الرئيسية » مقالات » الصراعات السياسية والطائفية المستقطبة والعوامل المسببة لها

الصراعات السياسية والطائفية المستقطبة والعوامل المسببة لها

من يتابع المشهد السياسي العراقي المتحرك بسرعة والمتفاقم حدة في صراعاته حالياً ويمتلك وعياً مناسباً وحساً وطنياً وسياسياً جيداً, سيتسنى له تشخيص الوضع الراهن بدقة والتعرف على طبيعة التشابك المخل الجاري في الصراعات السياسية والطائفية بين القوى المشاركة في السلطة السياسية. فبعد مرور عشر سنوات على سقوط الدكتاتورية البعثية الصدامية نواجه الأوضاع التالية:
1 . يطرح الشعب بقوة وإلحاح مطالب سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية عادلة ومشروعة وملحة لم تجد آذانا صاغية لها حتى الآن من قبل الحكومة ورئيسها والقوى المشاركة فيها.
2 . وتوزيع السلطة ومجلس النواب وأجهزة الدولة على أساس نظام المحاصصة الطائفي والأثني القائم يسمح بتبادل قوى الإسلام السياسي الطائفية الاتهامات بطائفية كل منها, وهي بذلك تؤكد المثل الشعبي القائل (غراب يگله لغراب وجهك آبگع), إذ إنها تنطلق من مواقع طائفية صارخة ومفتتة للوحدة الوطنية ومفهوم وروح المواطنة الحرة والمتساوية.
3 . وتشير الوقائع إلى زيادة كبيرة في نشاط وعمليات قوى الإرهاب الدموي من تنظيم القاعدة الإرهابي ومن تنظيم البعث المسلح الذي يقوده عزة الدوري وتطوير التحالف بين هذين التنظيمين إلى جانب مشاركة تنظيم هيئة علماء المسلمين السنة السياسي والعسكري في هذا التحالف المشؤوم.
4 . ولا يغيب عن البال التهميش والإقصاء الفعلي الذي يعاني مواطنون عراقيون ومواطنات عراقيات من محافظات الموصل والأنبار وصلاح الدين وغيرها, مما يدفع بها إلى اتخاذ مواقع الدفاع عن النفس المصالح والاحتجاج على هذا التهميش.
5 . ولا شك في أن الخلافات بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية لم تعالج وهي التي تزيد في توتر الوضع السياسي والاجتماعي والتي لا يريد رئيس الوزراء إيجاد حلول منطقية وعملية لها, مما يجعل الطرف الكردي متوتراً ويفسح في المجال إلى صدور تصريحات متشنجة غير مبررة ايضاً.
6 . وهنا لا يمكن إغفال الدور الذي تمارسه القوى والدول المجاورة في تشديد هذه الصراعات وتوتير الأجواء بما لا يخدم الشعب العراق ووحدة البلاد.
إن غياب الحكمة والعقلانية والرؤية الثاقبة لما يجري على أرض العراق ويتجلى في سياسة الحكومة العراقية ولدى الأطراف السياسية الحاكمة الأخرى والمتصارعة في ما بينها يسمح هو الآخر إلى نشوء تشابك شديد بين الأهداف والمطالب العادلة للشعب العراقي التي ظهرت في شباط عام 2011 والتي تصاعدت وتعمقت واتسعت لاحقاً, وهي مطالب عادلة ومشروعة, ولكن لم يستجب لها رئيس الحكومة وعموم السلطة التنفيذية ولا مجلس النواب, وتلك الأهداف والمشاريع الطائفية الداخلية لبعض أبرز قوى الإسلام السياسي الشيعية منها والسنية. وهذا التشابك والتداخل هو الذي يتطلب تحقيق الفرز السليم لصالح مطالب الشعب ونبذ مشاريع قوى الطائفية والإرهاب.
إن البلاد حبلى بالأحداث التي يمكن أن تتحول في غفلة من الزمن إلى قتال دام ومرير. ومن المؤلم حقاً إن السلطتين التشريعية والتنفيذية ليست بمستوى الأحداث وغير قادرة على استيعاب العواقب الأليمة لما يمكن أن يحصل في العراق, حين يستهان بمطالب الشعب وبالمظاهرات الشعبية التي يمكن أن تستثمر من قوى معادية للتطور السلمي والديمقراطي للعراق والتي لا تريد الخير لشعب العراق.
