الرئيسية » مقالات » عاشوراء… ربيع الانسانية

عاشوراء… ربيع الانسانية

ربيع انطلقت شرارته منذ اكثر من الف واربعمائة عام ونيف في ارض عنوانها الطفوف واسمها كربلاء وقائد ثورتها ابن بنت رسول الانسانية محمد (صلى الله عليه و اله وسلم ) وثلة من فتية امنو بربهم فزادهم هدى، انها عاشوراء الانسانية.
ربيع اسس لنفوس ترفض الذل وتأبى الخنوع تناقلته اجيال واجيال على مر العصور والدهور ولا نبالغ اذا ما قلنا بان الثورات الصالحة انبثقت من ذلك الربيع (العاشورائي).
فلا ثورة ولا ربيع يكسو اي بلد الا بعد ان يكسر الناس خوفهم من سطوة الطغاة وان يكون ربيعهم في داخل نفوسهم قبل ان يظهر على تعابيرهم وشعاراتهم، وهذا بحد ذاته يحتاج الى من يحركه ويرفع من مستواه ليعزز ثقته، فلكل شيء موسم وعاشوراء هو موسم لكسر الخوف ورفض الظلم والطغيان وهو ما أسسه سبط رسول هذه الامة بدمه وصحبه وعياله.
ولا نجانب الحقيقة اذا ما قلنا بان الحسين بن علي (ع) هو من اسس ربيع الثورات في ذلك اليوم الخالد، وهو من كسر حاجز الخوف في نفوس الناس على مر العصور فلا يكاد يمر ثائر ولا قائد ثورة بسجل عاشوراء الا وقال هذا ما تعلمته من عاشوراء وكما قال غاندي في اشهر مقولة لرجل لا يعتنق الديانة الاسلامية في مقولته (.. تعلمت من الحسين كيف اكون مظلوما فانتصر…).
الشيء الذي يمكن ان نؤشره بهذه المناسبة عده نقاط منها:
1- ان الامام الحسين(ع) اسس لربيع الانسانية باسرها فلم يكتب التاريخ اي ثورة قامت ضد ملك متجبر او طاغ او فرعون قبل ثورة الامام الحسين بل ان السائد كان قبل ذلك الوقت هو ان الملك او الحاكم منصب من الاله وان من يخرج عليه انما يخرج على حكم الالهة ولذا بقي الناس قبل ثورة عاشوراء رهن حكام الجور والدكتاتورية.
2- شملت ثورة الامام الحسين (ع) في يوم عاشوراء اغلب صنوف سكنة كرتنا الارضية من اديان والوان، فكما ان علي الاكبر فلذة كبد مولانا الحسين كان في خط المواجهة الاول مع باقي العترة الهاشمية وسائر سادة العرب والمسلمين كان (جون) وهو رجل اسود اللون جزء من هذه الثورة مرورا بالنصارى والمسيح في صف واحد لمواجهة طغيان السلطة الحاكمة آنذاك المتمثلة ببني امية.
3- ان ثورة الحسين لم يكن فيها اقل احتمال لنصر عسكري وكل من رافقه كان يعلم بمصيرها ونتيجتها العسكرية الحتمية، فلا مناصب للفوز بها ولا سلطة سيتم تسلمها، ولكنهم ظلوا ثابتين كالجبال الرواسي، لعقيدتهم الراسخة وتيقنهم بكرامة الحياة الابدية وهي الشهادة في سبيل دفع الظلم والضيم ورفض الطغيان وتأسيس لمبادئ حياة كريمة ستبقى شامخة على مر العصور.
4- ثورة الامام الحسين (ع) لم ترفع شعار الطائفة ولا القومية ولا العشيرة ولا المذهب، بل انها كانت انسانية بحتة منذ انطلاقها وجسدت ثورة كل الاديان، وكل ما فيها هو لتجسيد قيم الانسان واخراجه من استعباد اخيه الانسان ورفعه لما اراده خالقه من ان يكون حاملا لرسالة السماء، وخير شاهد على ذلك هو قول قائد هذه الثورة حينما خاطب الناس (… الا ترون ان الحق لا يعمل به وان الباطل لا يتناهى عنه…) فالحق عندما يعم الجميع يشملهم بالخير آيا كانوا والباطل عندما يتفشى فانه يسلب الناس حقوقهم بجميع طوائفهم واديانهم واجناسهم.
5- ان قائد هذه الثورة قد جعل من نفسه واهل بيته وصحبه اول الضحايا من اجل تأسيس ركيزة التغيير على مرور الازمنة، بدون ان يكون لديه مطمع او مغنم، ولم يكن هو او عياله في الخطوط المتأخرة للمواجهة بل كانوا في الخط الاول لقيادة الثورة.
6- جسد سبط الرسول الكريم ترابط الاديان السماوية بكل عناوينها وحقق مشروع الانبياء والرسل بكل مسمياتهم فمقولة السيد المسيح عليه وعلى رسولنا افضل التحية والسلام (..ما من حب أعظم من هذا أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبائه) يتكرر بمعاني كلمات سيد الشهداء حين يقول (.. لا ارى الموت الا سعادة والحياة مع الظالمين الا برما) وهو دليل واضح على ترابط الاديان بهدف ومصب واحد.
7- الثورات الانسانية حتى وان خسرت عسكريا فأنها تكسر في اقل تقديراتها حاجز الخوف لدى عامة الناس وتقلل من شان الطغاة وتجبرهم، فالطغاة يزولون من كراسيهم عندما يسقطون في نظر شعوبهم ويكونوا في مستوى الاستهانة لدى الاعم الاغلب، فالخوف منهم عبارة عن جبل هلامي لكنه سرعان ما يتفتت عندما تنطلق شرارة الثورة وتبزغ شمس الربيع، بينما يرتقي الثوار في اعين الناس وقبلها في عين الله بمجرد ان يطلقوا صرختهم الاولى (كلا) للطغيان…. للاستبداد… للفساد… للإرهاب…
فحري بمن يرفع شعار التغيير ويطلبه او يرفض الطغاة وجلاديهم ويثور عليهم وخصوصا في ايامنا هذه، ان يجعل نصب عينيه تلك المبادئ العظيمة لثورة عاشوراء، لأنها صمام الامان لمن يريد ان يدعمه او يشاركه و يسانده، وان لا يجعل من طائفته او عشيرته او حزبه رصيدا لزخمه فكلما صغر عنوان التغيير وانحصر على طائفة او دين كلما كان عمر الثورة قصير ونجاحها مشكوك فيه وتكون قليلة الثمار او قد تكون عنوانا يتستر به دكتاتور جديد ليس لديه سوى اقتناص الحكم من دكتاتور قديم.
* مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث