامح، والعدالة الاجتماعية، والعدل، والموقف من المعارضة وغيرها، لكن لا توجد دراسة إسلامية عراقية مركزة تجعل من الاعتدال محور اهتمامها، لذا فان هذه الدراسة مهمة في مجالها لا لكونها تنشغل بموضوع الاعتدال فحسب، بل لأنها تنشغل بموضوع الاعتدال السياسي بشكل حصري، فما يهمنا كمسلمين اليوم ليس أن نكون معتدلين في عباداتنا وشهواتنا ونفقاتنا وطعامنا على الرغم من ضرورة الاعتدال في هذه الأمور، بل أن نكون معتدلين في حياتنا السياسية، لاسيما ما يتعلق منها بإدارة الحكم، وتنظيم الدولة، وتعزيز المشاركة السياسية، لبناء نظام الحكم الصالح والرشيد الذي يتسع لكل أبناء الوطن الواحد والأمة الواحدة، بعيدا عن الاستبداد والعنف والدكتاتورية.
وما يخيف قوى الاستبداد المحلي والدولي ليس اعتدال المسلمين في الجوانب الأربعة أعلاه، بل قد يكون هكذا اعتدال مفيدا لهذه القوى عندما تستغله لتخدير الشعوب الإسلامية بإشاعة ثقافة الزهد، والرجاء، وتقبل الأمر الواقع، والتقية غير المستحبة، لكن هذه القوى ترتعد فرائصها من الاعتدال الإسلامي بمظهره السياسي كونه سيعزز هوية الأمة، ويدفعها إلى الأمام بقوة لتكون نموذجا يحتذى، فلا تقبل الطغاة والمستبدين، ولا الفاسدين والمنحرفين. انطلاقا من هذه الحقائق تأتي أهمية هذا البحث الذي لا يعتقد الباحث أنه قد ألم بكل جوانبه، لكنه بذل الوسع والجهد والالتزام بالموضوعية لإخراجه بهذه الصورة على أمل أن يكون حافزا لدراسات أخرى معمقة في المستقبل.
مشكلة البحث: في الوقت الذي وصلت فيه قوى الإسلام السياسي إلى السلطة في بعض البلدان، واقتربت من تحقيق هذا الهدف في بلدان أخرى، فالتساؤل المطروح هو: هل تمتلك هذه القوى أسس شرعية إنسانية تستند إليها لضبط علاقتها بغيرها من القوى المعارضة أو المخالفة وطنيا ودوليا، ومنع انحرافها عن مسارها الصحيح، وحمايتها من الانزلاق إلى هاوية الفوضى والعنف والاقتتال ؟ هذا التساؤل هو ما ستتم الإجابة عنه في سياق البحث.
فرضية البحث: ينطلق البحث من فرضية مفادها: يعزز الالتزام بمصادر التشريع الإسلامي الرئيسة منهج الاعتدال السياسي بشروطه الإسلامية، ليكون ضابطا وضامنا يمنع انحراف قوى الإسلام السياسي عن المسار الصحيح، ويوجهها لبناء نظام حكم صالح ورشيد.
منهجية البحث: اعتمد في البحث على منهجين علميين: الأول هو منهج تحليل المضمون عند دراسة النص القرآني والحديث الشريف، والآخر هو المنهج التاريخي عند تتبع سيرة الرسول،(صلى الله عليه وآله وسلم)، وسيرة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.
هيكلية البحث: تم تقسيم البحث إلى مقدمة ومبحثين وخاتمة، وقد انشغل المبحث الأول في تحديد مفهوم الاعتدال السياسي في الإسلام، بينما انشغل المبحث الثاني في البحث عن الأدلة الشرعية للاعتدال السياسي في الإسلام من خلال ثلاثة مطالب لكل مبحث.
المبحث الأول
مفهوم الاعتدال السياسي في الإسلام
يتطلب إدراك مفهوم الاعتدال السياسي في الإسلام تفكيك المصطلح لمعرفة الجذور اللغوية لمفردتي الاعتدال والسياسة، قبل تحديده من الناحية الاصطلاحية، وكما يلي:
المطلب الأول: ماهية الاعتدال لغة
الاعتدال مصدر مشتق من الفعل عدلَ، والعدل هو “ما قام في النفوس إنه مستقيم، وهو ضد الجور.. وفي أسماء الله تعالى: العدل وهو الذي لا يميل به الهوى فيجور في الحكم..”(1). لذا يقول صاحب كتاب (معجم تفسير مفردات ألفاظ القرآن): إنه “.. بالعدل قامت السماوات والأرض تنبيها إنه لو كان ركن من الأركان الأربعة في العالم زائداً على الآخر أو ناقصاً عنه على مقتضى الحكمة لم يكن العالم منتظماً..”(2). أما الاعتدال فهو التوسط بين حالين في الكم أو الكيف وعدم الميل إلى المواقف الطرفية “.. وكل ما تناسب فقد اعتدل، وكل ما أقمته فقد عدلته.. وإذا مال شيء قلت عدلته أي أقمته، واعتدل أي استقام”(3). والاعتدال من “أمهات الفضائل”، فهو فضلاً عن الاستقامة والوسطية، يشير إلى “..الاتزان في الحكم والرأي”(4)، فيقترب معناه اللغوي من معنى السماحة بما فيها من يسر وسهولة واستواء وتجرد من العقد، لذا قيل إن الإسلام يمثل الحنيفية السمحاء(5).
بناءاً على ما تقدم، فإن الاعتدال يشكل النقيض اللغوي للتطرف، حيث إن التطرف يشير إلى مجاوزة حد الاعتدال وعدم التوسط، وأخذ الأشياء من أطرافها، فالمتطرف من الناس والقوى يمثل العنيف المغالي في قوله أو فعله(6). فلا تراه إلا مُفرِطاً أو مُفَرِطاً.
المطلب الثاني: ماهية السياسة لغة
السياسة لغة: هي “.. الرياسة، يقال ساسوهم سوساً، وإذا رأسوه قيل سوَّسوه وأساسوه، وساس الأمر سياسة: قام به، ورجل ساس من قوم ساسة وسَّواس.. وسوَّسه القوم: جعلوه يسوسهم.. سست الرعية سياسة.. وسوس الرجل أمور الناس.. إذا ملك أمرهم.. والسياسة: القيام على الشيء بما يصلحه، والسياسة فعل السائس، يقال: هو يسوس الدوابَّ إذا قام عليها وراضها، والوالي يسوس رعيته..”(7)، كما قيل عن السياسة، بأنها: “.. تولي الرئاسة والقيادة والإدارة.. ساسة البلاد قادتها، الذين يديرون شؤون البلاد والعباد… سياسي متعلق بإدارة الشؤون العامة وتنظيمها..”(8).
ويفهم من هذا التحديد اللغوي لمفردة السياسة، إنها تنطوي على معنيين:
الأول: ضيق، ينحصر في إطار السلوك الفردي عندما يقوم الإنسان بترويض دابته لتحسين سلوكها ومنع جماحها وعنفها، ويدخل في هذا المعنى ترويض الإنسان نفسه لحملها على الأخلاق الفاضلة والسلوك الحسن، وإبعادها عما خالف ذلك.
الثاني: واسع، يجعل السياسة فعلاً إنسانياً شاملاً للمجتمع بكل مستوياته من خلال قيادته، وإدارته، والتولي عليه، وتنظيم أموره.
والمعنيان كلاهما، يجعل السياسة فعلاً إصلاحياً، سواء في إصلاح النفس والدابة وما يدخل في بابها، أو في إصلاح المجتمع –قيادة وإدارة وتنظيماً- وهذه النزعة الإصلاحية للسياسة سيجري تأكيدها والارتكاز عليها في مباني هذا البحث، تمييزاً لها عن النزعة الميكافيلية التي تجعلها عبارة عن “.. نشاط.. مراوغ، بواعثه الوحيدة هي الطموح، وتذوق الربح وإرادة القوة”(9)، وتنظر إليها كفعل قائم على الحيلة والخداع، منطلقه الأساس مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، خدمة لمصلحة الحاكم –فرداً أو جماعة- على حساب مصلحة المحكوم – إنساناً واجتماعاً.
