الرئيسية » مقالات » قيادات الانتقال السياسي

قيادات الانتقال السياسي

يشتتني عنوان كتاب (قيادات الانتقال والتنمية السياسية.. العراق ولبنان إنموذجا.. 1990 – 2011) الصادر عن (العراف للمطبوعات) هل هو كتاب اقتصادي ام سياسي ام في الاقتصاد السياسي ام البناء الفكري للتحولات الحضارية الجارية في العراق وسواه من دول الربيع العربي على اساس اقتصادي؟
وتلك متاهة، استدل على تلافيفها بتذييل على الغلاف الاخير انتقاه مؤلف الكتاب د. منتصر العيداني، من الفقرة الاولى في مقدمة الكتاب، جاء في نصه: “يمثل النظامان اللبناني والعراقي الانموذج الاكثر تحديا لدراسة المسألة الانتقالية على صعيد المنطقة وربما العالم، وعلى اكثر من مستوى؛ فهما يمثلان نموذجا غير مؤسس علميا من جهة منطق الانتقال؛ ولذا فهو غير مطروق بحثيا بالمعنى المنهجي لدراسة نظرية الانتقال لا بالمعنى الواسع للانتقال او التحول الدسمقراطي، ذلك انهما يمثلان عملية انتقال من معطى لم يكتمل (الدولة) الى مطلب في طور التكوين (الديمقراطية) ومن البديهي انه من دولة لا يوجد في الاساس ما ننتقل منه او اليه؛ فالدولة في انموذجنا ما زالت مشروعا غير مكتمل سياسيا واجتماعيا منذ نشأتها بداية القرن الماضي، فمن الناحية السياسية لا يوجد اجماع على مفهوم الدولة ومنطق الحكم واجتماعيا فهي موضع اختلاف على تعريف مفهوم الـ (نحن).
قبل الدخول في تفاصيل الكتاب، افهم من هذا التذييل، اننا امام محاججة منطقية لعمليات التحول الجارية في العالم الحديث ترصد من خلال منظار التجربتين العراقية واللبنانية؛ لانهما تجربتان متشابهتان من حيث الوان طيف المجتمع الذي يشكل عينة البحث، ومؤدياتها التي تدور حول الحرب الاهلية، سواء بالسلاح او بالتحرزات الكامنة في (الخواطر).
وبالدخول في تلافيف المتاهة، نجد ان الكتاب يمتد على خمسمئة وست واربعين صفحة من القطع الكبير، ضمت اربعة فصول، هي (القيادة والتنمية السياسية والانتقال) و(قواعد الانتقال وهيكل القيادة) و(بيئة الانتقال والمتغيرات البينيوية الحديثة) و(أطر القرار وآليات الاشتغال).
الفصل الاول ضم ثلاثة مباحث، ناقش فيها المؤلف السياقات المعرفية في نظرية القيادة، مؤسسا لتركيب مصطلح (الاطار النظري للقيادة) وبوجود مفردة (قيادة) تنتفي النظرية؛ لان القيادة فعل عملي.. واقعي مطلق، من دون نقاش.
الا ان د. العيداني، ينفذ في اكاديميات القيادة، ليجعل من ابعاد المكان والزمان، والتحولات الحاصلة في البنية السياسية، للعراق ولبنان خلال الاحداث الحادة التي شهداها ضمن فترة البحث التي حاول المؤلف حصرها في السنوات (1990 – 2011) الا انها نفرت بحكم الامتدادات التي اسهمت قبل وبعد الحدث في بلورته انطولوجيا.
علم المعرفة (الابستيمولوجيا) هو الامتداد القبيل والبعدي المتخاج من حيز البحث على عقدين وعام واحد من السنوات، مؤشرا ان (القيادة ظاهرة طبيعية) ولو استخدم مفردة (فطرية) لكان ادق؛ بالاعتماد على ما ذهب اليه من امثلة الحاجة الى القائد، ليس لدى الانسان فقط انما حتى لدى الشمبانزي، والامثلة كثيرة، كما ورد في الكتاب (بدءاً من البنية الاقطاعية لدى الدجاج وصولا الى السيادة المطلقة للأسود).
