الرئيسية » مقالات » تشبث المالكي بالحكم وعواقبه المحزنة!

تشبث المالكي بالحكم وعواقبه المحزنة!

تؤكد نظريات علوم الاجتماع والسياسة والاقتصاد والبحوث التطبيقية في مجال معالجة وحل النزاعات أن التناقضات الاجتماعية والمشكلات القومية أو الدينية والطائفية في بلد ما أو النزاعات بين بلدين أو أكثر حول الحدود أو المياه أو الموارد الأولية أو غيرها حين لا تعالج من جانب الحكومة أو حكومات بلدين أو أكثر تلك المشكلات فإنها تتراكم وتتعقد ويمكن في كل لحظة أن تتحول إلى صراعات سياسية تحمل شعارات تطالب بحل تلك المشكلات والنزاعات, وحين لا تستمع الحكومة أو الحكومات إلى تلك النداءات والمطالب بإان صاغية ورؤية عقلانية وحكمة تتحول في أية لحظة إلى نوعية جديدة إلى نزاعات محتدمة تتخذ أبعاداً جديدة وصيغاً مختلفة بما في ذلك النزاع المسلح حتى لو أقسم الجميع بأنهم لن يحاولوا معالجة الأمور المختلف عليها بالقوة وعبر استخدام السلاح, أي إنها تحمل معها احتمال كبير بحصول انتفاضات شعبية أو مسلحة أو بوقوع حرب أهلية أو حرب خارجية. إن اصحاب هذه النظريات الذين ينتمون إلى مختلف المدارس الاجتماعية والسياسية والاقتصادية, لم يستنتجوا هذه المقولة إلا بعد أن برهنت الحياة لهم وعبر دراسة معمقة لتاريخ الشعوب والدول لقرون المنصرمة.
هذه الحقيقة تنطبق على العراق تماماً كما تنطبق على بقية شعوب ودول العالم. خير دليل على ذلك تاريخ العراق السياسي الحديث وتاريخ الدول المجاورة بما في ذلك ما يجري اليوم بسوريا وما جرى وسيجري بإيران أيضاً أو ما يجري اليوم بالعراق, إذ إن أوضاع العراق محمل باحتمالات كثيرة لا يمكن البت بأحدها, ولكنها كلها تشير إلى عجز النخب الحاكمة وخاصة الحكومة الحالية ورئيسها عن معالجة التراكمات المتواصلة في مشكلات وتناقضات اجتماعية وقومية ودينية وطائفية وكلها تحولت أو تتحول تدريجاً إلى صراعات سياسية, كما نعيشها اليوم أو إلى نزاعات قادمة محتملة.
الوضع بالعراق معقد جداً ومتشابك من حيث طبيعة مشكلاته, سواء أكانت تلك التي خلفها النظام الدكتاتوري البعثي الصدامي, أم التي نشأت في أعقاب سقوطه وبروز نظام طائفي وأثني محاصصي مقيت والتي تداخلت وتراكمت حتى أصبح المجتمع غير قادر على تحملها مما يمكن أن تتحول في كل لحظة إلى نزاع يحرق اليابس والأخضر في أن واحد.
إن عجز المالكي عن سلوك سياسات تساعد على حل المشكلات القائمة أو رفضه معالجتها وحلها لأي سبب كان من جهة, ورفضه الاستماع بأذان صاغية إلى صوت العقل, إلى الصوت الذي يطالبه بالاستجابة إلى مطالب الشعب ومعالجة أوضاعه المتردية من جهة ثانية, سيقود إلى ما يريده المجتمع إلى نزع فتيل الصراعات لكي لا تتحول إلى نزاعات دموية وحروب داخلية. وفي الوقت الذي عجز رئيس الوزراء ورفض إيجاد الحلول للمشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والفساد المالي وأوضاع المعتقلين والمساجين السياسيين ونقص الخدمات ومعالجة البطالة والفقر, إضافة إلى استمرار عدم إيجاد حلول للمشكلات بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية وتركها تتفاقم وتقترب من حافة الحرب, كما برز في الأشهر الأخيرة, وخاصة موضوع المادة 140 من الدستور العراقي, بدأت تتراكم وتتعقد وتتشابك في ما بينها, رفض في الوقت نفسه ترك الحكم لمن يستطيع معالجة المشكلات من نفس التحالف الحاكم أو عبر تحالفات جديدة أو عبر انتخابات مبكرة وأصر على البقاء والتشبث بالحكم لأي سبب كان, مما أدى إلى نشوء أوضاع تحمل معها مخاطر جديدة على الوضع في العراق وعلى احتمالات غير محمودة في كل الأحوال. نشير هنا إلى بعض الظواهر الجديدة التي نشأت بعد أن رفض الاستجابة لمطالب مظاهرات القوى السياسية والشعبية الديمقراطية التي طرحت في شباط/فبراير 2011 منها والتي سعى هو وجوقته إلى تشويه شعاراتها والإساءة للقوى المنظمة لها:
** استمرار بقاء أو وصول قوى أكثر سوءاً من البعث الصدامي إلى مواقع مهمة في القوات المسلحة وفي أجهزة الدولة, مما أعطى الفرصة لممارسة التخريب في العلاقات وتعقيدها والمساهمة بعدم حل المشكلات القائمة.
** نمو ملموس في إمكانيات حزب البعث, بقيادة المتهم بالإجرام والمطلوب للعدالة عزة الدوري, السياسية والعسكرية ونشوء تحالف سياسي وعسكري بين قواته العسكرية وقوات تنظيم القاعدة وحصولها على مواقع مهمة في محافظات عراقية عديدة والتي تجلت في خطابي عزة الدوري الأخيرين.
** نشوء حالة من التذمر الشديد في أوساط الشعب من ابناء المحافظات الخمس مما سيقود إلى صدامات مسلحة بسبب السياسة الخرقاء لرئيس الحكومة وعجرفته وسعيه لمنع المظاهرات السلمية في الموصل أو في الفلوجة أو ..الخ.
** تنامي التظاهرات في بغداد ومدن أخرى التي يمكن أن تتصاعد لتصل إلى محافظات الوسط والجنوب بحكم الواقع السيئ في مجال الحريات العامة ونقص الخدمات واستمرار البطالة الواسعة والفقر والفساد في هذه المحافظات والتي لا يمكن للتحفيز الطائفي المقيت وإثارة قوى الشعب ضد بعضها الآخر, كما هو سلوك كل المستبدين, على تدارك الأمر بعد فترة وجيزة. ومظاهرات ذي قار حول مطالب أهالي المحافظة يمكن أن تتسع وتتحول إلى محافظات أخرى تعاني من ذات المشكلات ومن ثم تتخذ وجهة الصراع السياسي ضد السلطة والمطالبة بإسقاطها.
** تفاقم عزلة رئيس الحكومة عن الأحزاب السياسية الحاكمة معه ورفضها لسياساته ومشاركتها في المظاهرات ضده أو تأييدها, لأنها لا تجد أفقاً لحل المشكلات القائمة والتخلي عن سياسة الانفراد بالسلطة. ومن استمع إلى تصريحات قيادات القوى المتحالفة معه في داخل التحالف الوطني ذاته أو بين اقطاب التحالف الحكومي الراهن لأدرك حقيقة الأزمة المحتدمة التي تأخذ بخناق النظام والدولة والمجتمع في آن وتدفع بهم جميعاً إلى مخاطر جديدة.
إن استخدام القوة والاتكاء على تأييد إيران للمالكي وسكوت الولايات المتحدة عن سلوكه الاستبدادي وسياساته الخرقاء وإجراءاته المناهضة لبنود الدستور العراقي لن تنفع في نزع فتيل الصراع بأي حال, بل سيزيد الأمر سوءاً وتعقيداً. والحلول أمام رئيس الوزراء واضحة إذا أراد معالجة الوضع حقاً فأمامه الخيارات التالية:
1. حل الحكومة وطلب تشكيل وزارة انتقالية حيادية لإجراء انتخابات عامة جديدة في البلاد وتحت إشراف الأمم المتحدة ومراقبة منظمات حقوق الإنسان الدولية والإقليمية والمحلية.
2. أو الاستجابة لمطالب الشعب في إطلاق الحريات العامة والاستجابة لأغلب المطالب الشعبية المطروحة التي هي ضمن الدستور العراقي وليست خارجه مع إمكانية تعديل هذا المطلب أو ذلك, ولكنها تحمل في الغالب الأعم صفة الضرورة والإلحاح. إن هذا الحل يتطلب:
3. مغادرة نظام المحاصصة الطائفية والأثنية الراهن والمقيت والذي كان وما يزال السبب وراء ما استحدث من مشكلات في البلاد, إضافة إلى المشكلات السابقة من أجل نزع فتيل تفاقم الوضع وانفجاره بصيغ عديدة.
كم كان الصديق الأستاذ ضياء الشكرجي صادقاً وواقعياً وناصحاً حين قال في مقال له موجه لصديقه ورفيقه السابق أبي إسراء “كفى يا أبا إسراء .. آذيتنا والله ونفد صبرنا”.
إن التشبث بالحكم على الطريقة الي يمارسها نوري المالكي ستقود إلى طامة كبيرة إلى عواقب محزنة للشعب العراقي بشكل خاص. وعلى المالكي أن يعي ذلك قبل فوات الأوان, فالتاريخ يعاقب من يتأخر في وعي الواقع واحتمالاته.

8/1/2013
كاظم حبيب