المطلب الثالث: الماهية الاصطلاحية للاعتدال السياسي في الإسلام
طالما أن السياسة كعلم تعرف على إنها:”.. العلم الذي يدرس الدولة..”(10)، أو “.. علم إدارة الدولة..”(11)، أو العلم الذي “.. يدرس الناس من حيث هم حاكمين ومحكومين، ومن حيث هم جماعات سياسية متغيرة المصالح والأهداف”(12). أما السياسة كفن فهي: “فن ممارسة النشاط السياسي..”(13)، أو “فن ممارسة القيادة والحكم وعلم السلطة أو الدولة، وأوجه العلاقة بين الحاكم والمحكوم”(14)، أو هي على رأي أحد الباحثين الإسلاميين ذلك الفعل الذي “.. يكون معه الناس اقرب إلى الصلاح وأبعد من الفساد، وان لم يضعه الرسول (ص) ولا نزل به وحي.. (أو) هي فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئي”(15).
فإن نطاق السياسة هو من الاتساع والخطورة بحيث يجعلها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً –تأثيراً وتأثراً- بحياة الناس على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم واعتقاداتهم سواء داخل الدولة التي يحملون جنسيتها أو خارجها. وإذا كان الإسلام قد حض على ممارسة الاعتدال من قبل المسلم في إطاره الفردي: الأكل والشرب، الإنفاق، إشباع الغرائز.. فإنه من باب أولى، استناداً إلى قاعدة المهم والأهم، أن يعطي للاعتدال في ميدان السياسة اهتماماً أكبر لعلاقة الأمر بمجموع الناس، وتأثير ذلك على مقدار قبول النظام السياسي الإسلامي من قبل الخاضعين له، وطبيعة تصوره من قبل الآخرين الذين يعيشون خارج العالم الإسلامي، لاسيما أن الاعتدال –كما مر بنا آنفاً- يعد من أمهات الفضائل، وإذا كان الاعتدال السياسي يمثل: “.. تلك الفضيلة التي تترك يمينها ويسارها يميلان نحو الرذيلة والتطرف، وتقيم ميزاناً للعدل في الحكم، والخلق الرفيع في السلوك..”(16). فإن الاعتدال السياسي في الإسلام يعني: “.. التزام المنهج العدل الأقوم، والحق الذي هو وسط بين الغلو والتنطع، وبين التفريط والتقصير، فالاعتدال والاستقامة وسط بين طرفين هما: الإفراط والتفريط، والاعتدال هو الاستقامة والتزكية والتوسط والخيرية..”(17).
إن فهم الاعتدال السياسي في الإسلام بشكل واضح يتطلب تحديد المرتكزات الشرعية التي يرتكز عليها، وهذه المرتكزات تستند إلى ركنين مهمين هما:
الركن الأول: الاستقامة:-
ويقصد بها الاستقامة في الموقف والسلوك الدنيوي مع الطبيعة والمجتمع، والتزام تحقيق “الدنيا المحمودة” التي تقوم على أمرين هما:(18)
الأول: توحيد الله ورؤية قدرته تعالى وربوبيته في الطبيعة وخيراتها، ووعي العناية الإلهية في تيسيرها للإنسان، وتمكين الإنسان منها بتزويده بالقدرات العقلية والجسدية المناسبة.
الثاني: مراعاة التوازن والاتزان، والعدل.. في الأخذ من الدنيا والاستمتاع بها، والتعامل مع الطبيعة، فضلا عن ضرورة مراعاة الرفق، والتسامح، والعفو، والمعرفة، وقبول الآخر واحترام قناعاته الفكرية والأعتقادية والسياسية، وأهلية تحمل المسؤولية، والحفاظ على الكيان السياسي للدولة الإسلامية، وعدم تمزيق وحدة المجتمع، والابتعاد عن الطغيان والبغي والعدوان في العلاقة مع الناس – مجتمعاً وأفراداً.
وتظهر أهمية هذا الركن في ميدان الحكم والإدارة –ميدان السياسة- من حقيقة أن الناس كما يقول أحد الباحثين: تبحث في الحاكم عن عدله الذي يرسخ الثقة بينه وبين المحكومين(19). ولا يمكن للعدل أن يسود بدون استقامة الحاكم، والتزامه بمنهج الاعتدال السياسي.
