الرئيسية » مقالات » من المستفيد من إفشال العملية السياسية في العراق؟

من المستفيد من إفشال العملية السياسية في العراق؟

منذ اليوم الأول من إسقاط حكم البعث الفاشي، هب أيتام البعث وحلفاؤهم من أتباع القاعدة الوهابيين الوافدين من السعودية وغيرها، لمحاربة العراق الجديد بحجة تحرير العراق من المحتل الأمريكي الكافر وعملاء أمريكا!. ولكن مع سقوط هذه الحجة بانسحاب القوات الأمريكية نهاية عام 2011، استمرت العمليات الإرهابية، وفي هذه المرة بحجة محاربة عملاء إيران الصفويين!! والمقصود بهذا الشعار الطائفي هو محاربة آخر شيعي عراقي يخرج على المألوف العثماني فيشترك في حكم وطنه العراق. وتوضَّح ذلك جلياً مؤخراً في خطابات النائب من كتلة “العراقية”، أحمد العلواني، الذي قاد مظاهرات صاخبة في الفلوجة، وبشعارات طائفية صريحة، دعى الجماهير للزحف شرقاً لسحق عملاء إيران وصولاً إلى طهران!! جاءت هذه التظاهرات الاحتجاجية على أثر إعتقال عدد من حماية وزير المالية الدكتور رافع العيساوي بتهمة الإرهاب. وحسبما اوردت وكالة رويترز، فقد رفع المتظاهرون في الرمادي صور رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان، الذي دأب على انتقاد المالكي في الفترة الاخيرة.

على إن محاربة العراق الجديد لم تقتصر على أيتام البعث وأتباع القاعدة الوهابيين، بل نجح أعداء العراق بتجنيد مختلف الجهات السياسية، مستغلين تعقيدات الوضع والصراعات بين مختلف مكونات الشعب، الدينية والقومية، والكيانات السياسية، فهناك كثيرون يفضلون مصالحهم الشخصية والفئوية على المصلحة الوطنية. لذلك ليس صعباً على السعودية وقطر وتركيا، شراء الذمم من سياسي العراق لتدمير وطنهم وتحت واجهات حق مثل محاربة الطائفية والفساد، ولكن يراد بها العكس.

والأكثر غرابة أن نرى شخصيات سياسية، رغم أنها ساهمت في معارضة حكم البعث الجائر، ولكنها رضيت اليوم أن تساهم مع أيتام البعث في إفشال العملية السياسية ووأد الديمقراطية الوليدة وتحت مختلف الذرائع، تارة بحجة أنهم ضد المحاصصة الطائفية والعنصرية، وأخرى بحجة تفشي الفساد!!. فمنذ أكثر من عام، جند فخري كريم كتّابه في صحيفته (المدى) لشن حملة ضارية ضد رئيس الوزراء السيد نوري المالكي، مردداً اتهامات رئيس إقليم كردستان السيد مسعود البرزاني له بالدكتاتورية. إذ لا يخلو عدد من الصحيفة المذكورة من مقالات نارية ضد المالكي. والكل يعرف أن إلصاق تهمة الدكتاتورية باطلة، لأن لا يستطيع أي كان رئيساً للوزراء في الظروف الراهنة أن يكون دكتاتوراً وذلك لأن عدد نواب المعارضة يفوق المؤيدين له، وبإمكانهم إسقاطه في أي وقت أرادوا، وإنما سبب عدم إسقاطه هو أن العداء المستفحل فيما بين الكتل المعارضة أشد من عدائهم ضد خصمهم المالكي، وليس بإمكانهم ترشيح البديل الذي يرضيهم جميعاً أو يرضي حتى الأكثرية البرلمانية البسيطة.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، طلع علينا مرة السيد عدنان حسين (أحد كتاب المدى) وهو يحرض صراحة على إفشال العملية السياسية. والجدير بالذكر أن عدنان حسين هذا يكتب دائماً بما يرضي أولياء النعمة. فعندما كان يعمل في صحيفة (الشرق الأوسط) السعودية، كتب أكثر من مقال طالب فيه السعودية والكويت وجميع الدول الدائنة بعدم التخلي عن ديونها على العراق ليكون درساً للشعب العراقي بعدم إنتاج صدام آخر في المستقبل (كذا)، وكأن صدام حسين استلم السلطة عن طريق انتخابات حرة ونزيهة، وشن حروبه العبثية بموافقة الشعب، لذلك طالب عدنان حسين بمعاقبة هذا الشعب وحتى الأجيال القادمة على جرائم صدام.

واليوم طلع علينا سياسي مخضرم آخر بمقال طالب فيه بمقاطعة الانتخابات القادمة، بذريعة الدفاع عن الديمقراطية بعنوان: (من أجل الديمقراطية في العراق قاطعوا الانتخابات القادمة). وعلى العكس من هؤلاء، أكد الراحل علي الوردي في معرض دفاعه عن الديمقراطية قائلاً: لو كنت رجل دين لأفتيت بجعل المشاركة في الانتخابات واجباً دينياً.

