الرئيسية » الآداب » آني أمك يا شاكر

آني أمك يا شاكر


(إلى روح فقيدة الفن العراقي زينب)

يتقاذفهُ الحزنُ
حزنُ مدينتهِ
يسكنهُ الحبُّ
حبُّ مدينتهِ

في يومٍ سافرَ في الريحِ
ممتطياً صهوةَ أشواقهْ
وعذوبةَ لهفةِ أحلامهْ
للنورِ يضيءُ مدينتهُ
فاستلَّ الصدرَ ليوصلهُ
بمدينتهِ
حلّقَ ….
حلَقَ ….
فوق النخلِ وفوقَ النهرينْ
بينَ الحاراتِ المنسيهْ
بينَ الأكواخِ الطينيهْ
وأتى بالمنشوراتِ السريهْ.

زينبُ تصغي
لرفيفِ فؤادِكَ ، يا شاكرْ،
تصغي ..
للحلمِ الشاهرِ في صدركَ
للومضِ النابضِ في عينيكَ
للهمسِ الرابضِ في شفتيكَ

ـ شاكر !
ماذا في العينينِ ؟
إنّي اشعرُ
إنّي أفهمُ
إنّي أعرفُ
أنّكَ منْ صوتِ النهرينْ
منْ أولئكَ .
شاكر!
حلِّقْ!
إنّي أفرحُ حينَ أحسُّكَ بينَ الناسِ
تدعو … تتحدّثُ .. تنشرُ …
تكتبُ ما فوق الجدرانْ
في الليلِ تناقشُ أحلامَكَ
خلفَ عذاباتِ الجدرانْ

وقفتْ زينبُ ذاتَ مساءْ
بينَ الأعمدةِ الخشبيةِ
وسط الدارْ
كالأشجارْ
كهديرِ مياهِ الأنهارْ
ودموعٌ تحبسُ عينيها
رعشةَ شفتيها
ويديها الماعرفتْ
غيرَ الخبزِ ونيرانِ التنورْ
وقفتْ بشموخِ كشموخِ الأرضْ
نُصُباً صُلباً فوق الأرضْ

دارتْ زينبُ بعباءتها
وبفوطتها
تخفي كلماتٍ ممنوعهْ
تعلنُ كلماتٍ ممنوعهْ
تفخرُ .. تزهو ..
ترفلُ ما بينَ النسوانْ
جرحٌ في الصدرِ وآلامْ

مشهد:

فوق المسرحِ تقفُ امرأةٌ
تتوشحُ بسوادِ الليلْ
القاعةُ حبلى بالناسْ
صمتٌ يُطبقُ
يُـغرقُ في لُجّـتهِ الناسْ
وعيونُهمُ تلمعُ ببريقِ النهرينْ
للمرأةِ فوق المسرحِ ،
هامتُها
تعلو فوق نخيلِ النهرينْ
وجهٌ مشحونٌ بالسُمرةِ
بالحزنِ وبالغضبِ وبالأصرارْ
الصوتُ صدىً
للهبِ القادمِ خلفَ الأشجارْ
– آني أمك يا شاكرْ !
هذا المسرحُ لنْ يخلوَ منْ نظّارتهِ
منْ عادتهِ
وعيونُ الناسِ زوارقُ تمخرُ في عينيكَ
وفي عينيَّ ،
وقلوبهمُ تخفقُ ما بين القلبينْ
تعشقُ .. تغضبُ…
ترضى ، وتصرُّ ،
لا تعرفُ غيرَ الطيبةِ نهراً
وتـراً
يعزفُ في موج التيارْ …


* آني أمك يا شاكر: مسرحية من تأليف يوسف العاني، كتبها عام 1954 عن حقبة من النضال الوطني. وقد عُرضتْ بعد ثورة 14 تموز 1958 من تمثيل زينب الى جانب يوسف العاني. وقد شاهدتُـها عند عرضها الأول على مسرح قاعة الشعب في باب المعظم.

عبد الستار نورعلي
19 حزيران 1998