الرئيسية » الآداب » قصة قصيرة – القهوةُ الروحُ والرائحةُ والمكانُ!

قصة قصيرة – القهوةُ الروحُ والرائحةُ والمكانُ!


لم يكن يرغب في أن يدخل في علاقة من أي نوع مع أي معجبة من المعجبات، المهووسات بما كان يكتب حول طقوس القهوة، التي هي بالنسبة إليه طقوس الحب، التي دبجها خصيصا لصاحبته تلك التي اختارت وفضلت أن تغيب، فهو لا يحب الغموض والتناقض، ويخشى من الأسماء المستعارة التي تختفي خلفها كثير من الشخصيات الافتراضية، لا يريد أن يتنازل قلبه عن حب تلك السابحة في ملكوتها، لا يريد أن يخدعها في غيابها، وهل بقي قلبه معه ليحب عليها غيرها، ليجرب العبث، فكل حب وطقوس حب ليست مصنوعة لها هي العبث بعينه، فمن أحب لا بد أن يكون قلبه معه ومالك له.
تذكر كيف كانت بالأمس مهمومة، تكتب بعض أحاسيس مدفونة في أعماقها عن شيء يزعجها، وعندما يسألها عن ذلك، تكتفي بالقول: مجرد قول خطر في البال فكتبته. وهو لم يكن ليقتنع بما قالت، حتى أنه بات يخشى أن يسألها عن أسباب ذلك الوجع الظاهر في تغريداتها وجملها المكتوبة.
يحاول كل ليلة أن يستدرجها لتقول ما خبأته في ضميرها، وخشيت أن تطلعه عليه، ربما كان سرا خطيرا مؤلما لا تريد أن تقوله له، ربما خافت أن يبتعد عنها إن عرف ذلك السر، فما هو يا ترى؟ يستدرجها بالحديث حول القهوة، فهي تجيبه عن القهوة، وهو يجيبها عنها، وكلما قاربت لتبوح له بأسرارها ابتعدت، واستخدمت مكرها ودهاءها لتحرف مجرى الحديث، وتجعله منصبا على القهوة فقط، لقد تركت القلب عطشا دون أن تسكب فيه أي قطرة من قطرات قلبها المصفى، تركته وهو محموم ومتقلب المزاج وعصبيّ، إن هذا ما كانت تتقنه كل ليلة.
يعبر لها عن حبه وديمومته وشوقه، وينسى بل ويمسح كل موقف قد تفهم هي منه أنها أغضبته فيه، تحاول أن تعتذر فيردها عن ذلك، قائلا لها: لو غضبت منك لما تحدثت إليك اليوم وكل يوم، فكيف لي أن أغضب منك ولو قليلا، فمهما عملت، فليس لك ذنوب عندي، بل إنني أنا من يجب عليه أن يعتذر لك كلما بدر منك أو مني ما يكدر الخاطر ويزعجه.
تهرب من الموقف، لتسأله عن أحواله وهل هناك كتابات جديدة. أخبرها أن الجديد اليوم لم يتشكل بعد، فبغيابك لا جديد، تتوقف الحياة، ويتوقف نبض القلم، ويجف الفكر، وتصمت القريحة. فترده إلى حديث القهوة قائلة: ربما قد خاصمت القهوة!
– لا، لم أخاصمها، ولكن طقوسها اليوم ما كانت كما ينبغي، فصاحبتها لم تكن على ما يرام بالأمس، ولذلك شعرت ببعض الضيق، فلا مجال للكتابة بدونك وبدون أن تمديني بالشرارة اللازمة لأن أقول في القهوة ما أعبر لك فيه عن بعض ما يختلج في الذاكرة من أمل اللقاء.
– ولكنها تأبى أن تكدر خاطرك بأقل القليل.
– أعرفها، تحبني كثيرا وتشتاق إلي ولكنها تتدلل.
– ألا يحق لها الدلال وقد تعودت على حضورك؟
– هي من تصنع الحضور، وهي سر كل حضور.
– لا حضور لها إلا بك، لا سر لها أمامك.
– يبدو أنها لم تبح لحبيبها وسيدها بكل ما يقلقها كأنها تخشى عليه أن يضيع منها وألا يفهمها، فتفضل كتم بعض أسرارها عنه، وهي لا تعلم أنه يريدها مهما كانت ظروفها، فهو يحبها حبا لا حد له.
لم يفلح في استدراجها لتقول ما كان يطمع في أن تقوله هذه الليلة، على الرغم من أنه ربما شعر برغبتها في أن تتحدث، وربما قد اقتنعت بالحديث، وربما تراجعت في آخر لحظة، وهذا ما حدث، لتركز حديثها وحوارها حول القهوة، وتبعد كل أمل عنده في قول ما يرغب في سماعه، فتبتدره بالقول:
– تبقى قهوة بحلوها وبمرها.
– وهذا هو ما يجعله يصبر عليها ويطمئن، ولكن يجول في خاطره سؤال يريد أن يسأله لتلك القهوة الناعمة الفواحة، ولكنه يخشى أن لا تكون عليه إجابة فيضطر للسكوت. كان يريد أن يسألها: هل قهوته فعلا تعلم أن صاحبها يحبها؟ ألم تتأكد بعد من ذلك؟ أم أنها ما زالت في مرحلة اختبارات حبه لها؟
سألها ذلك بضمير الغائب وهو يقصدها بالذات، وبدلا من أن يستدرجها، فقد استدرجته، وأبعدته عن مقصده، وظل يلاطم أمواجه التي تأخذ بالعلو كل يوم أكثر من اليوم السابق، ولم يدر بالضبط كيف يفسر قولها ردا عليه، أشعرت بالارتباك؟ أم شعرت برغبة الحديث وحال حائل دون ذلك؟ أعاد الجملة مرات ليحاول فهم مراميها الأبعد من كلماتها الخمس المصفوفة، ولم يتوصل إلى شيء، مما أرادته بقولها:
– هي لا تدري ماذا تفعل.
فيجيبها، محاولا أن يمدها بشجاعة للحديث: عليها أن تثق بحبيبها هذا ما يجب عليها فعله وإلا ستكون العلاقة بين القهوة وشاربها علاقة غصب وإجبار وليست علاقة حب ووصال.
وصلت لتلك النقطة التي يصل حديثهما عندها كل مرة، وتعلن أنها ستكتفي بالصمت، وهو بالمقابل أعلن أنه سيكتفي بإشعال سيجارة ربما يهدئ من أعصابه.
تركته يتلظى بأوجاعه وتتحسر على ما سببت له من ألم في هذه الليلة، وربما لامت قهوتها وطقوسها، فهي التي جعلته في مزاج سيء من وجهة نظرها، ولم تعترف أنها هي سبب ذلك، ولم تكن القهوة غير وسيط حامل يستعطفها من خلاله لتبوح له ولتقول كل ما يحبّ أن يستمع إليه منها.
يعزي نفسه عن غيابها باستحضار روحها فيناجي طيفها في فنجان أعده ليكتب لها في غيابها، ربما تقرأه ذات مساء قادم:
– لا غياب للقهوة وصاحبتها بعد الآن ستكون دائما حاضرة فلا يفصل القلب عن نبضه أي فاصل، فروحك ورائحتها تملأن المكان.
مستحضرا تلك العلاقة اللغوية بين الروح والرائحة، أكان لروحها رائحة القهوة، أو هكذا تخيل الأمر وهي لم تكن معه سوى في أحلام اليقظة التي يظل يناجيها فيها.

———————-
فراس حج محمد/ فلسطين نابلس