الركن الثاني: الوسطية والشهادة:-
إن “الأمة الإسلامية بما هي حاملة لرسالة الإسلام عقيدة، وشريعة، وحضارة، وتجسيد لها، تقف في المركز الوسط المتوازن، ويتمثل التوازن في المسيرة البشرية بين الإفراط والتفريط، وبين الإسراف من هنا، والإسراف من هناك”(20)، وهذه الوسطية أهلت الأمة الإسلامية لتمتاز إلى جانب وسطيتها بميزة الشهادة، “.. فإن الشاهد يجب أن يكون منفصلاً ومتمايزاً عن المشهود عليه (بقية الأمم) ولكن لا يجوز أن يكون منغلقاً عنه، بل يجب أن يكون منفتحاً عليه، متواصلاً معه في آن واحد”(21). لذا تجد إنه في الوقت الذي يقول سبحانه وتعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً..)(22)، فإنه سبحانه وتعالى يقول: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ..)(23). فوسطية الأمة وشهادتها، مقترنة في الآن نفسه بخيريتها وصلاحها، يؤيد هذا الكلام، الفهم اللغوي لمفردة “وسط” في معاجم اللغة العربية حيث أن وسط الشئ: أفضله وأقواه، كذلك وسط القوم أفضلهم وأشرفهم(24).
إن الاعتدال السياسي للمسلم –حاكماً ومحكوماً- لا يقصد به أن يكون في منتصف الطريق بين الخير والشر، أو بين الله سبحانه وتعالى والشيطان عليه اللعنة، بل هو دائماً وأبداً مع الله عز وجل، وفي مركز الحق والخير، ليؤهله ذلك لدور الشهادة. وعليه يكون الاعتدال السياسي الإسلامي هو رديف الأخذ بأفضل الأفكار والرؤى والمعتقدات، والسبل وأنماط السلوك والمواقف السياسية، لإدارة الدولة وإصلاح شؤون الناس، تعزيزاً للثقة بين السلطة والشعب.
بناءاً على ما تقدم، يمكن تعريف الاعتدال السياسي في الإسلام بأنه: المنهج السياسي الإسلامي الذي يكون مرتكزا على الاستقامة والوسطية والشهادة في الدين والدنيا، ومعتمدا النزعة الإصلاحية للسياسة في القيادة، والحكم، والإدارة، بعيداً عن الغلو والتطرف من جهة، وعن الابتذال والتقصير من جهة أخرى، لبناء نظام حكم صالح يؤهل المسلمين ليكونوا الأمة الأكثر خيرية وسموا بين الأمم الأخرى.
المبحث الثاني
الأدلة الشرعية للاعتدال السياسي في الإسلام
يمكن الاستدلال على الاعتدال السياسي في الإسلام من خلال ما يلي:
المطلب الأول: دليل القرآن الكريم
إن التحليل الإجمالي للنص القرآني، يكشف عن أدلة كثيرة تشير إلى الاعتدال بمعناه الواسع: كالتركيز على اليسر ورفع العسر والحرج في الدين(25)، والتخفيف عن الإنسان(26)، والحث على التوازن والاستقامة في جميع الأمور الدينية والدنيوية(27). لكن هذا المعنى لن يتم التعمق والتوسع فيه سواء في هذا المطلب أو المطالب الأخرى، لأن هدف البحث هو الاعتدال بمعناه السياسي المرتبط بإدارة الدولة، والمواقف السياسية المتباينة، والذي يجعله الإسلام مرتكزاً على الاستقامة: أي الإقرار بعبودية الله، والعدل، والإنصاف، والحكمة، والرحمة، والاتزان والتوازن.. من جانب، وعلى الوسطية والشهادة: أي الانطلاق من مركز الحق، والخير، والفضيلة، والإصلاح لبناء نظام حكم صالح، يمنح الأمة أهلية الشهادة على غيرها من الأمم من جانب آخر.
والاعتدال السياسي بهذا الفهم الإسلامي توجد له أدلة كثيرة في كتاب الله تعالى، إذ حارب النص القرآني التطرف، وعده انحرافاً من الأمة التي تقول به كما في قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ..)(28)، وقد اتفقت كتب التفسير على أن المقصود بالغلو في هذه الآية المباركة هو تجاوز الحد بالإفراط أو التفريط من خلال تجاوز الحق المبني على توحيد الله، وأنه سبحانه واحد أحد لا شريك له ولا ولد، فذهب بعض المفسرين إلى أن الخطاب موجه إلى النصارى فقط كونهم غالوا في المسيح عليه السلام عندما رفعوه إلى مقام الآلوهية متأثرين بالعقائد الوثنية(29). بينما ذهب آخرون إلى أن الخطاب موجه – أيضا – إلى اليهود الذين فرطوا في تقدير المسيح عليه السلام فانزلوه إلى مستوى الحضيض عندما أنكروا نبوته واتهموا أمه الطاهرة عليها السلام (30). ويتكرر هذا الانتقاد القرآني للغلو عند أهل الكتاب في قوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ)(31).
