الرئيسية » الآداب » قصة قصيرة :رشفة أولى من الفنجان الأول في العام الجديد

قصة قصيرة :رشفة أولى من الفنجان الأول في العام الجديد

هكذا بدأت يومها معي في أول يوم من أيام السنة الجديدة “نهارك سعيد وقهوة بنكهة السنة الجديدة”، إنها على ما يبدو تستفزني لأكتب نصا جديدا عن القهوة، فماذا عساها تصنع القهوة المرة في عالم يغصّ بالمرارة، ربما أرادت أن تمنحني لو شيئا من أمل.
“فهل سيختلف هذا العام عما سبقه، لقد تفاءلنا كثيرا يا عزيزتي في أول أيام عام ألفين واثني عشر، فمنحتنا السنة نكبتها أضعافا مضاعفة، فلا تتأملي أن يصير العالم أبهى، يكفيني أن أتفاءل بك كل صباح، وليكن ما يكون بعدها، فلم أعد أنتظر مجيء فجر غير فجرك أنت، وهذا ما يهمني”.
رددت على رسالتها، وغبت أستعدّ لفنجان من القهوة في هذا الصباح، أفكر جيدا وأتأمل ما الذي سيجعل العالم أجمل؟ من باستطاعته أن يقاوم كل ذلك العبث؟ ماذا باستطاعة قلم أن يغير أو يكتب، تأتيني القهوة في أول فنجان أشربه بعد نوم عميق بعد عدة أيام قضيتها أسهر حتى ساعات الفجر الأولى، نمت مرتاحا لا أدري كم من رضى سكب قدوم العام الجديد في نفسي، وكم منحني من نور تسرب إلى داخلي فشعرت بالطمأنينة، ربما لأنني سألتقي بعد أيام قليلة بأول مرة قلت فيها لها “أحبك”، بعد أن انتظرت ذلك سنين طويلة، وربما شعرت ببعض يأس، فالتقى عندي كل شيء في طريق واحد، ربما عولت على السنة الجديدة، فلعلها تغير رأيها، وتقترب أكثر، ربما وأكثر من ربما.
لا شيء يحدث الآن، ولم تحضر سوى القهوة مزهوة بفنجانها الأنيق، بني اللون موشحا ببعض خيوط متداخلة سوداء تمنح الألوان تعانقا دالا، نبهتني رائحة القهوة، فعلا صوت النفَس، تناولت ذلك الفنجان وأنا في كامل استعداد لأن أرشف الرشفة الأولى من الفنجان الأول، في أول يوم من العام الجديد، يا لروعة كل ذلك، فيا ليت الحياة تتغير بهذه السرعة، ليصبح فيها كل شيء هو الأول، فننسى ما جرى، يا ليت حياتنا تتهيأ مع كل عام جديد، فلا تموت الأيام فقط وتترك ما يعذبنا، أريد أن يكون كل شيء ذا بداية جديدة أولى وطازجة، يا ليت في مقدورنا.
أعود إلى البريد مرة أخرى، لم أجد أي رسائل لقد غابت، فأين هي الآن؟ لعلها تعد لي ولها فنجانا من القهوة، أنتظر، لا ردّ ولا رسالة، أحاول أن أتجول في صفحات الإنترنت أبحث عن نفسي أين صارت، وكم من المواقع أو الصحف قد نشرت تلك النصوص التي بعثتها في وداع السنوات واستقبالها، أشتغل وأجتهد، أغيب وأحضر، لا جديد، فما العمل؟ أبادر فأكتب لها:
– القهوة لا تحلو بدون حبيبتي، صباحك رائع وعام موفق، أتمنى لك حياة ملؤها الرضا والأمان والسلام والهدوء.
كتبت الرسالة وخرجت سريعا، لم أنتظر لها ردا، فأنا أعرفها وهي تعد قهوتها تكون بين الوعي واللاوعي، تغيب وهي تتأملني في صفحة فنجانها، لم ألتفت للرسائل، أتابع ردود الأصدقاء على منشورات صفحة الفيس بوك، فأقرأ كثيرا من التهاني في العام الجديد، صديقة قديمة تبعث لي برسالة وبطاقة معايدة، وأخرى تتفاءل بالعام الجديد، وصديق ثالث لا يرى فرقا بين السنوات، فكلها مثل بعضها كما كتب في أحد تعليقاته.
