الرئيسية » الآداب » جيورجي ديمتروف – 1882-1949: كتاب في حلقات – الحلقة 15

جيورجي ديمتروف – 1882-1949: كتاب في حلقات – الحلقة 15






جيورجي ديمتروف
1882-1949



القسم الخامس

الفصل الثاني


 على رأس الحكومة الديمقراطية الشعبية


في الرابع من شهر تشرين الثاني ( نوفمبر ) 1945 ، عاد جيرجي ديمتروف الى بلغاريا والحملة الانتخابية في ذروتها ــ وفي اليوم الثاني ناقش مع اعضاء المكتب السياسي للجنة المركزية لحزب العمال البلغاري ( الشيوعيين ) ، الوضع في بلغاريا ومهمات الخزب الراهنة .

لقد استقبل الشعب البلغاري نبأ عودة ديمتروف بترحاب وحماس كبيرين ، وأقيم في السادس من تشرين الثاني ( نوفمبر ) مهرجانا في السرح الوطني في صوفيا على شرف الذكرى الثامنة والعشرين لإنتصار ثورة اكتوبر الاشتراكية العظمى ، القى ديمتروف فيه خطابا موجزا قال فيه : ” مرً خمس وعشرون عاما منذ ان كنت على الارض البلغارية وانا على يقين بأنكم ستصدقوني حين اقول لكم بأني طيلة هذا الوقت واينما كنت لم اكفً عن التفكير والعمل من اجل شعبي ، الشعب البلغاريومستقبله وسعادته ورفاهيته . ” ( 1 ) . وتحدث ببالغ الحب عن الاتحاد السوفيتس ، ووحدة الجبهة الوطنية والخطط الخبيثة للمعارضة ، وناشد ابناء الشعب منح اصواتهم للجبهة الوطنية .

واستقبل الشعب البلغاري ديمتروف إستقبالا حارا وعاهده بانه على استعداد لسحق البرجوازية الرجعية وإيجاد السبيل لرفاهية الشعب . فقد عزز خطاب ديمتروف الثقة في صفوف الجبهة الوطنية وهيأ الشعب ليلعب دورا ايجابيا وفعالا في الحملة الانتخابية .

وفي الانتخابات البرلمانية التي تأجلت من 25 آب ( اغسطس ) الى 18 تشرين الثاني (نوفمبر ) تحت ضغط القوى الغربية ، ترأس جيورجي ديمتروف حملة الجبهة الوطنية في العاصمة ، وفي 15 تشرين الثاني ( نوفمبر ) ، القى ديمتروف خطابا فضح فيه نوايا المعارضة المعادية للشعب والثورة ، واشار الى ان المصلحة الحقيقية للوطن والشعب تتطلب تعزيز الحكومة الشعبية وبرلمان ينتخبه الشعب بإرادته الحرة ، وناشد الشغيلة منح اصواتهم لمرشحي الجبهة الوكنية .

واظهرت نتائج الانتخابات البرلمانية مرة اخرى ، ودون ادنى شك ، بأن الاغلبية الساحقة من الشعب البلغاري قد ايدت ثورة التاسع من ايلول ، وشددت العزم للدفاع عنها مما يعزز قضية الجبهة الوطنية .

وفي عشية إجتماع الجمعية الوطنية ، عقدت اللجنة المركزية لحزب العماال البلغاري ( الشيوعيين ) اجتماعها الكامل برئاسة جيورجي ديمتروف ، وحلل الاجتماع نتائج الانتخابات ورسم الاتجاهات الاساسية لخطط الحزب المستقبلية ، كما ناقش الاجتماع ايضامسالة تنظيم وعمل مجموعة الحزب البرلمانية في الجمعية الوطنية وأنتخب جيورجي ديمتروف رئيسا لها .

وفي الخامس والعشرين من كانون الاول ( ديسمبر ) 1945 ، القى ديمتروف خطابه السياسي الاول في مجلس الجبهة الوطنية ، حدد فيه المهمات الوطنية العظيمة التي تقع على عاتق الشعب البلغاري ومنها بناء وتطوير الاقتصاد الوطني وازالة الملكية وبناء الالجمهورية الشعبية .. الخ .