وإذا كان الغلو في الدين (إفراطا وتفريطا) منهي عنه، فان البديل القرآني له هو الاعتدال بشكله العام والسياسي الذي يتمثل ركنه الأول بالاستقامة التي أكد عليها الخطاب القرآني في آيات كثيرة منها قوله تعالى: (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ)(32)، وقوله تعالى: (وَهَـذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُون)(33)، وقوله تعالى: (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(34)، وقوله تعالى: (وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)(35). وتتفق كتب التفسير على أن المقصود بالطريق المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه وهو طريق توحيد الله وطاعته، فقال الطوسي في تفسيره أن المقصود به واحد من معان عدة هي: كتاب الله أو الإسلام أو دين الله أو النبي (ص) والأئمة من أهل بيته (ع)، لكنه فضل حمل المعنى على العموم لتدخل كل هذه المعاني فيه، فيكون الصراط المستقيم هو طريق الحق القائم على عبودية الله وطاعته مما يجعل كل طريق من طرق الحق طريقا مستقيما طالما يحقق نفس الغاية، وهذا تفسير غاية في الروعة وسعة الأفق الفكري (36). وابن كثير أكد – أيضا -في تفسيره هذا المعنى عندما جعلا المقصود من الطريق المستقيم هو طريق توحيد الله تعالى وطاعته فيما أمر ونهى (37). أما الفيض الكاشاني فانه أعطى لتفسير الطريق المستقيم فهما إضافيا عندما قال: “.. الصراط المستقيم في الدنيا ما قصر عن الغلو وارتفع عن التقصير واستقام، وفي الآخرة طريق المؤمنين إلى الجنة.. صراط الله، وهو صراط التوحيد والمعرفة والتوسط بين الأضداد في الأخلاق والتزام صوالح الأعمال.. “(38).
إن ربط معرفة الحق من الناحية القلبية والروحية بالاستقامة من الناحية العملية تجد التأكيد عليها في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)(39)، وقوله تعالى:) إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ((40)، فالذين قالوا ربنا الله أي وحدوه تعالى بلسانهم واعتقدوا ذلك بقلوبهم، واستقاموا على ذلك أي لم يعدلوا (يميلوا) عنه في عملهم، والاستقامـة هنا منتهى العمل، فلا خـوف عليهم من العقاب في الآخـرة، ومن أهــــوال القيامة (41).
إذا، فالاستقامة في القرآن شرطها الأساس هو التزام طريق الله تعالى –إقراراً وطاعة- أما مظاهرها فهي:
أولا: اعتماد العقل السليم والمعرفة واللين والرحمة والموعظة الحسنة في دعوة الناس إلى هذا الطريق، كما في قوله تعالى: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)(42)، وقد بين محمد جواد مغنية أن هذه الآية ترشدنا إلى ما يلي:
– ” إن الدعوة يجب أن تكون للحق خالصة من كل شائبة، فأي إنسان يدعو إلى غير الحق فدعوته فساد وضلال، وأعظم الناس جرما من اتخذ من الدعوة إلى الله والحق وسيلة لتدعيم جاهـه وكيانه، كما يفعـل طلاب الزعامة والرئاسة من رجال الدين والدنيا.
– أن تكون الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، ومن الواضح أن قوام الحكمة العلم والعقل، فبالعقل يميز الداعي بين الحق والباطل، والخير والشر، وبالشر يعرف أحوال المخاطبين والطريقة التي ينبغي أن يخاطبهم بها من اللين والشدة، أما الموعظة الحسنة فمنها، بل أحسنها، أن يخاطب المرشد المخطئ بأسلوب يشعر منه تلقائيا أنه مخطئ، ومن الحمق أن يفاجئه بالتأنيب والتوبيخ، وقديما قيل: التلويح أبلغ من التصريح..
