الرئيسية » المرأة والأسرة » سافرة جميل حافظ: جيلنا بنى للعراق مكانته الثقافية المعروفة

سافرة جميل حافظ: جيلنا بنى للعراق مكانته الثقافية المعروفة










سافرة جميل حافظ
لندن «الشرق الأوسط» –
عرفت الكاتبة سافرة جميل حافظ منذ الخمسينات ككاتبة قصة قصيرة عندما فازت قصتها «دمى الأطفال» بجائزة الأخبار الأدبية. إلا أن هذه المسيرة تعرضت للقطع أكثر من مرة بسبب التزام الكاتبة السياسي، إذ تعرضت للاعتقال والسجن لأكثر من مرة. فقد اعتقلت عام 1952 عندما كانت طالبة في كلية الآداب وأودعت السجن كما اعتقلت عام 1963 بعد الانقلاب البعثي العراقي الأول وأودعت في سجن «قصر النهاية» السيئ الصيت. وفي عام 1964 قدمت لمحكمة عسكرية في معسكر الرشيد وحكم عليها آنذاك بالإقامة الجبرية لمدة سنة ونصف ومنعت من السفر مع حجز الأموال المنقولة وغير المنقولة.

وبعد 2003 عاودت حافظ نشاطها العلني، فانتخبت عام 2005 عضوا في المجلس المركزي للاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق. وصدرت لها رواية «هم ونحن والقادمون»، 2007. وأخيرا مجموعة قصص قصيرة بعنوان «14 قصة». هنا لقاء سريع معها أثناء وجودها في لندن:

* عُرفت منذ الخمسينات كقاصة بعد نشر مجموعتك القصصية «دمى الأطفال» عام 1956. ثم توقفت عن النشر، لفترة طويلة جدا. هل السبب وراء ذلك انخراطك في العمل السياسي، كعضو في الحزب الشيوعي العراقي، ومسؤولة في رابطة المرأة العراقية، ثم فترات اعتقالك الطويلة؟

– بعد تخرجي من الكلية لم أستطع الحصول على شهادة – حسن السلوك – من مديرية الأمن العامة التي تعطي لمن لا يكون معارضا للحكومة ولذلك فتشت عن عمل وكانت جريدة البلاد في ذلك الوقت تفتش عن صحافية إذ لم تكن المرأة قد اخترقت هذا النطاق الصحافي فلما طلبت العمل كان ميسرا فمارسته، ولم أتذكر وجود صحافية أخرى قد مارسته إلا بولينا حسون في الثلاثينات من القرن الماضي. قمت بتحرير صفحة المرأة والصفحة الأدبية، وكنت أكتب عمودا يوميا في الصفحة الأخيرة. وطبعا كانت كتاباتي مراقبة، ولم تستهو المسؤولين، فانتقلت للتحرير في جريدة «الأخبار» لجبران ملكون لتحرير صحيفة «المرأة»، ونشرت فيها قصتي «دمى وأطفال»، التي فازت بالجائزة الأولى ضمن مسابقة للقصة القصيرة. وظللت في العمل في جريدة «الأخبار» حتى ثورة يوليو (تموز) 58.

* هل توقفت عن الكتابة في تلك الفترة، أم عن النشر فقط؟

– بعد إطلاق سراحي بفترة وجيزة غادرت العراق لفترة طويلة حاولت فيها إتمام دراستي في الخارج، وفعلا قبلت في الجامعة الأميركية في بيروت. ولكن عدت إلى الوطن دون إتمام الدراسة. وما أن حطت قدمي المطار حتى شعرت بمن يطاردني واستمرت المطاردة والاعتقال لمرات كثيرة دون كلل. نعم كنت أمارس الكتابة دون النشر لعدم رغبتي في النشر تحت ظل ذلك النظام وتلك التي نشرتها مؤخرا في 14 قصة رواية هم ونحن والقادمون الجزء الأول. ولكني مع ذلك لم أتوقف عن مساعدة الكثيرين في أعمالهم الأدبية، وفي ذات الوقت قمت بفتح قاعة باسم قاعة الدروبي في بيته. وكان ضمن المحطات الأدبية والفنية الواعدة مع ذلك لاحقني النظام مدبرا لي شتى الاتهامات، وتم توقيفي عدة مرات بحجة أو بأخرى.

* اتجهت للرواية أخيرا. هل ضاقت بك القصة القصيرة؟

– كانت لي رغبة شديدة في كتابة الرواية. والحقيقة كان كتابتي القصة القصيرة بمثابة تمرين اليد كما يقولون وإذا بها تستهويني واستمر فيها ولكن مشروع الرواية كان ما زال يجول في خاطري. كنت أثناء اختفائي، أنصت لقصص الكبار من أفراد عائلتي، كيف عاشوا، وما هي ظروفهم واتصالاتهم، وخاصة خالتي، التي سميتها حسيبة في روايتي «هم ونحن والقادمون». كانت الأقرب إلي، وكنت أهرب إلى دارها دائما، وأبقى هناك لفترات طويلة. راكمت خزينا رائعا لم أشأ أن أبدده فسكبته في «هم ونحن والقادمون» الجزء الأول.

