الرئيسية » مقالات » لماذا التحوّل نحو الحكم التسلّطي أو حكم الفساد والاستبداد في العراق الفدرالي؟

لماذا التحوّل نحو الحكم التسلّطي أو حكم الفساد والاستبداد في العراق الفدرالي؟


لقد كان سقوط نظام الطاغية في بغداد عام 2003 علامة تاريخية فارقة للعراق، بعدها بد‌أت عملية سياسية مركّبة ومعقّدة، كنا نظن بأنها قد تسجل إنتصار للشعب العراقي بمكوناته المخلتفة لا يحتمل التعثر والتراجع، بعد أن إنكسرت شوكة تجربة المدّ التحرري عام 1991 في نيل غاياتها في الحرية والعدل والكرامة الإنسانية.
اليوم و بعد مرور مايقارب 10 سنوات من هذا الحدث الفريد، نری تحول ديكتاتورية فوضی التوافق والمحاصصة الی ديكتاتوريّة العسكر المصبوغة بالصبغة الدينيّة تارة و لدغة الشوفينية تارة أخری يوحي بأنّ البلد إندفع مرة أخری نحو حكم تسلّطي جهوي فاسد و مستبد يهدف الی تهميش الكيانات و الشعب و إرادته النبيلة و يمارس العداء للحريّة في الداخل وفي المحيطين الإقليمي والعالمي، بعد أن جثم هذا النوع من الحكم على صدر العراق طوال عقود و قام بالأنفال و الإبادة الجماعية و مارس جرائم كبری ضد الإنسانية لا يعد و لا يحصی.
بعد فشل عملية سحب الثقة من رئيس الوزراء، الذي يمكن إرجاعه الی أسباب مختلفة، لا مجال هنا لذكرها، والتي كانت حسب رأينا من أنجع الطرق السلمية لحل الأزمة الحالية علی الأقل و قطع الطريق أمام معضلة الحكم الفاسد المائل نحو الإستبدادية، ترتفع بسبب التسويف والمماطلة المتنطعة في تنفيذ مواد دستورية و تحقيق مطالب الكيانات أصوات متظاهرين في محافظات مختلفة و تتصاعد المطالب الی سقف “إستقالة رئيس الحكومة” لرفع الحيف و الخيمة الطائفية و تقليل الترهیب والإعتقالات العشوائية والأساليب القهرية، فهل ياتری بدء المتسلّط بالفكاك و إستيعاب الدرس من الأنظمة السابقة أو يكون عقله خال من التعسف كي لا يفسد الضمير أو أن لا يضمر العنصر الأخلاقي في السلطة أو يغيب؟
كالعادة يبدأ الاستبداد بسيطرة السلطة السياسية على المجال الثقافي و كذلك سيطرتها على مجالات الإنتاج الاجتماعي بعد استتباع المثقفين واستمالتهم أو تهميشهم والتنكيل بهم. لماذا يجب أن تسيطر السياسة على الثقافة وتستتبعها، ولماذا يجب أن ينظر رئيس الحكومة إلى المثقفين و حتی المتحالفين معه على أنهم فائضون عن الحاجة، سوى المنضوين منهم في مؤسساته الطائفية والعسكرية والأمنية. لماذا يجب أن يكون الولاء الخالص له هو المعيار للوطنية و الإخلاص لا الكفاية العلمية والثقافية، ولا الجدارة الأخلاقية. إنها الفضيحة والكارثة بل الخديعة و الأكذوبة، التي تهدف الی تعطيل الدستور و إن أمكن الی تجريد المخالفين من المناصب والسيادة لكي يتألّه رئيس الحكومة، الذي يری نفسه بأنه أكبر من بلده و لكي يمارس سلطته المطلقة، لا يسأل فيها عما يفعل. أدواته تريد حل البرلمان، لأن سيادته لا يطيق أعواناً يناقشونه أو يتبادلون معه الرأي ولأن البرلمان لم يعد مجرد عبد ينفذ أوامره و يستجيب لنزواته، كما القضاء الأعلی في العراق.
فالإنسداد يولد الإنفجار وأن النوم علی الهدنة و الإفاقة علی الفتنة والترجح بين موجات من العنف الكلامي و جولات من الإضطراب الأمني دليل علی أن عوامل الإحتراب الطائفي والقومي و الفاشية المذهبية والشعوذة العقائدية مازالت شغالة و لم تنتف.
ولا شيء يلغم المشاريع والسياسات أكثر من أحادية التفكير، كما يمارسه اليوم رئيس الحكومة لينتقض من شأن الآخر المختلف، فإدعائه إحتكار مفاتيح الحلول و أبجدية الوطنية بفضل تملك حزبه الثروة والسلاح، الذي يغدو مشكلة و لغم ينتظر ساعة الإنفجار، يعود ضررٌ علیه و علی دولة القانون وعلی العراق و المجتمع. من لا يعمل علی فتح ممكنات جديدة أمام العمل الوطني، العابر لحدود الطوائف، والمستوعب لحراك المجتمع ومتغيرات العالم يظل غارقاً في عالم الشعارات و يفقد مع مرور الزمن مصداقيته.
علينا أن لا ننتظر حلولاً قصوی من المساعي العاجزة، بعد كل هذه التطورات علی الساحة السياسية في العراق الفدرالي، كي لا نصطدم و نفجع بالواقع، فالفيدرالية، كما الديمقراطية تبقی دوماً رهناً لما نفكر فيه و نصنعه، فهي صيرورة مفهومها علی مستوی الفكر، بقدر ما هي ثمرة التجارب الفذة والغنية، علی أرض الواقع البشري الملغم دوماً بالأهواء والمطامع أو بالجهل والنسيان. و الرهان هو أن لا تسمتر الحكومة في هذا البلد علی نفس النهج أو بنفس المنطق الذي أنتج العجز والفقر و الحروب و أفضی الی المآسي والكوارث بعد إستخدام القوالب والآليات الفكرية القائمة علی البعد الأحادي والمعتقد الإصطفائي و الإستبداد السياسي والتهويل الأيديولوجي و قصة المؤامرة و عقلية التهمة التي تستعدي المختلف والآخر هنا وهناك.
وختاماً: “علينا أن نتعامل مع السلطة السياسية كمحصلة قانونية أو إجرائية للحراك الإجتماعي والنشاط الإنتاجي أو الإبداعي لكل الفاعلين الإجتماعيين في مختلف القطاعات والحقول و نخضعها للمناقشة العمومية والمداولة العقلانية والمراجعة النقدية، شأنها شأن أي حكومة ديمقراطية فعالة.”
الدكتور سامان سوراني