– الجدال بالتي هي أحسن، وذلك بأن يكون الغرض منه إظهار الحق، وإقناع المنكر، لا مجرد إفحامه والتغلب عليه ” (43).
ومن أجمل ما قيل في تفسير هذه الآية هو قول الفيض الكاشاني عندما أشار إلى أن الآية تخاطب فئات مختلفة من الناس، وكل فئة بأسلوب مختلف في الدعوة إلى طريق الله وهذه الفئات هي:
– الخاصة، وتتم دعوتهم بالحكمة القائمة على البرهان والمقالة المحكمة، أي بالغـة الحجة.
– العامة، وتتم دعوتهم بالموعظة الحسنة القائمة على الخطابات المقنعة والعبر النافعة، التي لا يخفى عليهم أن الداعي ينصحهم بها وينفعهم فيها.
– أهل الجحود والمعاندين، وتتم دعوتهم بالجدال الحسن القائم على البرهان والحقائق الثابتة، كحقيقة البعث بعد الموت على سبيل المثال، والمعرفة العميقة لمن يجادل لا أن يكون جدالا خلافيا يجحد الحق ويضعفه ويثير الضغائن ويفرق الناس(44). وهذا ما لا يدركه الكثير من الدعاة والساسة في عالمنا الإسلامي في الوقت الحاضر، عندما يتوجهون إلى شعوبهم بخطاب واحد لا يأخذ بنظر الاعتبار طبيعة المخاطب ومستوى وعيه وفهمه، وكيفية رد فعله على هذا الخطاب، فتكون نتائج خطاباتهم في أغلب الأحيان سلبية لا تصب في مصلحة بناء الدولة الإسلامية.
كما يتأكد هذا المنهج القرآني في قوله تعالى من سورة آل عمران: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)(45)، إذ صحيح أن المخاطب هنا هو الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا أن الخطاب يشمل كل حاكم ومسؤول يتولى أمور الناس، لذا ترى أن من مضامين هذه الآية الكريمة ما يلي(46):
– أن يكون الحاكم والمسؤول متصفا بالرحمة غير جاف ولا قاس في قوله وقلبه وما يصدر من فعله، فلا يضيق بجهل الناس وضعفهم ونقصهم، ويحمل همومهم، ويجدون عنده دائما الاهتمام والرعاية والعطف والسماحة والود والرضاء.
– أن تكون سياسته مستندة إلى العفو وطلب المغفرة للناس، إذ أن الآية نزلت بعد معركة أحد وما لحق فيها بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمين من ألم نتيجة تخلف البعض عن أمره عليه السلام، لكن على الرغم من ذلك يخاطب سبحانه وتعالى نبيه الكريم ويدعوه إلى العفو عن المتخلفين وعدم معاقبتهم وطلب المغفرة لهم.
– أن يعتمد نظام الحكم سياسة الشورى ونشر منطق المشاورة بين الحاكم والمحكوم تطييبا للنفوس، وتأليفا للقلوب، ورفعا لقدر الناس، ليكون الحاكم قدوة لشعبه، وقائدا لهم إلى دروب الخير، علما أن ما تحققه الشورى من نتائج ستكون لمصلحة الجميع، مما يدل على أن مبدأ الشورى مبدأ أساسي لا يقوم نظام الإسلام على أساس سواه.
ثانيا: أداء الأمانة واعتماد العدل كأساس للقيادة والحكم والإدارة، كما في قوله تعالى: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ)(47)، وقوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً)(48)، وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً)(49)، وقوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)(50)، وقوله تعالى:(لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)(51).. والأحكام المستنبطة من هذه الآيات كثيرة منها:
– إن الدين يحكم حياة المسلمين أفرادا وجماعات، فعليهم أن يكونوا شهداء لله أمام الأمم الأخرى على عظمة هذا الدين من خلال التمسك بأحكامه وتعاليمه قولا وفعلا لا أن تلهج ألسنتهم بالدين قولا ويتبعون أهوائهم ومصالحهم الذاتية أو الأسرية أو الفئوية في أفعالهم (52).
