الرئيسية » مقالات » لماذا يطالبون المالكي بالاستقالة؟

لماذا يطالبون المالكي بالاستقالة؟

بدأت الحملة من قبل الشركاء في الحكومة بإسقاط السيد نوري المالكي، وإزاحته عن المسرح السياسي، حتى قبل تشكيل حكومته الثانية نهاية عام 2010، إذ عرقلوا تشكيلها نحو 10 أشهر. والجدير بالذكر أن سبب موافقتهم عليه في تشكيل حكومته الأولى عام 2006 كبديل للدكتور إبراهيم الجعفري هو لعدم معرفتهم الكافية به، إذ كانوا يتصورونه شخصاً ضعيفاً (على قدر أيديهم!) يمكنهم السيطرة عليه وتوجهيه كما يشاؤون!. ولما أثبت الرجل كفاءته، ويعرف كيف يتعامل مع الأزمات، ويتواصل مع الجماهير كخطيب متمكن، ويتعامل مع الإعلام كمتحدث لبق سريع البديهة، وأنه شخصية قوية، ويتعلم بسرعة، وصار ذا خبرة وحنكة سياسية يحسب له ألف حساب، هنا عقدوا العزم على التخلص منه بأي ثمن لأنهم لم يريدوا حكومة مركزية قوية يرأسها شخص قوي مثل المالكي. ولما لم يجدوا عليه تجاوزات قانونية، لذلك بدأت الحملة بتوجيه شتى الاتهامات الوهمية ضده مثل أنه دكتاتور مستبد، متمسك بالكرسي، محتكر لجميع السلطات، ونسخة من صدام حسين، بل وأسوأ منه!! وحتى ألقوا عليه تبعية المحاصصة والفساد، وكل ما ورثه العراق من مشاكل عبر قرون.

لقد بات معروفاً لدى الجميع أن مشاركة كتلة “العراقية” البعثية في العملية السياسية كانت من أجل تخريبها من الداخل وإفشالها برمتها، وشعارهم هو شعار البعث: (إما أن نحكم العراق أو ندمره). وهم يعرفون جيداً أن الديمقراطية ليست في صالحهم، لذلك راحوا يحاربونها بشتى الوسائل والحجج ومعهم الدول المعادية للعراق وللديمقراطية.

وعلى سبيل المثال، يتذكر القراء الكرام الاجتماع الأول للبرلمان الحالي الذي عقد نهاية العام 2010 كيف لعبت الكتلة العراقية دوراً خبيثاً لعرقلة جدول أعمال الجلسة إذ كان المقرر انتخاب السيد أسامة النجيفي رئيساً للبرلمان، والسيد جلال طالباني رئيساً للجمهورية لولاية ثانية، والذي بدوره يرشح السيد نوري المالكي رئيساً للحكومة لولاية ثانية أيضاً. ولكن ما أن تم انتخاب صاحبهم السيد النجيفي حتى وغادرت أكثرية نواب الكتلة العراقية الجلسة لمنع اكتمال النصاب، وبالتالي عرقلة تنفيذ بقية جدول الأعمال. ولكن لحسن الحظ خاب أملهم، إذ تمرد نحو 30 نائباً وطنياً شريفاً من الكتلة العراقية على قيادتهم، وأصروا على البقاء والمشاركة في بقية أعمال الجلسة. وهكذا فاز السيد جلال طالباني رئيساً للجمهورية رغم غياب كتلة العراقية، والذي بدوره رشح المالكي لتشكيل الحكومة، وبذلك باء رئيس الكتلة أياد علاوي بهزيمة شنيعة، وأثبت أن حضوره وغيابه سيان. وهذا يذكرنا بقول الشاعر:
ما زاد حنون في الإسلام خردلة…. ولا النصارى لهم شأن بحنون

وبعد ذلك بدأت اجتماعات أربيل والنجف لسحب الثقة من المالكي. ومما يجدر ذكره في هذا الخصوص، أن تقريراً نشرته صحيفة “البوليتيكو” الأمريكية ومحطة إذاعة “أوستن” النرويجية، أفاد أن السعودية وقطر وتركيا الأردوغانية قدمت ثلاثة مليارات دولار للمشتركين في مؤتمر أربيل الثاني الذي قرر سحب الثقة من الرئيس المالكي؛ وتقديم مليوني دولار لكل نائب يصوت لسحب الثقة منه، ومع ذلك فشلت جهودهم. فإن صح هذا التقرير فهذا يعني، ورغم الحملة الضارية لتشويه سمعة النواب، أن الأغلبية الساحقة من النواب وطنيون شرفاء فضلوا إنقاذ العملية السياسية، والتمسك بالمالكي، على بيع شرفهم بمليوني بترو- دولار سعودي.

ولما فشلوا في محاولة سحب الثقة راحوا يخلقون للمالكي المشاكل على جميع الصعد، فكانت قضية طارق الهاشمي ومنحه الملاذ الآمن في كردستان، ثم قضية عمليات دجلة… وأخيراً وليس آخراً، اعتقال عشرة من حماية رافع العيساوي، وزير المالية بتهم الإرهاب، والذي أشعل فتيل التظاهرات في المناطق الغربية والتي طغت عليها الهتافات والشعارات البعثية والطائفية بشكل صريح ومخجل لم يألفه الشعب العراقي طوال تاريخه.

يعتقد البعض أنه كان من الخطأ اعتقال حماية العيساوي في هذه الظروف وذلك للحفاظ على “اللحمة الوطنية”، وأنه كان الأجدر بالسلطة غظ النظر عنهم. نؤكد لهؤلاء أن ما يجري في المحافظات الغربية من تظاهرات، وأفعال وردود أفعال، لا علاقة لها باعتقال حماية العيساوي، ولا بالمطالب المشروعة أو غير المشروعة، بل بات مؤكداً أنه حتى لو لم يتم الاعتقال لفبركوا حكاية أخرى، بدليل أنه تم إلقاء القبض على حماية طارق الهاشمي في العام الماضي، وحتى محاولة القبض على الهاشمي نفسه، بل وصدر عليه الحكم بالإعدام، فلم تخرج أية تظاهرة احتجاج، فلماذا كل هذا التجييش والتحشيد الآن؟ السبب هو أن كل تصعيد للأزمة ينتظر وقته المناسب المخطط له من قبل الأسياد في الخارج للشحن الطائفي وصولاً إلى حرب طائفية لا تبقي ولا تذر. لذلك فعلاقة هذه الحملة ليست بشخص المالكي فحسب، بل بمذهب المالكي أيضاً، لأن وجود شيعي في منصب رئاسة الحكومة هو خط أحمر لا يمكن تجاوزه، يرفضه الطائفيون الذين أدمنوا على احتكار السلطة لسبعين سنة، خاصة ووراءهم السعودية وتركيا الأردوغانية وقطر وغيرها.

المطالبة بالاستقالة
ولما باءت جهودهم بسحب الثقة بالفشل الذريع، لجؤوا إلى مطالبته بالاستقالة، أي أن يقوم المالكي بانقلاب على نفسه بأن يقدم الاستقالة!. وقد بلغ بهم الأمر إلى حد فراحوا يتوسلون برجل الدين السني الجليل الشيخ أحمد الكبيسي، المقيم في دولة الإمارات بتقديم التماس للمالكي عبر فضائية إماراتية يحثه على الاستقالة قائلاً: أن “لدى المالكي فرصة تأريخية يستطيع استثمارها ودخول التاريخ من أوسع ابوابه وهو الظهور على الشاشة في هذه الليلة ويعتذر للعراقيين عن عدم استطاعته تصليح الوضع الداخلي للبلد ويعلن عن استقالته من منصبه كرئيس للحكومة العراقية”، لافتا انه “بذلك يصبح اعظم زعيم عراقي على مدى التاريخ”.(موقع الشبابيك).(1).
يعني (شيم البدوي وخذ عباته)، معتقداً أن هذه الطريقة ستنجح مع المالكي، وكأن بديل المالكي يستطيع أن يحل مشاكل العراق بعصى سحرية.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا زجوا بالشيخ الدكتور أحمد الكبيسي، وهو معروف بالرصانة والرزانة والكياسة وابتعاده عن السياسة؟ السبب هو أن الرجل منصف ومتفقه في الدين والتاريخ ومحترم من قبل العراقيين سنة وشيعة، فتجرأ قبل أشهر أن يظهر على إحدى الفضائيات متحدثاً في قضية تاريخية مثيرة للجدل وهي أن سبب الصراع السني-الشيعي هو تمرد معاوية بن أبي سفيان على خليفة زمانه الإمام علي بن أبي طالب، حيث أشعل حرب صفين بين المسلمين. وأدان الشيخ أحمد الكبيسي معاوية، وحمَّله مسؤولية شق المسلمين، وأن الحق كان مع الإمام على. وهذا الموقف جعله في حالة صدام مع المؤسسة الوهابية في الخليج، فمنع من الظهور في الإعلام. لذلك فظهوره الجديد مطالباً المالكي بالاستقالة دليل على أنه تعرض إلى ضغوط شديدة من قبل السلطات الخليجية للقيام بهذه المهمة المحرجة له، مقابل أن يغفروا له ما قاله قبل أشهر بحق علي ومعاوية.(1)
وإنصافاً للرجل، أن الشيخ الكبيسي لم يلجأ إلى منح المالكي صكوك الغفران، وكيل الوعود له بالجنة وحور العين العين كما يفعل فقهاء الإرهاب من مشايخ الوهابية في مثل هذه الحالات. وهذه نقطة في صالح الشيخ الكبيسي.

هل يحق للمالكي أن يستقيل؟
طبعاً يحق له متى ما شاء لأسباب صحية أو عائلية أو شخصية، ولكن ليس بسبب الضغوط من خارج البرلمان. فالمالكي تحمل مسؤولية رئاسة الحكومة، في ظروف صعبة جداً، عن طريق الانتخابات الديمقراطية، حيث حصد نحو 700 ألف صوت من منطقة بغداد وحدها، وهو أعلى رقم ناله زعيم كتلة سياسية. إضافة إلى أنه صوتت له الأغلبية البرلمانية. لذلك، إذا أقدم المالكي على الاستقالة بطلب من الشيخ الكبيسي أو تظاهرات الرمادي وغيرها، فهذا يعني أنه خذل الذين وضعوا ثقتهم به، وصوتوا له من الناخبين والنواب. ففي العرف الديمقراطي، يجب أن يتم إزاحة رئيس الوزراء أو أي مسؤول كبير في الدولة، بنفس الطريقة التي استلم بها رئاسة الحكومة، أي تحت قبة البرلمان وليس عن طريق تأليب الشارع بكتابة مقالات أو مظاهرات خارج البرلمان. صحيح أن المتظاهرين هم جزء من الشعب ولهم حق التظاهر وعرض مشاكلهم ومطالبهم، ولكنهم لا يمثلون كل الشعب، فالقرار النهائي هو لأعضاء البرلمان الذين يمثلون الشعب، ولهم وحدهم الحق في انتخاب أو سحب الثقة من رئيس الحكومة أو أي مسؤول آخر.

والسؤال الآخر الذي نود طرحه على قيادات الكتل السياسية المشاركين في السلطة والمطالبين باستقالة المالكي، وملأوا الدنيا جيجاً وصراخاً وتأليباً أن حكومة المالكي هي حكومة المحاصصة الطائفية وفاسدة ومليشياوية، فلماذا وافقوا على الاشتراك بهكذا حكومة، ولماذا لا يسحبون وزراءهم منها لتبرئة ذمتهم من الفساد والمحاصصة؟ ولماذا كل هذا اللف والدوران وتهييج الشارع، والشحن الطائفي برفع شعارات طائفية وعنصرية، واللجوء إلى رجال الدين والتوسل إليهم لمطالبة المالكي بالاستقالة مقابل ضمان دخوله في التاريخ من أوسع أبوابه؟

في الحقيقة، إن إلحاح خصوم المالكي على مطالبته بالاستقالة دليل على إفلاسهم السياسي والفكري، ومعاداتهم للديمقراطية وآلياتها لحسم المنازعات. لذلك، نراهم يركزون هجومهم دائماً على الانتخابات والادعاء بتكرار ممل أن الديمقراطية لا تعني الانتخابات. وقد أجبناهم مراراً وتكراراً كذلك، بأنه نعم الديمقراطية لا تعني الانتخابات فقط، ولكن لا ديمقراطية بدون انتخابات التي يجب أن تحترم نتائجها من قبل جميع الأطراف، الفائزة والخاسرة.

خلاصة القول
لقد أثبت المالكي صموده في مواجهة هذه الأزمات المفتعلة بمنتهى الصبر والحكمة والشجاعة، ونهيب به الإستمرار على هذا النهج، وأن لا يذعن لمطالب خصومه بالاستقالة، بل أن يجعل صناديق الاقتراع هي الفيصل. ودعوته الأخيرة لحل البرلمان وتشكيل حكومة تصريف أعمال وإجراء انتخابات مبكرة هو الحل الصحيح.

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com  العنوان الإلكتروني
 http://www.abdulkhaliqhussein.nl/ الموقع الشخصي
http://www.ahewar.org/m.asp?i=26 أرشيف الكاتب على موقع الحوار المتمدن:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مادة ذات علاقة بالمقال
فيديو: الشيخ احمد الكبيسي يطالب رئيس الوزراء العراقي بالاستقالة لدخول التاريخ من اوسع ابوابه
http://www.shababek.de/s3/modules/xnews/article.php?storyid=1333