يدور الفصل الاول من خلال مباحثه الثلاثة حول السياق التاريخي للقيادة باعتبارها جزءاً من مؤشرات المعرفة، لأنها انتظمت مع تقدم المعرفة؛ اذن هل المعرفة عبودية؟
سؤال الكتاب غير معني بالاجابة عليه، انما هو يمر عليها؛ فينشغل الناس جراها ويختلفوا في حين (لا) ينام عنها د. العيداني ملء جفون المتنبي؛ لأنه يتواصل مع ما بدأه بشأن قيادة التحولات الجارية في بلدين يكتظان بالوان طيف شديد التنافر، لم تفلح المسوغات الدعائية؛ في تنقية الذوات من تحرزاتها المتبادلة؛ الى ان باتت المصالحة الطائفية، تبنى على قنبلة الحرب الأهلية، التي تنفجر في مناسبة ومن دون مناسبة؛ فهي على اهبة الانفجار في اية لحظة من تلقاء كون (الدين افيون الشعوب) و(القومية) اثنية جاهزة لتحريك الحرب متى شاء اي كان تحريكها.
قدم د. منتصر العيداني، في كتابه (قيادات الانتقال والتنمية السياسية) توصيفة من قواعد للانتقال، في هيكل القيادة، مؤكدا لبنان والعراق، وفق المعطيات التاريخية لكل من البلدين على حدة، ثم يخصص الانموذج اللبناني بدءا من (لبنان العثماني) الذي فتح على يد سليم الاول / 1516.
استعرض المواثيق التي تنظم انتقالا سلميا للسلطة، تداولا بين الفئتين الغالبتين على لبنان.. المسيحيين والمسلمين، ما يفتح امام الكتاب منفذا لاستعراض تاريخ البلدين المتناظرين، في المعضلة؛ التي هي اكثر تعقيدا، في العراق الذي لم يحسم توزيعاته الفئوية، هل هي الكرد بعد العرب، ام السنة بعد الشيعة؛ ما تسبب بفوضى دستورية، ربما تسفر عن كارثة تتعذر السيطرة عليها.
ولكي لا ينتهي العراق الى كارثة الحرب الاهلي، يجب اعتماد الفكرة الاحترازية التي تحوطت بها لبنان لهذا الاحتمال ولم تمنحها الحرب الاهلية فرصة لتنفيذها، الا وهي اعتبار الرتتيب الطائفي مؤقتا، سيتبع بتعديلات للألغائه، لكن اطرافا خارجية تفيد من الحرب الاهلية اللبنانية، ما زالت تحول دون احلال هذا التعديل، واقعا، ينتشل لبنان مما هي فيه.
الامر ذلته يصدق على العراق، فتوزيع السلطة المتذبذب من تراتبية طائفية الى تراتبية عرقية، يوجب ان يشفع بتعديل دستوري يلغي المحاصصة ويحل الكفاءة الشعبية بديلا عنها، ضمن قيود وشروط.
توالت فصول الكتاب على تداول الافكار وفق التكيفين اللبناني والعراقي، مستعرضا التحجيات والاطر غير الرسمية المؤثرة في ترصين تجربة الانتقال في السلطة، وما يبنى عليها من تحولات اقتصادية واجتماعية، تساءلنا عنها، في مستهل هذا العرض السريع، للكتاب.
فالتجربتان افرزتا مسخا في تكوين القادة، بحيث حل على دفة القرار اناس غير مؤهلون لقيادة البلد، نفسه، انما يحلون في مناصبهم، بناءً على قناعات فئاتهم، التي حجزت المنصب، لتشغله وفق ما تشاء.
اي ان وزارة ما من حق فئة ما ترشح لها من هو ليس كفأً فتبتلي الدولة بشخص ربما هو حسن الاداء في ما يخص الفئة التي رشحته وليس المنصب الذي شغله.
مثلا وزارة التربية من حصة الشيعة، لو توفر تربوي متمكن، لكن سني، نتخطاه الى شيعي اقل كفاءة، والمثل يصح على وزارة الدفاع، فهي من حصة السنة لو توفر عسكري مقتدر، لكن شيعي نتخطاه الى سني، حتى ولو عاث خرابا في الوزارة؟
لذا كانت لبنان ستنجو من قدر الحرب الاهلية، لو ان هذا التعديل تم اجراؤه في التوقيت المرسوم له، وعلى العراق ان يتعظ بها، خاصة وان طبول الحرب الاهلية تقرع من دون سلام، مرة بوضوع مرع ومرة وئيدة…