– إن أداء الأمانة يمثل شرطا مهما من شروط الالتزام الديني وهي حق من الحقوق التي يجب على المسلم تأديتها – حاكما أو محكوما – سواء أكان هذا الحق مرتبط بالدين، أو العلم، أو الوطن، أو المجتمع، فالأمانة عصب الحياة وقوامها الذي لا يستقيم شئ بدونه، وقد نقل محمد جواد مغنية عن الإمام زين العابدين عليه السلام قوله: لو ائتمني قاتل أبي على السيف الذي ذبحه به لما خنته.. في إشارة إلى عظمة الأمانة وأهميتها، فكيف إذا كانت الأمانة مرتبطة بحكم الناس والسهر على حفظ حقوقهم وحرياتهم وضمــان مستقبــلهم ومستقبــل أجيالهم ؟ (53)، لابد أنها ستكون ثقيلة جدا وتحتاج إلى أهل جديرين بحملها.
– إن العدل هو دليل استقامة الإنسان المسلم سواء في تمسكه بمنهج الحق وعدم الانحراف عنه بتأثير الهوى، أو القرابة، أو البغض، أو الاختلاف في العقيدة الذي لا يشكل تهديدا للكيان السياسي الإسلامي. وفي ممارسته للحكم والقيادة وإدارة شؤون الناس، كون العدل خير كله. فعدل القاضي هو مساواته بين الخصمين في كل شئ، وإعطاء كل ذي حق حقه. أما عدل الوالي فهو باهتمامه بكل شؤون الناس كالصحة والثقافة والعيش الكريم والحرية والفرص المتكافئة للجميع، وحمايتهم من سيطرة الطامعين سواء أكانوا من داخل الوطن أو خارجه (54).
ثالثا: ثقافة الحوار كبديل لثقافة الغلو والتطرف، فالاستقامة كركن من أركان الاعتدال السياسي في الإسلام تهدف إلى ظهور مجتمع السلم كنقيض لمجتمع البغي والظلم والعدوان، والمجتمع الأخير من ملامحه الرئيسية الغلو والتطرف والانحراف عن الحق، ذلك الغلو والتطرف الذي جعل من إبليس لعنة الله عليه سيد الغلاة والمتطرفين، فهو في غلوه ذهب إلى معصية الخالق عز وجل بعدم السجود لآدم، وتوعد آدم ونسله بالغواية والانحراف، لكن الله عز وجل على عظمة قدرته لم ينتقم منه بمجرد معصيته، فيضرب بنفسه سبحانه وتعالى مثلاً في التعامل مع الرأي الآخر، عندما حاوره، وسمع منه، وأعطاه ما أراد من تأخير في عقابه، كما في قوله تعالى: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ • قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ • قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ • وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ • قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ • قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ • إِلَى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ • قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ • إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ • قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ • إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ)(55).
إن هذا النص القرآني بدلالاته العميقة، يضرب مثلاً رائعاً في الاعتدال مع الرأي المعارض، ويشكل إدانة ربانية لكل الطغاة والمستبدين الذين يمتهنون كرامة شعوبهم بحجج شتى، ومهما اختلف الفقهاء في تفسير هذا النص القرآني، فهم لا يختلفون في انه حوار تم بين الخالق سبحانه وتعالى كخير مطلق وبين الشيطان كشر مطلق وفي ذلك عبرة عظيمة للبشر(56).
وعند تتبع سيرة الأنبياء والمرسلين في النص القرآني، تجد أن منهج الاعتدال السياسي بمظاهره المتقدمة، هو دائماً منهج الأنبياء والمرسلين، بينما يكون الغلو والتطرف الجامح سياسياً منهج أعدائهم ومخالفيهم، ففي قصة موسى عليه السلام وفرعون يقول الله تعالى: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى • فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)(57). وتفسير الآية الأولى يظهر أن طغى بمعنى تجاوز الحد وتطرف في طغيانه ومعاصيه، وهذا ما لا يرضاه الله لعباده، أما القول اللين في الآية الثانية فيشير إلى دعوة فرعون إلى طريق الله على أساس الرجاء والطمع في فلاحه لا على أساس اليأس من ذلك، وبأسلوب ينطوي على التوقير والاحترام للمخاطب (بفتح الطاء) حتى يكون أقرب للاستجابة فلا تأخذه العزة بالإثم وينكر دعوة الحق، ولكي يوقظ ذلك قلبه فيتذكر ويخشى عاقبة الطغيان(58). لكن رد فرعون على هذه الدعوة السلمية الهادئة غير المتطرفة كان بالشكل الآتي: (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ)(59)، ويستفيض النص القرآني في ذكر مظاهر طغيان فرعون كما في قوله تعالى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحاً لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ)(60)، وقوله تعالى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ)(61)، وقوله تعالى: (.. فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً عَالِينَ • فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ)(62)، ويؤذي فرعون من يؤمن بدعوة الله بأشد أنواع العذاب، كما هو الحال في تعامله مع السحرة الذين استجابوا لطريق الله، إذ يقول سبحانه وتعالى: (قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى)(63).