إن المطالب المطروحة كثيرة ولا بد من أخذها بنظر الاعتبار والعمل على الاستجابة لأهم تلك الأهداف التي تضع حداً للواقع المرير الراهن, وأخص بالذكر هنا ضرورة إطلاق سراح الأبرياء من المعتقلين والمسجونين أو الذين انتهت محكوميتهم وإعادة النظر السريعة بمدى صواب وجود الآلاف منهم في السجون. ولكن لا يمكن ولا يجوز إطلاق سراح من تلطخت أيديهم وغاصوا حتى قمة رأسهم بدماء الشعب العراقي خلال السنوات المنصرمة. كما لا بد من إعادة النظر بقانون المساءلة والعدالة بما يساعد على التمييز الحصيف بين من كان مجرماً حقاً, وبين من كان بالرغم منه بعثياً ومن كان بعثياً بروح انتهازية أو بعثياً لم يشارك بما يحمله العار والشنار. كما يفترض أن يكف رئيس الوزراء, الذي برهن على إنه ليس برجل دولة, إذ لا يملك الحكمة والحصافة والوعي بالمسؤولية إزاء مصير الوطن, بل همه وهم من يماثله هي السلطة وليس غيرها, عن عملية التهميش والإقصاء للمواطنات والمواطنين لأسباب طائفية أو فكرية وسياسية أو شن حملات اعتقال دون أوامر قضائية ودون معرفة عائلات المعتقلين بمواقع اعتقالهم, أو تعريض المتعلقين للتعذيب النفسي والجسدي أثناء التحقيق, كما حصل في جمهورية الرعب البعثية الصدامية, أو كما حصل في فترة الاحتلال الأمريكي في “أبي غريب”. إن غالبية المطالب المطروحة, ليست قابلة للنقاش فحسب, بل وضرورة العمل على تنفيذها وبسرعة لأنها مطالب شعبية عادلة وملحة.
لم ولن تنفع العجرفة والتعالي واستخدام إجراءات فظة وعنيفة واستهانة بالمطالب الشعبية وبالمتظاهرين من جانب ؤرئيس الوزراء, إذ لا بد له أن يدرك بأن هذا السلوك هو “درب الصد ما رد” وعواقبه تكون في غير صالح البلاد والعملية السياسية. إن نوري المالكي حين يمارس المنع وقطع الطرق ومنع المتظاهرين من الوصول إلى مواقع التظاهر باستخدام أجهزة الشرطة والأمن وقوات عمليات بغداد والجيش العراقي, ستقود لا محالة إلى مزيد من التعقيد والكراهية والحقد على حكومته وعليه شخصياً ويمكن أن تقترن بعواقب محزنه له وللجميع.
إن الحفاظ على سلمية المظاهرات وديمقراطيتها ومنع العنف عنها وإبعاد الطائفيين المتطرفين والإرهابيين وشعاراتهم الطائفية والعدوانية الاستفزازية عنها من جهة, والاستجابة الفعلية لجملة من تلك المطالب ستقود إلى نتائج إيجابية من جهة أخرى, سيسقط بأيدي أولئك الذي يسعون لتشديد الصراع والاحتكاك والاستقطاب الطائفي من قوى الإسلام السياسي السنية والشيعية الذين يسعون إلى ذلك بسبب قرب انتخابات مجالس المحافظات والانتخابات العامة أيضاً. فهم يسعون إلى تصعيد الصراع لأنهم يعتقدون بهذه الطريقة يمكنهم الحصول على مزيد من أصوات الناخبين السنة أو الشيعة. وهو أمر غير وطني لا يثير المزيد من التعقيد والحقد والكراهية فحسب, بل ويؤدي إلى مزيد من تمزيق الوحدة الوطنية المفككة حالياً والتي يحتاجها العراق ليفسد بها الفتنة والاقتتال التي يريد الطائفيون والإرهابيون اثارتها في البلاد.
إن قوى التيار الديمقراطي العراقي والقوى الخيرة في البلاد تتحمل اليوم مسؤولية كبرى لا في تبني واضح لشعارات ومطالب الشعب فحسب, إذ إن هذا أمر واضح, بل والتبشير بها أكثر وأكثر بين صفوف المواطنات والمواطنين وتعبئتها لصالح تلك المطالب من جهة وفضح القوى الإرهابية والطائفية في صفوف قوى الإسلام السياسي السنية والشيعية, من جهة أخرى, لأنها السبيل الوحيد لضمان وصول الشعب إلى تحقيق إرادته الحرة ومصالحه الأساسية.
إن شبيبة وأبطال الخامس والعشرين من شباط/فبراير 2011 مدعوون اليوم وأكثر من أي وقت مضى إلى أن يلعبوا دورهم الفكري والسياسي والتنظيمي والتعبوي لصالح الحريات الديمقراطية ومطالب الشعب العادلة ورفض العنف الحكومي أو من أية جهة جاء, وكذلك السعي لمعالجة الأوضاع بالطرق السلمية والتفاوضية واستخدام الوسائل التي يتيحها الدستور العراقي بما فيها ممارسة الإضراب والاعتصام والتظاهر السلمي المتواصل حتى تحقيق الأهداف المنشودة.

11/1/2013 كاظم حبيب