أعود لأجد رسالة جديدة، فماذا يا ترى فيها من جديد؟ إنها هي من أرسلتها، قرأتها: “كيف يومك؟ بم تفكر أن تفعل؟ فاليوم يوم عطلة عالمية.”
احترت بالإجابة، فأنا لا أغادر غرفتي ولا أذهب في نزهات ولا رحلات، ولكنني كنت قد أعددت لها برنامجا تمنيت له أن يتحقق في هذا اليوم لو أنها معي، فكتبت لها:
– تمنيت أن أكون معك اليوم بمشوار من الصبح حتى آخر اليوم أدللك وأسمعك شعرا وأشتري لك الهدايا التي تليق بحضورك وجمالك، نتناول طعام الغداء معا في مطعم أنيق وجميل، أتأمل سحر عينيك الفاتنتين وأستنشق عبير أنوثتك ليكون تكاملي واتزاني في أول يوم من أيام العام الجديد.
لم ترد على هذا العرض وهذه الأمنية التي لم تكن لتتحقق ولكنها تسألني عن وردة النرجس التي زرعتها لها في حديقة المنزل.
– كيف نرجستي؟ أتسقيها بيديك؟ اعتنِ بها جيدا فسأقطفها لك يوما ولعلنا نشم عبقها ممزوجا مع فنجان قهوة صباحية.
– بكل تأكيد يا غاليتي فإنني أسقيها كل يوم وأصبح عليك من خلالها، إنها تنمو بحب وتكبر استعدادا للأيام القادمة.
– ماذا كتبت اليوم؟ هل من جديد؟
– إلى الآن لم أكتب شيئا، لعلك تنتظرين أن أكتب عن طقوس القهوة الجديدة.
تسألني سؤالا غريبا لا أدري كيف أتاها وخطر ببالها: ما هي أجمل رشفة من فنجانك هذا الصباح؟ أهي الرشفة الأولى أم الرشفة الأخيرة؟
– هي الرشفة الأولى لأنها تحمل ما تحمل من عبق ولأنها تكون مثقلة بكل الشوق والحب المنتظر، لأنها تحمل كل المشاعر وتكون بداية رحلة الحضور، إنها الرشفة الأولى التي تعادل أول بوح لكلمة أحبك، فتخيلي كم فيها من تأثير وسحر، عندما نقولها لأول مرة، إنها طازجة ومختلفة. إنها تشبه القبلة الأولى في لقاء أول في لمسة يد لأول مرة، إنها تشبه الاتصال الروحي لأول مرة مع الأنثى الموعودة المنتظرة، ليس هناك ما هو أشد سحراً من الشيء عندما يحدث لأول مرة.
– إن عليك أن تتذكرني مع كل أول رشفة من فنجان قهوتك.
– طبعا مع كل رشفة أتذكر، وأستحضر طيفك.
– ارتشفها بدفء وكثير من الشوق.
– وهو كذلك سأستمتع بكل رشفة وتتسرب إلى مساماتي لأشعر بقربك معي.
– وأنت هل تشعرين بوجودي وأنت تشربين القهوة؟ سألتها وأنا أعرف أنها ستهرب من الإجابة الواضحة، أحالت إلي السؤال، وقالت: اسأل قهوتي، فهي أدرى بحالي، أليست قهوتي هي صديقتك؟
وكما تكون في كل مرة تتركني، وتذهب لإعداد فنجان قهوتها، وأنا أتابع رسم مشهدها في خيالي، كيف تنتصب قامتها وهي متجلية تنتظر على مهل النار التي تُنضج موعدنا لإعداد فنجان مشترك، أراها وهي ساهمة وشاردة الذهن، منتظرة إكمال الطقس الصباحي، أراها وهي تحنو وتتناول برفق من على الرف فنجانها الخاص لتسكب فيه ما يشعل خاطرها ويستقدم طيفي، أراها وهي ترشف رشفتها الأولى في فنجانها الأول في يومها الأول في العام الجديد، وأرى نفسي قد اشتقت لها كما لم يشتق أحد لأحد، فأعالج نفسي بالكتابة، وبمزيد من القهوة المرة، لعلها تأتي إلي يوما وقد تشبعت سحرا وبهاء كما عهدتها دوما مثالا كاملا وشهيا، لعلها تكون يوما ما رشفتيَ الأولى التي لن تُنسى بعدها، يا ليتها تكون رشفتيَ الأولى ورشفتيَ الأخيرة. يا ليتها تكون، يا ليتها، يا….

———————-
فراس حج محمد/ فلسطين نابلس

1-1-2013