إن فرعون وأمته لا ينفردون في هذا الموقف السياسي المتطرف، بل إن مظاهر التطرف تظهر لدى أمم أخرى انحرفت عن طريق الله وحاربت أنبياء الله، منها: قوم لوط عليه السلام، كما في قوله تعالى: (وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ • قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ)(64). والعادي في الآية الأولى نظير الظالم والجائر، أي أنهم خارجون عن الحق ومتجاوزون للحد، أما كلمة مخرجين في الآية الثانية فهي تهديد للوط عليه السلام بالنفي والأبعاد من وطنه وقومه(65).
كذلك قوم صالح عليه السلام، كما في قوله تعالى:(فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ • وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ • الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ • قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ)(66). فالمسرف في الآية الكريمة هو الذي تجاوز الحد بالبعد عن الحق، فأصبح يفسد في الأرض ولا يصلح، ويتهم المصلحين من الأنبياء أو غيرهم الذين يريدون أعادته إلى جادة الصواب بأنهم مخبولون أو مجانين(67). وقوم نوح عليه السلام، إذ ردوا على نبيهم بالقول: (قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ)(68). وقوم هود عليه السلام إذ ردوا على نبيهم بالقول: (قَالُوا سَوَاء عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ •‏ إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ • وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ)(69). وقوم إبراهيم عليه السلام، إذ ردوا على نبيهم بالقول: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)(70).
أن تأكيد النص القرآني على منهج الاعتدال السياسي ورفض الغلو والتطرف يظهر جليا – أيضا – من خلال المدح الضمني لملكة سبأ قبل إيمانها، عندما اعتمدت هذا المنهج سواء في مشورتها لقومها بعد أن وصلها كتاب سليمان عليه السلام وعدم إنفرادها بالرأي دونهم، وفي ذلك ملاطفة منها لقومها. أو في إرسالها الهدية إلى سليمان عليه السلام لتختبر صدق نبوته من جهة، وكتعبير عن حسن النية وعدم الانسياق الأعمى وراء ما تتمتع به من منعة وقوة عسكرية من جهة أخرى، لأنها رأت أن دخول الحكام إلى البلدان عنوة سيفسدها، ويقود إلى استعباد أهلها، وقد صدقها النص القرآني عندما انتهى بقوله تعالى:” وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ” (71)، ويمكن أن يستنبط من هذه القصة القرآنية أحكاما رائعة سواء في علاقة الحاكم بالمحكوم أو في ميدان العلاقات الدولية، فضلا عن دلالتها التي يستفاد منها في هذا البحث.
من خلال ما تقدم، ترى أن الاستقامة بمظاهرها المختلفة كالثبات على الحق واعتماد طريق الله، واللين والرحمة، والعلم والمعرفة، والحكمة والموعظة الحسنة، والعدل وأداء الأمانة، والعفو والشورى، والمجتمع الآمن المتعايش بسلام من خلال اعتماد ثقافة الحوار، هي الركائز التي يبنى عليها منهج الاعتدال السياسي في القرآن. بينما الغلو والتطرف، والجمود الفكري، والتعذيب والنفي، والقتل، والسجن، والتشريد، وتمزيق وحدة المجتمع، واستعباد البشر، وامتهان كرامة الإنسان هو المنهج الذي تقوم عليه الحكومات والمجتمعات المتطرفة التي تنحرف عن طريق الحق.
والاعتدال السياسي بشروطه القرآنية هو الذي أعطى الأمة الإسلامية صفة الوسطية والشهادة، كركن ثان يبنى عليه اعتدالها السياسي كما في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)..(72)، فوسطية الأمة، وشهادتها نتجت من الخيرية والأفضلية التي منحها لها التزامها بطريق الله تعالى، كما يؤكد ذلك قوله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ..)(73).
يتبع