الرئيسية » مقالات » حرب الاصفار

حرب الاصفار

ليس تبسيطا للازمة, ولكنه الواقع الذي يجعلنا لا نقوى على تجاهل التراشق بالارقام الذي يطغي على المشهد السياسي العراقي , فللارقام-بل الاصفار-مساحة واسعة ومهمة من الادوات التي يستعين بها كل طرف في محاولة ترصين صفوفه وتحشيدها تجاه الآخر المناقض والمناجز في الصراع الناشب على طول وعرض الوطن..

فعند تناول التظاهرات المناوئة للحكومة في الانبار وبعض المحافظات الاخرى , نجد الاصفار ترفع وتضاف حسب موقع الجهة التي تحصي العدد ومتبنياتها وتداخلها السياسي والفكري مع الازمة, فبينما نرى الاعلام المنحاز لوجهات النظر المتقاطعة مع الاحتجاجات تتحدث عن مئات المحتجين في الفلوجة ويهبط بها الى العشرات في الموصل وصلاح الدين ,نلاحظ ان بعض غرف العمليات الاعلامية كالجزيرة-مثلا- تتحدث عن مليونيات هادرة وعن عصيان مدني حكومي في ايام لم ينتبه احدا الى انها عطلة رسمية معلنة..

ونفس هذا النزاع الرقمي نرتطم به عند مقاربتنا لزيارة اربعينية الامام الحسين (عليه السلام), فقد اختلف الجميع على ما يوضع على ما شمال الاصفار الستة التي تمثل عدد الزوار الذين اكتظت بهم محافظة كربلاء حد اوصلتها –عيون الرضا-للبعض الى ثمانية عشر او عشرين من المليونات وكأنها رسائل ملغزة الى الجانب الآخر تقول أولئك –جمهوري- فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا –ايها الآخر- المجامع, ولكننا نجد ان هناك من-عيون السخط- من يشكك حتى في الاصفار ليتكلم عن الالوف او عشرات الالوف ويستخف بالاثر الذي من الممكن ان تحدثه اقدام المسيرات الراجلة على الخارطة السياسية المعقدة,

وهذا التنابر الرقمي الذي اصبح من المسلمات التي ترافق كل ازمة او استحقاق له ذيول او جنبات سياسية ,ليس غريبا او من النوازل على الحياة السياسية العراقية-بل والعربية –الشوهاء,بل هوغالبا ما يستخدم لتعزيز طروحات المتخاصمين ولادامة التحشيد والتجييش الاعلامي لجميع الاطراف..ولطالما تسابقت الانظمة الديكتاتورية في رص التسعات على جانبي الفارزة لتبيان حجم التأييد الشعبي الزائف ولتحجيم الاصوات المعترضة حد التصاغر والتمجهر القريب الى اللاشئ,ولكن في هذا الزمن الذي طوت فيه قيم الحداثة والتطور الارض وكورتها ووضعتها في يمين المواطن الحائر بين هذا البون الشاسع من المتناقضات, تكون مثل هذه الممارسات وهذا التقاذف المربك للارقام ،اقرب الى العاب الخفة الاعلامية منه الى المهنية والمصداقية والالتزام المطلوب بالانضباط في خضم ما نعيشه من احداث مفصلية تنتظر بعض الشرار المهمل فقط لتنقلب نارا وسعيرا على دماء ومقدرات وكرامة ومستقبل شعبنا الجريح..

ان هذا التلاعب بالارقام والاعداد رغم انه جزء من أي حملة من حملات العلاقات العامة ,ولكن الحس السليم يقول ان ما يصح على حقل الاعلانات التجارية لا يستوي مع حسابات البيدر السياسي خصوصا في هذه الازمات التي تستهدف اللحمة الوطنية والنسيج الاجتماعي وفي اكثر المناطق رخاوة منه, والادهى هو تلك الحملة المرافقة والبينية والمسعورة لنسبة هذه الارقام بقضها وقضيضها –وتناقضها- الى هذا الطرف او ذاك, بل الى تلك الجهة السياسية وذاك مما يشي باستقطاب حاد ومقنن بين المكونات العراقية نستطيع ان نؤكد ان لا وجود حقيقي له على الارض..

ان اختزال التناقضات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ما بين افراد المجتمع في حيز المتبنيات العقائدية , وخصوصا في مجتمع متعدد ومتنوع كالمجتمع العراقي يحمل في طياته الكثير من الشبهات التي تشير بوضوح الى وجود اصابع خارجية تحاول تصنيع واقع يستثمر المطالبات الشعبية لتمرير مخططات قد لا تتطابق مع اهداف وتطلعات الجماهير في تصحيح مسار الديمقراطية العراقية الناشئة, كما ان تغييب التيارات الديمقراطية والعلمانية ونفيها من خارطة التدافع الاجتماعي وتلخيص الحراك السياسي بالانتماءات المعتقدية والمذهبية قد يكون فيه جانب كبير من الخبث الاعلامي الذي يخدم توجهات القوى التي تتشبث بالشعارات الدينية والطائفية كوسيلة للوصول والتأبد على سدة الحكم واستثمار كلام الخالق لتركيع المخلوق وسلب ارادته وخياراته السياسية الحرة..

ان على الشعب العراقي النبيل وقواه الحية الوعي بخطورة استهداف الديمقراطية باستخدام آلياتها الدستورية واشتراك الاطراف المتصارعة في هدف تغيير مسارات الحراك المجتمعي تجاه ايجاد معادلة لتقاسم الغنائم السياسية على قاعدة الفرز المذهبي والطائفي, والاهم, هو اليقين بان قيمة الجماهير التي تساق في ساحات التجمع والشوارع لا تعادل لدى سياسيينا شيئا مقابل الهدف التي تجدع له الانوف ,بل هم لا يرونهم الا مجرد ارقام تتضاءل وتتضخم حسب المواقف السياسية لهذا الطرف او ذاك..وقد يكون التأدب-والتأدب فقط-هو ما يمنعنا من القول بانهم لا يروننا الا مجرد اصفار..