وبإعتباره عضوا في الجمعية الوطنية البلغارية ، اقترح ديمتروف اجراء تغييرات معينة في تركيب ونظام مجلس الوزراء يشارك في اعداد اغلب القوانين التي لها اهمية حاسمة في تعزيز الاقتصاد والاسس السياسية للحكومة الديمقرطية الشعبية ( مثل قانون مصادرة املاك المضاربين وقانون اصلاح الاراضي ) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) ج . ديمتروف ، الاعماال ، المجلد 11 ص 286


وزادت هذه الاجراءات الجوهرية من تحفظات البرجوازية الصغيرة ومقاومة البرجوازية الكبيرة . وبمساعدة القوى الامبريالية تشكلت كتلة من احزاب المعارضة معادية للشيوعية ، ولهذا السبب ، شنً الحزب في بداية عام 1946 هجوما سياسيا حاسما لمنع حدوث مؤامرة عسكرية مضادة . والتقى جيورجي ديمتروف وفاسيل كولاروف وترايكو وستوف بوزير الدفاع وجنرالات وضباط في الجيش واشار الى ضرورة القيام بحملة تطهير في صفوف الجيش ، وتحدث ديمتروف حول الموضوع نفسه امام ضباط وطلبة المدرسة العسكرية . وإستنادا الى قانون “ توجيه وقيادة الجيش “ الذي كان لديمتروف الفضل الاكبر في تشريعه ،تمً القيام بحملة تطهير واسعة بين ضباط الجيش في تموز ( يوليو ) وآب ( اغسطس ) 1946 ، وبهذا تمً احباط مخططات الثورة المضادة المعادية للشعب .

وتعززت الى حد كبير السمة الديمقراطية لجيش الشعب البلغاري / وواصل ديمتروف اهتمامه بتقوية وتطوير الجيش ، وأكًد على ضرورة تجهيز الجيش بالمعدات السوفيتية الحديثة وتزويده بالخبرة العسكرية السوفيتية ــكما اكًد على اهمية رفع القدرة الدفاعية واليقظة السياسية للجيش ليكون المدافع الامين عن منجزات الثورة الاشتراكية .

وفي خضم الوضع السياسي المعقد ، شنً الحزب نضالا حاسما لضمان الإطاحة بالملكية وانتخاب جمعية وطنية . واكتسبت هذه الحملة دلالة رئيسية لأنها سددت ضربة قوية جديدة للقوى الرجعية وساعدت في التطور اللاحق للثورة الاشتراكية .

وفي اجتماع المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب في السادي عشر من تموز ( يوليو ) 1946، عرض ديمتروف الجانب العملي من خطة الغاء الملكية والتحضيرلانتخابات الجمعية الوطنية ، كما ناقش القضية مع رئيس الوزراء كيمون جورجيف ، تشكلت لجنة خاصة برئاسته لاعداد مسودة قانون بهذا الخصوص . وفي اجتماع الجمعية الوطنية ، قدًم ديمتروف نيابة عن المجموعة البرلمانية للحزب ، شرحا بيًن فيه طبيعة الجمهورية الشعبية التي يناضل الحزب من اجل قيامها وقال : ” يجب ان تكون جمهورية شعبية قادرة على توفير الضمانات المادية والسياسية والثقافية والروحية للشعب وتأمين النطور الديمقراطي لبلغاريا ، جمهورية لا مكان فيها للرأسمال الجشع والطفيلي ولا وكان فيها للبطالة والمضاربين . ” واوضح هذا الشرح مهمات الجمعية الوطنية اللاحقة ومنها غعداد دستور جمهورية بلغاريا الشعبية بما يضمن المكاسب التي حققها الشعب في نضاله ضد الراسمالية والديكتاتورية الفاشية وتأمين المزيد من التطور التقدمي للبلاد .

كما كانت مقالة ديمتروف “ المهمات الوطنية الاساسية الثلاث “ عامل هام في إستفتاء الشعب حول قضية الجمهورية ــ واشار ديمتروف الى أن حكومة الجبهة الوطنية تواجه مهمات كبرى مثل تحقيق السلام العادل والتخلص من الملكية وإنتخاب جمعية وطنية ، وإن تحقيق هذه المهمات يتطلب وحدة القوى المعادية للفاشية .

وإنعقد الاجتماع العاشر للجنة المركزية لحزب العمال البلغاري ( الشيوعيين ) للفترة من 9 ـ 10 آب ( اغسطس ) 1946 ، لتحديد خط الحزب وفق الاحداث السياية الجارية . وقدًم جيورجي ديمتروف في هذا الاجتماع تقريرا مفصلا عن الوضع الداخلي والعالمي ، فضح فيه دسائس الامبريالية العالمية التي تلوًح بشبح القنبلة الذرية وتخلق توترا عالميا كبيرا . وبيما يخص الوضع الداخلي ، اكًد ديمتروف على ضرورة الهجوم السياسي للحزب والجبهة الوطنية ضد القوى الرجعية في البلاد .

