الرئيسية » مقالات » أوهام الثورة الإسلامية الشمولية في باكستان و أعطال الديمقراطية

أوهام الثورة الإسلامية الشمولية في باكستان و أعطال الديمقراطية

ظاهرة تفاقم المشكلات علی المسرح الكوني، في غير مكان و علی غير صعيد و توالي الدعوات و إصطراع الهويات و صعود أنبياء جدد بين ليلة و ضحاها، يدعون بأنهم أصحاب مهمات إلهية و منازع إسلامية تهدف الی إحتكار المشروعية و ممارسة الوصاية علی الشأن الكوني أو إدارة الشأن الإسلامي بمنطق الدين، دليل علی إنهيار المشاريع الديمقراطية الكارتونية السطحية، التي صادرت حرية التفكير و أنتجت الأخطاء و الأوهام و الأصنام و المحرمات أو المقدسات.
الحل هو المشكلة، فقبل فترة وجيزة ظهر نجم “محمد طاهر القادري” في سماء السياسة الباكستانية، الذي يلقب نفسه بـ”شيخ الإسلام” و الذي إكتسب شعبية فور عودته من كندا إلى بلاده منذ أسابيع، فهو مٶسس منظمة إسلامية كبيرة في بداية الثمانينات من القرن الماضي تسمی “منهاج القرآن العالمية”، تملك فروعاً في أكثر من تسعين دولة في العالم.
صحيح بأن محمد القادري، الداعي “للسلام العالمي”، قام في الماضي بإصدار فتاوی عديدة منها فتوی ضد الإرهاب و المتورطين في العمليات الإرهابية، معتبراً إيّاهم بالخارجين عن “الملة القويمة” أو بـ”كفار”، واصفاً تنظيم القاعدة بـ”شرّ قديم بإسم جديد”، لكنه اليوم يريد أن يحول إسلام آباد الی “ميدان التحرير”، بعد أن أعلن بشن حرب على الفساد و سوء الإدارة، داعياً الی تنفيذ إصلاحات انتخابية، منادياً الی تظاهرات مليونية ضد الحکومة الحالية، تشارك فيها أتباعه “القادريين” ومن النشطاء في “حركة منهج القرآن” التي تضم شبكة من المؤسسات الدينية والتعليمية في باكستان والعالم، لخلق “ثورة ديمقراطية” و حل البرلمان الحالي المنتخب من قبل الشعب الباكستاني بشکل ديمقراطي.
لكن من هو محمد طاهر القادري؟ هذا الرجل ذو اللحية البيضاء و النظارات المطلية بماء الذهب، عاش في السنوات الماضية في أمريكا الشمالية، يحمل بالإضافة الی الجنسية الباكستانية، جواز سفر كندي. رجع القادري في شهر كانون الأول عام ٢٠١٢ الی باكستان، قام بعده بجمع الآلاف من أتباعه في مدينة لاهور ليطالب معهم بالإصلاحات الإنتخابية و إنتخابات جديدة يسمح فقط لمرشحين يثبتون بأنهم دفعوا ضرائبهم الی الحكومة، لكي يحتل، علی حد قوله، “أناس أمناء و نزهاء” مقاعد البرلمان.
المعروف بأن هناك إنتخابات يحتمل إجراءها في الربيع من هذا العام و إذا تمت الإنتخابات، فإنها سوف تكون أول إنتخابات تجري بشكل ديمقراطي بعد ٦٦ عام من تاريخ هذا البلد. لكن بسبب مطالبته من الجيش تقديم المشورة لتشكيل حكومة إنتقالية، يعتقد الكثيرون بأنه يدعم من قبل الجيش و بالأخص من قبل الدكتاتور العسكري السابق برويز مشرّف.
السٶال الذي يطرح نفسه و الذي يدعوا الی الإستغراب، هو من أين لـ”شيخ الإسلام” محمد القادري كل هذا التمويل المالي للقيام بحملته الانتخابية، وهو الذي تحول في غضون أسابيع قليلة من لا أحد الی هذا النجم السياسي الساطع؟
أتباعه يقولون بأن مٶسسته، “منهاج القرآن” هي التي تقوم بتمويله مادياً لهذه الحملة بعد حصولها علی تبرعات من قنوات مختلفة و هي التي أجّرت أكثر من أربعين الف حافلة لنقل المتظاهرين ولها رجال أمنها الخاص والتي تعمي المشاركين في التظاهرات. و هو كإنتهازي يلعب بحبل المدافع لآراء المحافظين تارةً و يقبل الرجم كحد شرعي من الحدود الشرعية و يدعم تارة أخری مساواة المرأة في حقوقها المتعلقة بديتها.
سٶالنا، هل يملك محمد القادري القدرة الكافية لتحريض الشارع في عموم باكستان للقيام بالثورة هناك وهل تكون هذه الثورة إسلامية، أم إنها تبقی أقرب الی التهويم والتشبيح أو الی الشعوذة والهذيان؟
المآل هو دوماً عكس الإدعاء والوسائل تدمر الغايات والمشروع الإسلامي يفقد مصداقيته و يحرق الأوراق التي يلعب بها، لذا يمكن الإدعاء بأن منطق التقديس والتسبيح للأشياء والذوات والأشخاص أو للأفكار الشعارات، التي يرفعها “شيخ الإسلام” اليوم هو الذي سوف يولد الإستبداد والإستلاب و العماء والإرهاب أو الفساد والخراب. أما التسبيح بحمد الحقيقة والحق أو الحرية والديمقراطية فلا يقود باكستان الی برّ الأمان. فالأجدی لهم، خاصة و أننا نلج الی عصر كوكبي تتعولم فيه الهويات والثقافات، كما تتعولم المشكلات والكوارث، أن يصنعوا صور جديدة عن أنفسهم و عن علاقاتهم بسواهم و عن مكانتهم في العالم، لا أن يعمل نعض منهم تحت یافطة ما هو مطلق و مقدس و ثابت و كامل و أحادي و نهائي، لتحويل البشر هناك الی آلات عمياء أو إتخاذهم كرهائن لبرامج و مشاريع “شيخ الإسلام” الشمولية لتطهير الأرض من المخالفين في العقيدة والحصيلة سوف تكون دوماً إستحكام الأزمات و إعادة إنتاج المآزق.
وختاماً: إن تحويل الدين، الذي يسميه البعض بـ”فيتامين الضعفاء”، من صيغته المركبة والمزدوجة التي كانت تٶمّن نوعاً من التوازن بين التقی والإنتهاك و الوازع الخلقي والسلوك الهمجي وبين الرحمن الرحيم والجبار المنتقم، الی مٶسسة لإطلاق الوعيد والتهديد أو الی إستراتيجية قاتلة تنتهك كل قيم التواصل والتعارف و التراحم والتكافل، سوف تقبر الديمقراطية و تحجب العقلانية، لا تساعد علی خلق مساحات و لغات و آليات للتعايش والتبادل علی نحو إيجابي و بناء.
الدكتور سامان سوراني