* بين «دمى الأطفال»، و«14 قصة» أكثر من أربعين عاما. والقاسم المشترك بينهما، كما يبدو، هو التزامك الواضح بالمفهوم نفسه في معالجتك القصصية، أعني مفهوم «الواقعية الاشتراكية». كيف تنظرين لهذا المفهوم جماليا؟ هل ما يزال صالحا لعصرنا، رغم كل التأثيرات الهائلة التي حصلت في الأساليب والأشكال الأدبية؟

– كل الأساليب انتهجها في الكتابة حسب ظروف الحوادث التي سترى في القصة. ترى ذلك في القصص الأخيرة التي حازت على جائزة أحسن قاصة في العراق هذه السنة. وحتى في كتابي الأول «دمى وأطفال» كان أسلوبي فيه قريبا من الرمزية، مع التمسك بالأسلوب الواقعي. واعتبر ذلك نوعا من التزاوج في الأساليب.

* نعود إلى الماضي. باستثنائك، لم تبرز كاتبات رائدات في العراق، سواء بالنسبة للقصة القصيرة أو الرواية، على عكس الشعر «نازك الملائكة، لميعة عباس عمارة، عاتكة الخزرجي»، بينما برزت عدة كاتبات في البلدان العربية الأخرى «مصر، سوريا، لبنان، فلسطين». كيف تفسرين ذلك؟ أم أن هناك كاتبات في جيلك، توقفن في منتصف الطريق، فلم يعرفن القارئ؟ هل تذكرين بعض الأمثلة؟

– شهدت الساحة الأدبية قبلي بضع أديبات ولكن لم يستمررن مع الأسف. سمعت أن هناك أديبة عراقية كتبت رواية منذ القرن الثامن عشر لا أذكر اسمها الآن. وبعدها جاء اسم ديزي الأمير وناجية حمدي وليلى عبد القادر ثم من جيلي سهيلة داود سلمان – ما زلت أحتفظ بكتاب لليلى عبد القادر.

* يمكن تسمية جيلكم بـ«الجيل الذهبي» في الأدب العراقي، فقد برز في الشعر كثيرون «السياب، البياتي، نازك، بلند الحيدري، الذين سبقوكم بقليل، وفيما بعد سعدي يوسف ومظفر النواب، رشدي العامل، الفريد سمعان، عبد الرزاق عبد الواحد..». إلخ. وفي القصة القصيرة والرواية عبد الملك نوري، فؤاد التكرلي، غائب طعمة فرمان، ومهدي عيسى الصقر إلخ…، بالإضافة إلى شخصيات سياسية واجتماعية، رجالا ونساء، تركت بصماتها الواضحة على تاريخ العراق الحديث. هل تحديثنا قليلا عن تلك الفترة؟ أي من تلك الشخصيات كانت أقرب إليك، أدبيا واجتماعيا؟

– إلى جانب كل ما قلت، كان هناك حدت فني كبير كان له تأثير بعيد المدى في الجو الجامعي، وهو افتتاح مرسم لأول مرة في كلية الآداب والعلوم وبإشراف الرسام الرائد حافظ الدروبي. أصبح المرسم منتدى للأدباء والفنانين يأتون إليه من مختلف الكليات، منهم من يمارس الرسم ومنهم من يمارس النحت والشعر، وينفتح المجال واسعا للنقاش والحوارات. كان مظفر النواب رساما إلى جانب كونه مبتدءا في النظم، وكان غائب طعمة فرمان يمارس التحرير في جريدة «الأهالي»، وكان في نفس الوقت زميلنا في الكلية. ولا أنسى الزميل سليم البصري الذي كانت تمثيلياته الكوميدية تبعث الضحك والمرح لدى الجمهور انتقادا للوضع القائم. ولن أنسى اشتراكي معه في التمثيل على خشبة مسرح كلية البنات، وكانت تدعى كلية الملكة عالية، حينما كنا نقيم حفلات الوداع عند انتهاء السنة الدراسية. وكانت هناك حفلات جبرا إبراهيم جبرا، التي كان ينظمها لسماع الموسيقى الكلاسيكية، ومناقشتها والتعرف على المؤلفين، إلى جانب الحفلات الموسيقية التي كانت تقام في معهد الفنون الجميلة. ومن الشخصيات الأخرى، كان هناك أيضا الفريد سمعان، الذي اشتهر بنشيده «نحن ندعو للسلام نحن أعداء الحروب سوف نمضي للأمام نحو تحرير الشعوب». كانت وفود المستشرقين أيضا تقيم المحاضرات على «قاعة الشعب» المفتوحة دائما لمحاضراتهم. ولا أنسى هنا يوسف العاني وتمثيلياته ومسرحياته وخاصة – أنه أمك يشاكر – التي كانت تتردد أصداؤها من القاعة ذاتها في باب المعظم. إنها أيام ذهبية بنت للعراق مكانته الزاهرة.

* راكمت مخزونا كبيرا من التجارب السياسية والاجتماعية والثقافية. وقد كتبت شيئا عن ذلك في رواية «هم ونحن والقادمون». أهي جزء من مشروع كبير لكتابة «ما لا يذكره التاريخ»، كما عبرت أنت؟

– سيرتي الذاتية كتبتها في الجزء الثاني من روايتي «هم ونحن والقادمون» تحت عنوان – نحن – وكنت قد أودعته الطبع قبل قدومي إلى لندن، ولكن مع الأسف لم تكن الطبعة أمينة، فالطباعة كثيرة الأخطاء مع فقدان بعض الفصول، ودمجها ببعض فاضطررت إلى عدم طرحها في السوق حتى عودتي إلى العراق.