وفي الثامن من ايلول ( سبتمبر ) 1946 ، صوتت الاغلبية الساحقة من الشعب البلغاري ضد الحكومة الملكية لصالح قيام الجمهورية الشعبية ، وفي ذلك اليوم المجيد ، وقف ديمتروف وسط الجماهير المتحمسة مهللا معها بإلانتصار الشعبي الذي بيًن اصالة التقاليد الديمقراطية للشعب البلغاري على مدى قرون .

واصبح الغاء الملكية واعلان جمهورية بلغاريا الشعبية في الخامس من ايلول ( سبتمبر ) 1946 ، حدثا سياسيا بارزا في تاريخ بلغاريا، سددت فيه ديكتاتورية البروليتاريا صفعة قوية للرجعية الرأسمالية وخطوة حاسمة الى الامام في إيجاد صيغ جديدة لسياسة الدولة .

وإبتدأت التحضيرات لانتخاب الجمعية الوطنية الجديدة ، وإنشغل جيورجي ديمتروف مرة اخرى بنشاطات سياسية وتنظيمية ، فقام بعقد اللقاءات مع قادة احزاب الجبهة الوطنية وترأس اجتماعات المجلس الوطني للجبهة الوطنية ورسم الخطوات التكتيكية للحزب . و في الاجتماعات الانتخابية في فارنا وصوفيا ،
خاطب ديمتروف الشغيلة و ناشدهم للتصويت لصالح مرشحي احزاب الجبهة الوطنية واحباط مخططات الثورة المضادة .

وبفضل الحملة العامة لحزب العمال البلغاري ( الشيوعيين ) والاحزاب الاخرى في الجبهة الوطنية ، والنضج السياسي للشعب البلغاري ، احرزت الجبهة الوطنية نصرا كبيرا في إنتخابات الجمعية الوطنية ، وحصل حزب العمال البلغاري 0 ألشيوعيين )اغلبية الاصوات ــ وقرر الحزب ان لايتم تشكيل حكومة مستقلة بل حكومة إئتلافية . وفي الحادي والعشرين من تشرين الثاني ( نوفمبر ) 1946 ، اوكلت الجمعية الوطنية الجديدة الى ديمتروف مهمة تشكيل الحكومة الجديدة ن وتمت على اسس ديمقراطية المصادقة عليها بالاجماع ، واسهمت في تعزيز الجبهة الوطنية .

وقدًم ديمتروف في الثامن والعشرين من تشرين الثاني ( نوفمبر ) 1946 ، توضيحا سياسيا هاما امام الجمعية الوطنية ، واولى اهتماما خاصا للمشكلات الاقتصادية والسياسية وصياغة دستور جديد لجمهورية بلغاريا الشعبية ــ وعكست الوثائق التاريخية لحكومة ديمتروف الجديدة الاهداف الآتية لتطوير البلاد ، ومنحت الشغيلة ثقة بطاقاتها الخلاقة .

واظهر ديمتروف وهو على رأس الحكومة قدرات كبيرة في ادارة الدولة ــ فكان نشاطه مزيجا متناسقا من الحكمة السياسية والبصيرة والعزم الثابت والمعرفة الشاملة للمصالح الاساسية للشغيلة ، وكان قائدا للشعب بكل معنى الكلمة ، يمتلك خبرة ثورية وسياسية غنية وحب وتقدير كبيرين للشغيلة ـ وكان متواضعا ويُظهر اهتماما متساويا بكوادر الحزب وعامة الشعب البلغاري الذي ارتبط به بشكل وثيق .

فقد ادهش جيورجي ديمتروف الشعب بطاقته التي لا تنضب وقدرتهالكبيرة للعمل المتواصل . فقد ربط عمله السياسي المكثف بالقدرة على التعميم النظري لاكثر مشكلات تطور البلاد الاجتماعي والاقتصادي تعقيدا ، وكان مثالا بارزا للوحدة الوثيقة بين النظرية الماركسية ـ اللينينية والممارسة الثورية ــ وبمهارة فائقة وشجاعة ، استطاع ان يرسم ويوجه التحولات الاشتراكية الثورية في كل مجالات الحياة . وكرئيس للحكومة ، بدأ ديمتروف بتحسين جهاز الدولة ليلعب دورا اكبر في البناء الاشتراكي في البلاد ، وكانت اجتماعات مجلس الوزراء التي تُعقد في جو ديمقراطي ، مدرسة حقيقية لادارة شؤون الدولة .

