الرئيسية » مقالات » ازمة المجتمع العراقي بين الماضي والحاضر

ازمة المجتمع العراقي بين الماضي والحاضر

رحيل المالكي او بقائه لن يحل مشكلة العراق قد يقلل منها او يؤجل الصراع الى فترة اخرى فمنذ تأسيس العراق والبد في صراع ومشاكل وعندما قامت الثورة على الملك لم تنتهي مشاكل العراق وعندما رحل عبدالكريم قاسم ومن بعده الاخوين عبد السلام وعبد الرحمن عارف جاء حزب البعث وفي عهد احمد حسن البكر وصدام حسين اشتد الصراع ومعها معاناة العراقيين وبعد 2003 ولحد الان والعراق من دوامة الى اخرى وكل هذا لاننا لم نشهد ولادة وطن حقيقي بل مسطنع .
بعد انهيار الحكم العثماني قامت بريطانيا وفرنسا بتقسيم الدولة العثمانية الى كيانات قطرية؛ لذا فعملية نشوء هذه الكيانات القطرية تمت بشكل قسري، ولم تكن الحدود السياسية للدولة القطرية متجانسة مع الحدود الثقافية والاجتماعية أو العرقية أو القبلية والعشائرية؛ بمعنى آخر استقطبت الدولة القطرية مجتمعات غير متجانسة بل متصارعة أحياناً عرقياً أو طائفياً أو عشائرياً أو مذهبياً، وهذا التكوين أو النشوء القسري لكيانات قطرية جعل من هذه الدول في بعض الأحيان مهيأة تلقائياً ومرتعاً للصراعات عند توفر أجواء سياسية واجتماعية و اقتصادية.
ومن الملاحظ أن الحدود الاستعمارية التي رسمت على خرائط في أوروبا عكست بالأساس مصالح القوى الاستعمارية، ولم تعترف بمصالح الشعوب المقسمة، وعليه فإن الحدود الموروثة عن الاستعمار أدت إلى تقسيم الجماعات العرقية بين دولتين أو أكثر، كما أنها من جهة أخرى أدت إلى وجود جماعات عرقية ذات تاريخ من العداء والصراع داخل حدود إقليمية واحدة؛ وهو الأمر الذي شجع على تزايد حدة الصراعات العرقية في كثير من المواقف.
فالعراق تأسس من ضم ثلاث ولايات عثمانية وبرغبة من بريطانيا كي تجمع نفط البصرة وكركوك في دولة واحدة وقد بينا سابقا كيف إن ولاية الموصل كانت من حصة فرنسا والتي تنازلت عنها لبريطانيا بعد مفاوضات فالحالة هذه ليست طبيعية لتأسيس دولة مستقرة (1).
وقد واجه الملك فيصل هذه العقبة في بواكير عمر الدولة العراقية الحديثة في سعيه لإشراك الشيعة في مناصب وزارية وإدارية وإقناع الأكراد بالالتحاق بهذه الدولة الجديدة .وواجهت مساعي الدولة العراقية إلى إشراك الشيعة في العملية السياسية عموما معارضة علماء الدين في النجف والكاظمية، حيث أصدر هؤلاء عام 1922 فتاوى تحرم المشاركة في انتخابات المجلس التأسيسي، الأمر الذي أدى إلى نفي عدد منهم إلى خارج العراق .
ولعل أبرز تعبير عن أزمة الهوية عام 1921 ما دار بين الأمير فيصل (قبل تتويجه) والسير بيرسي كوكس (Cox)، المندوب السامي البريطاني، والحاكم الفعلي للعراق. شرح كوكس للملك المقبل فكرة التنظيم السياسي الجديد في المنطقة: دولة تركية شمالاً، ودولة كوردية مجاورة، ودولة عراقية (لعرب العراق). اعترض فيصل بدبلوماسية قائلاً
أنت تعطيني دولةً محاطةً بالأعداء. فثمة الترك (الذين حاربناهم) شمالاً، والسعودية (أو ابن سعود المحارب) جنوباً. وأوضح فيصل أنه عربي شافعي (سُني)، وأن أغلبية عرب العراق من الشيعة؛ فإن ذهب الأكراد في دولة، وفقاً لمبدأ القوميات ، فإن فيصل سيجلس على عرش مملكةٍ ذات أغلبية شيعية لن تستقيم له). وافق كوكس على ذلك الرأي. وبهذا الترتيب بات العراق دولةً متعددة القوميات، وذات وزن سني مكافئ تقريباً للشيعة (45 في المئة للسُّنة مقابل 52 في المئة للشيعة، و3 في المئة لبقية المكونات) (2).
————————————-
(1) بقلم الدكتور سامي الخزندار أسباب ومحركات الصراعات الداخلية العربية مركز الجزيرة للدراسات
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/91D09F22-4391-41C9-9305-16BAF0FF0C34.htm  
(2) د. لقاء مكي العزاوي، الأزمة العراقية.. أزمة مجتمع أم أزمة دولة؟ مركز الجزيرة للدراسات
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/306F273B-759D-427D-9908-22FA23D51FA4.htm  

ريناس بنافي باحث ومفكر سياسي
لندن 12-1- 2013
renasbenavi@hotmail.com