الرئيسية » الآداب » غرفة رغم ( 20 ) – قصة قصيرة

غرفة رغم ( 20 ) – قصة قصيرة


ماذا تفعل؟؟ ألا تخجل من نفسك…
عذرا لم أقصد استاذنا العزيز، إنها هدية مجرد هدية.. ليست كما تظن! معاذ الله فأنا أول من يحارب مبدأ الرشوة صدقني استاذنا الكريم…
كان يتطلع إليه ويستمع الى عبارات التنميق التي يطلقها ذاك الذي وقف وبيده ملف وسبحة .. فرد مقاطعا إياه..
– ارجوك يا أخي لست ممن يتعاملون بهذا المبدأ المحرم، إني رجل مستقيم
– قاطعه صاحب الملف… الله يا أستاذ الله … مستقيم إني احب هذه الكلمة ، ولا تنسى أن أقرب طريق بين نقطتين هو الخط المستقيم، مؤشرا بأصبعه الى بعضهما البعض، كما أن المسافة قصيرة بيننا ولا تحتاج الى جهد ربما فقط اختلاف في وجهات النظر التقديرية … أرجو هذا… كل ما عليك استاذي العزيز هو النظر الى وريقات هذا الملف ومن ثم أحكم بما تشاء…
– تأفف الاستاذ من إلحاح هذا الرجل، يبدو أنه لا ينفك يزن على خراب عشه كالدبور، فكان رده هذه المرة واضحا جدا فقال له : حاج ارجوك… خذ ملفك وأخرج وانتظر حتى انتهي، كما ترى أني مشغول بما هو على مكتبي… هيا لو سمحت، وخذ هديتك معك.
رد صاحب الملف بكل هدوء كما تريد استاذي العزيز، ثم وضع يديه على مكتب الاستاذ ومد رأسه حتى كاد يرتطم به وهمس قائلا: ألا يكفي المبلغ؟! هل هو قليل؟؟
كل ما عليك هو ان تأمرني وأكون طوع أمرك استاذي العزيز… سأترك الملف على مكتبك، سأنتظر في الخارج وعند انتهائك من مراجعته وتدقيقه نادي عليّ سأكون في خدمتك بكل ما تطلبه… خرج دون أن يستمع الى رد الاستاذ…
إلا ان الاستاذ كان يدرك ان هذا الملف هو بمثابة لغم، وإلا ما دخل هذا الحاج الذي سمع عنه الكثير دون أن يراه.. وها هو الآن بشحمه ولحمه، قلب الأوراق ، هز رأسه … هكذا إذن! يبدو أن جميع الفحوصات المختبرية فاشلة ومخالفة لمقاييس العمل ، رغم إنها غُيرت كلها وامست مطابقة للمعايير لاشك انها كارثة، كيف ستكون ردة فعله أذا لم اوقع عليها؟ إن عمله هو خدمة للبلد والمجتمع والكثير من امثاله اصبحوا فاحشي الثراء هكذا…. لكن كل هذه التواقيع والاختام تؤكد عكس ذلك، أيعقل ان كل هؤلاء بلا ضمير؟! وإلا كيف نال موافقاتهم!! لابد انه دفع لهم الكثير، فعلا ان هذا الملف لغم!؟؟ لا بل صندوق العجائب والامنيات، سيدمر العديد من الوجوه التي ارتقت بزهو الطواويس، لا … لن أسمح له، لن أكون مثل هؤلاء، سأهمش على تلك الوريقات لتعود وتذهب الى غيري فلست مثلهم طاووس كما يظن… اني اكبر من ذلك، صاح عليه يا حاج تعال لو سمحت…
الحاج كالغزال وبطرفة عين كان الى قربه، نعم استاذي العزيز، هل انتهيت ؟؟ومد يده الى جيبه…
أطبق الاستاذ حاجباه وقال: دعك من هذا الامر، إن الاوراق بحاجة الى تدقيق جديد ، اذهب الى غرفة رقم 7 ومن ثم غرفة رقم 10 … واشار الى الحاجب ان يخرجه… فعل الحاجب ذلك برجاء وخنوع والتماس عذر… فقال:
حجينا الغالي اتركه لفترة قصيرة ثم أدخل عليه مرة أخرى.. أو اذهب الى غيره، فهو ليس الوحيد المخول بالتوقيع . الحاج: أعلم ذلك .. لكن الجميع في اجازة لأداء فريضة الحج ألا تعلم ذلك؟!
الحاجب: صحيح حجينا لقد غاب عني ذلك ، لكن ماذا ستفعل؟؟ حتى لو ذهبت الى هناك فلا تجد أي أحد فمن يوقع لك، الواقع الامر محير وسؤال لماذا أرسلك اليهم وهو يعلم انه لا يوجد أي أحد منهم؟ ألا تجدها غريبة بعض الشيء يطلب منك التوجه الى غرفة رقم 7 وغرفة رقم 10 وهو يدرك جيدا انهم ذهبوا الى بيت الله الحرام….
الحاج: لا أدري!! كيف اتصرف الآن؟ إني أعول على صرف هذا المبلغ الكبير، إضافة الى العمل المنجز قد كلفني الكثير ولا زال المشروع في بداية الطريق…،
يستمع الحاجب ومن حوله الى ما يقول بحيرة بصوت عال… انتبه الى نفسه!! عذرا سأعود بعد قليل…
غاب لفترة … رجع قبل ان ينتهي وقت الدوام الرسمي للعمل بنصف ساعة تقريبا… كاد المكان أن يكون خاليا من المراجعين وحتى ما تبقى من الموظفين، أسرع بخطاه نحو الحاجب وسأله … ها … هل هو وحده في الداخل؟
الحاجب: أجل ولكنه طلب مني أن لا أدخل عليه أي شخص…
الحاج: لم يعر الاهتمام لكلام الحاجب، قاله له اذهب الى دورة المياه هيا بسرعة، ودخل على الاستاذ قائلا: السلام عليكم استاذنا العزيز، في الواقع لقد اتعبتني اليوم كثيرا… ولكن تعبك راحة، لقد قمت بما أمرت به وذهبت الى غرفة رقم 7 وغرفة رقم 10 وحين دخلت سألت الموظفة هناك وفهمت منها كل شيء، وبرغم ان الاستاذ في غرفة رقم 7 غير موجود، وكذلك الاستاذ في غرفة رقم 10 ايضا غير موجود أصلا مثله مثل أرقام الغرف الغير موجودة على الابواب للاستدلال عليها، عندها أدركت المغزى، ثم رمى بالملف على مكتب الاستاذ وقال له: فقط أنجز الأمر بسرعة وطرزه بتوقيعك وختمك، بعدها أخرج من جيبه ظرفا مغلق وبصوت خافت همس له….استاذي العزيز… أعتذر جدا عن تصرفي وعدم ادراكي… لكني فهمت الرسالة بعد تفكير وسؤال.. هذا هو رقم غرفتك الذي لم أكن أعرفه من قبل إنه رقم 20 أليس كذلك؟؟؟

بقلم/ عبد الجبار الحمدي