واعتبر جيورجي ديمتروف اتخاذ القرار الصئب في مسألة معينة ما هو إلا البداية ومن ثم يعلق اهمية اعظم لمسألة تحقيقه العملي ، ولهذا السبب كان يبدي اهتماما كبيرا لتنفيذ القرارات الحكومية ، ويُلزم الهيئات الحكومية بضرورة الشعور بالمسؤولية تجاه مهماتها المحددة ومبادراتها الذاتية . واكًد على الاخذ بمبدأ المركزية الديمقراطية في العمل الحكومي واعطاء الشغيلة فرصا لتتمكن من القيام بدورها في إدارة الدولة .

ومن المهمات التي شغلت حكومة ديمتروف ، تحقيق السلام العادل والحفاظ على كرامة المواطن البلغاري . وشارك رئيس الحكومة في عمل اللجنة البرلمانية للشرون الخارجية ، التي قامت بالدراسات التمهيدية حول معاهدة السلام وقامت بنشر مذكرة الحكومة حول بنودها . وخلال زيارته الى موسكو في آل ( اغسطس ) وايلول ( سبتمبر ) 1946 ، ناقش ديمتروف مع القادة السوفيت تعض القضايا الاساسية التي تتعلق بتوقيع بلغاريا لمعاهدة السلام العادلة .
وعشية مغادرة الوفد البلغاري الى باريس لتوقيع معاهدة السلام ، إطًلع ديمتروف على المسائل التي اعدها الوفد بخصوص المعاهدة وناقشها مع رفيقه فاسيل كولاروف ، الذي حضر مؤتمر السلام في باريس ، وفضح كولاروف مطاليب الرجعية غير العادلة بفرض تعويض باهظ تدفعه بلغاريا والمطالبة باجزاء من اراضيها .

وفي العاشر من شباط ( فبراير ) 1947، تمً توقيع معاهدة السلام ، وأتعبرت انتصارا اساسيا عظيما للشعب البلغاري في مجال الشؤون الخارجية ، وبذلك تمت صيانة الاستقلال الوطني ووحدة اراضي البلاد . وبعد هذا الانجاز العظيم ، اصبح بإستطاعة والحزب والحكومة ان يكرسا اهتمامهما وجهودهما للمشكلات الاقتصادية والسياسة الداخلية .

فقام مجلس الوزراء بإعداد مسودة خطة التعمير وتنمية الاقتصاد لمدة سنتين ، وعُرضت هذا المسودة على الجمعية الوطنية للمصادقة عليها . ولاول مرة يُستخدم نمط الاقتصاد المخطط الذي يستند على مباديء الاقتصاد السياسي ارشتراكي الماركسي ـ اللينيني وعل التجربة الغنية للاتحاد السوفيتي ، وبهذه الخطة ، عزمت الحكومة على إنتشال بلغاريا من وضعها الاقتصادي المتردي الذي ورثته عن الفاشية .

وصادق اعضاء الجبهة الوطنية في الجمعية الوطنية بالاجماع على المسودة ، رفضت المعارضة المسودة وهاجمت السياسة الاقتصادية للحكومة وجهودها لجعل التنمية الاقتصادية في خدمة مصالح الشعب ، ودافع ديمتروف عن المسودة وفضح وجهات نظر اعضاء المعارضة . ولآهمية هذه المسودة في تطوير البلاد ، صادقت عليها الجمعية الوطنية بأغلبية ساحقة .

ونشط ديمتروف في النقاشات التي دارت في الجمعية الوطنية بشأن المسودة ومسودة قانون ينص على شراء كافة المعدات الزراعية لتلبية احتياجات المزارع التعاونية ، وقانون تأميم التبغ واقرار ميزانية الدولة لعام 1947 وقوانين اخرى ، وفضح ديمتروف المعارضة التي لجأت الى الافتراءات الخبيثة وبدأت تشكك بنشاطات الجمعية الوطنية التي تعبًر عن مصالح الشغيلى البلغارية ، وبدأت تدافع عن البرجوازية والنظام الرأسمالي الذي يكرهه الشعب البلغاري .

كانت المرحلة الهامة في عمل جيورجي ديمتروف كرئيس للوزراء ، هي اعداد دستور الدولة البلغارية الجديدة والمصادقة عليه من قبل الجمعية الوطنية . فقد ابتدأ ديمتروف بمناقشة قضية وضع دستور جديد للبللاد في نهاية عام 1945 ، وقام بعرض المسودة على المكتب السياسي لحزب العمال البلغاري ( الشيوعيين ) وعلى المجلس الوطني للجبهة الوطنية . وبعد مناقشة المسودة على مستوى القطر ، صادقت الجمعية الوطنية عليها في الرابع من كانون الاول ( ديسمبر ) 1947 . وفي هذه المناسبة ، قدًم ديمتروف خطابا موجزا حلل فيه مباديء الدستور الجديد واكًد على اهميته في التطور اللاحق لجمهورية بلغاريا الشعبية وقال : ” بتعزيز مباديء الديمقراطية الشعبية ، فالدستور الجديد ينير الطريق للتطور الاشتراكي لبلادنا وزوال بقايا نظام الاستغلال الراسمالي وتحرير الشغيلة من كل اشكال الاستغلال وهذا يعني الخلاص من استغلال الانسان للانسان . ” ( 1 )

إن الدستور البلغاري الجديد ، الذي بذل جيورجي ديمتروف جهودا جبارة لانجازه و اقرته الجمعية الوطنية ، استطاع ان يضع الاساس التشريعي للمكاسب التاريخية للنظام الديمقراطي الشعبي وخلق آفاق مشرقة للتطور الاشتراكي في البلاد . وكلفت الجمعية الوطنية في 11 كانون الثاني ( يناير ) 1947 جيورجي ديمتروف بتشكيل الوزارة للمرة الثانية .

وبعد الهزيمة الساحقة لقوى المعارضة في إستفتاء الشعب وإنتخابات الجمعية الوطنية ، لجأت هذه القوى وبتشجيع من الامبريالية العالمية ، الى اساليب الاغتيال والتخريب والمؤمرات . كما تحالفت هذه القوى مع بعض العناصر الرجعية الفاشية التي سُحقت في التاسع من ايلول 1944 ،لكنها لم تفقد الامل في استرجاع مواقعها .

وباءت المخططات التخريبية والتآمرية لقوى المعارضة المعادية للشعب والوطن بالفشل الذريع بفضل التغييرات الايجابية في وضع بلغاريا الداخلي ةالخارجي ، التي مكًنت الحزب والحكومة الشعبية من اتخاذ خطوات حاسمة ضد قوى الثورة المضادة .
وبإقتراح من جيورجي ديمتروف لشن هجوم سياسي وايديولوجي ضد العارضة التي تخطط لضرب الجبهة الوطنية ، قررت الجمعية الوطنية حل احزاب المعارضة ورفع الحصانة البرلمانية عن اعضائها . وبتوصية من جيورجي ديمتروف ( الذي كان يتلقى العلاج في الاتحاد السوفيتي ) رفضت الحكومة بحزم التدخل الفظ للامبريالية الانكلو ــ امريكية في الشؤون الداخلية لبلغاريا ،بحجة عدم شرعية الاجراء الذي اتخذته الحكومة ضد قادة احزاب المعارضة . وفضح ديمتروف في تصريح له تهديدات وإبتزاز الامبريالية فيما يتعلق بالقرار الذي اتخذته الدولة بحق زعيم المعارضة نيقولا بيكوف .

وإتخذت حكومة جيورجي ديمتروف جملة من الاجراءات التي تحًد من الاسس الاقتصادية للطبقة البرجوازية . ففي عام 1947 ، اقرًت الجمعية الوطنية قانون تأميم التبغ وقانون تأميم المشروبات الروحية ، كما وضع ديمتروف بمساعدة اعضاء المكتب السياسي للجنة المركزية لحزب العمال البلغاري ( الشيوعيين ) مسودة قانون تأميم الصناعة ، وقامت الحكومة بتطبيقه بصرامة ، بعد ان اقرته الجمعية الوطنية ، وشارك ديمتروف في إصدار قانون تأميم البنوك ، وساعدت تلك القوانين على تصفية حسابات الرأسماليين والطبقة الرأسمالية في المدينة ، وتحقق تفوق اكبر للقطاع الاشتراكي في الصناعة ، كما ساعدت ايضا على تثبيت ديكتاتورية البروليتاريا وخلقت ظروفا افضل للبناء الاشتراكي .

لقد وجهت اللجنة المركزية لحزب العمال البلغاري ( الشيوعيين ) برئاسة ديمتروف سياسة بلغاريا الخارجية من اجل الحفاظ على السلام العالمي وإقامة علاقات حسن الجوار والتعايش السلمي مع جميع الدول بصرف النظر عن نظمها الاجتماعية . وصرًح جيورجي ديمتروف قائلا : ” إن حجر الزاوي في سياستنا الخارجية هو اتباع خط ثابت في تعزيز وتطوير ارتباطنا وتعاوننا مع البلدان الاشتراكية الشقيقة وعلى رأسها قلعة الحركة الشيوعية العالمية ــ الاتحاد السوفيتي . ” ( 2 )

وعرًف ديمتروف الصداقة البلغارية السوفيتية بأنها حجر الزاوية في سياسة بلغاريا الخارجية وعامل محرًك في تطور بلغاريا الاجتماعي والاقتصادي والثقافي على طريق الاشتراكية . وفي الايام الاولى للحكم الاشتراكي في بلغاريا ، صرح ديمتروف قائلا : ” إن الصداقة مع الاتحاد السوفيتي حاجة ضرورية للشعب البلغاري ، كحاجة الانسان الى الشمس والهواء ، ولن تساطيع اية إدعاءات ان تزحزح ثقة الشعب البلغاري بأن دورنا التاريخي في ظل كل الظروف هو العمل يد بيد مع اخينا الاكبر ــ الاتحاد السوفيتي . وهنا نجاتنا وسعادتنا “ ( 3 )

إن الصداقة البلغارية السوفيتية تعبر عن طموحات كلا الشعبين من اجل بناء الاشتراكية والشيوعية ، وانها تعبر عن مشاعر الشكر العميق للشعب البلغاري اتجاه الشعب الروسي ، الذي حرره مرة من الحكم العثماني والمرة الثانية من البربرية الفاشية . إن الصداقة البلغارية السوفيتية وعمدة بالدم الذي سال على ارض النضال المشترك ضد العدو المشترك .

وبعد توقيع اتفاقية السلام وحل المشكلات السياسية والاقتصادية الداخلية ، بذلت حكومة جيورجي ديمتروف جهودا كبيرة لتعزيز وضع بلغاريا العالمي . وعارضت سياسة الحكومة البلغارية النهج العدواني للدول الامبريالية بزعامة الولايات المتحدة الامريكية ، وتحتاج سياسة الحكومة هذه الى توحيد جميع القوى المعادية للامبريالية والمحبة للسلام والديمقراطية من خلال ابرام الاتفاقيات الحكومية . وفي عامي 1947 و 1948 ، وقًع ديمتروف معاهدة صداقة وتعاون مع كل من رومانيا ويوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا وبولندا والمجر والبانيا ، كما بادرت الحكومة الى تطبيع العلاقات مع اليونان وتركيا كي تتحول منطقة البلقان الى منطقة سلام .

وفي 18 آذار ( مارس ) 1948 ، وقٌعت الحكومة البلغارية معاهدة تنص بأن الشعب البلغاري اصبح ليس صديقا للشعب السوفيتي وحسب ، بل وحليفا مخلصا في النضال من اجل السرم والاشتراكية ، وكانت المعاهدة محصلة الترابط الاخوي التاريخي بين الشعب البلغاري والشعب السوفيتي ، كما انها ضرورة ليس من اجل الحفاظ على استقلال بلغاريا وسيادتها ، بل لضمان تطورها نحو الاشتراكية والشيوعية ، وجاء توقيع تلك المعاهدة على اسس المساواة التامة . ” اتفاقية تستند على اسس الصداقة والثقة المتبادلة . ( 4 )

وهكذا عملت مبادرة ديمتروف في مجال السياسة الخارجية عل توطيد ارتباطات بلغاريا بالبلدان الاشتراكية وكفلت استقلالها وسيادتها الوطنية . فالعلاقات التي اقامتها الحكومة البلغارية تستند على مباديء التعاون الاخوي والمساواة والاحترام المتبادل .

إن الصداقة والتعاون المشترك بين البلدان الاشتراكية ، عملية تحكمها قوانين تنبع من إقامة النظام الاجتماعي الجديد ، والمصالح المشتركة في النضال من اجل السلام والاشتراكية ، ومباديء الاممية البروليتارية . إن مباديء جيورجي ديمتروف في السياسة الخارجية تستمر ليومنا هذا كخط موجه لعلاقات بلغاريا الخارجية .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 )ج . ديمتروف ، الاعمال ، المجلد 13 ص 298
( 2 )المصدر السابق ص 115
( 3 )المصدر السابق ص 115
( 4 ) ج . ديمتروف ، الاعمال ، المجلد 14 ص 28