والسؤال الذي نود طرحه هو: لمصلحة من يريد هؤلاء إفشال العملية السياسية، ومقاطعة الانتخابات، ووأد الديمقراطية الوليدة؟

يردد هؤلاء بتكرار ممل أن الانتخابات ليست كل شيء في النظام الديمقراطي، وهذا صحيح، ولكن يجب أن يعرف هؤلاء السادة أنه لا ديمقراطية بدون انتخابات. فماذا يبقى من الديمقراطية إذا ألغيت منها الانتخابات؟

قلنا مراراً أننا لا ندعي أن الديمقراطية في العراق ناضجة تنافس الديمقراطيات الغربية، فبعد عشرات السنين من الخراب المادي والبشري، والتجهيل المتعمد، والردة الحضارية، وتكالب دول الجوار على العراق، لا يمكن أن يكون الوضع مثالياً… ولكن هناك بعض الحقائق لا بد من ذكرها:

أولاً، نعرف من تاريخ الدول التي سبقتنا في هذا المضمار أن ولادة الديمقراطية في أي بلد ليست عملية سهلة، بل غالباً ما تتم بعملية جراحية قيصرية مصحوبة بآلام ودماء.

ثانياً، لم يمارس الشعب العراقي الديمقراطية طوال تاريخه قبل 2003، وحتى في العهد الملكي الذي يحلو للبعض وصفه بالعهد الديمقراطي الليبرالي، وأنه كان العهد الذهبي في تاريخ العراق، إذ في معظم الأحيان كان رئيس الوزراء الجديد يحل البرلمان ويعين معظم النواب بعملية انتخابية صورية مزيفة. وهذا ما شهد به معظم رجال العهد الملكي الذين نشروا مذكراتهم مثل الراحل عبدالكريم الأزري وغيره.

الحقيقة الثالثة، لا تولد الديمقراطية متكاملة وناضجة، ولن تكتمل أبداً، ويحتاج الشعب إلى سنوات طويلة في التمرن إلى أن يتعود عليها، ويقبل بنتائجها وتصبح جزءً من ثقافته الاجتماعية.

الحقيقة الرابعة، أن شعباً منقسماً على نفسه ومتخاصماً فيما بين مكوناته، وأزمة الثقة بين قادته السياسيين، كشعب العراق، لا بد وأن تحصل كل مكونة على حصتها في السلطة وحسب ما تفرزه صناديق الاقتراع حتى ولو أطلقوا على هذه العملية اسماً تسقيطياً مثل المحاصصة. فهذا الوضع هو نتاج التاريخ والجغرافية وليس من نتاج المالكي أو من سبقه في رئاسة الحكومة مثل إبراهيم الجعفري وأياد علاوي، أو حتى بول بريمر. فمعظم الكتل السياسية تشكلت وفق الاستقطاب الديني والقومي، وأتحدى أية جهة تستطيع تغيير هذه التركيبة في حكم العراق في الوقت الحاضر أو المستقبل المنظور. أما الذين يطالبون بحكومة ديمقراطية شبيهة بحكومة السويد فعليهم تحويل الشعب العراقي إلى ما يشبه الشعب السويدي، خالياً من هذه الانقسامات الطائفية والقومية، وبعصى سحرية كن فيكون!.

في الحقيقة إن غرض الذين يدعون إلى مقاطعة الانتخابات هو لتخريب العملية السياسية، ولإنقاذ ماء وجوههم من الفشل، فهم يعرفون مسبقاً أن دورهم السياسي قد انتهى، فتاريخهم حافل بالهدم، وهم يتحملون حصة الأسد فيما حل بالعراق من خراب ودمار، سواء كانوا من خلفية اليسار الشيوعي أو اليمين البعثي. ولذلك يريدون تبرير هزيمتهم في الانتخابات القادمة، كما انهزموا في الانتخابات السابقة، ليقولوا أنهم هم الذين رفضوا المشاركة في الانتخابات، وهم الذين طالبوا بالمقاطعة، بحجة أن العملية السياسية هي محاصصة طائفية وفاسدة لن يرتضوها.

حكاية تزييف الانتخابات:

يدعي هؤلاء أن الانتخابات تم تزييفها بشهادة زعيمي أكبر الكتلتين، المالكي وعلاوي.!!!

نقول لهؤلاء، إذا كان هناك تزييف فالتزييف تم بدهاء وذكاء وعلى حساب كتلة دولة القانون فقط لخلق مشكلة. وعلى سبيل المثال، يعرف الجميع أن في نظام (التمثيل النسبي) تكون حصة كل كيان سياسي من المقاعد البرلمانية حسب نسبة الأصوات الانتخابية. فالكيان السياسي الذي يحصل على 10% من الأصوات يحتل 10% من المقاعد البرلمانية, ولكن الذي جرى هو أن التيار الصدري مثلاً حصل في الانتخابات الأخيرة على 6% من الأصوات الانتخابية، بينما نال 12% من المقاعد البرلمانية..كيف؟ علمه عند المفوضية الانتخابية! أما الكيانات التي فشلت في الحصول على القاسم الانتخابي، فلم يتم إجحافهم كما يدعون. وهذه القاعدة متبعة في جميع الدول الديمقراطية التي تطبق نظام التمثيل النسبي. لذلك فالذين يدعون بمقاطعة الانتخابات بحجة التزوير أو سرقة أصواتهم، فهم لا يخدعون إلا أنفسهم، وغرضهم إيجاد مبرر لهزيمتهم المتوقعة، فالحقيقة الناصعة تؤكد المثل العراقي: “الماينوش العنب يقول حامض”.


درس من مصر في المقاطعة

لو كان دعاة مقاطعة الانتخابات على حق، ويعرفون أنهم يتمتعون بشعبية واسعة لما رفعوا شعارات تخريبية مثل الدعوة للمقاطعة. فالمقاطعة لا يستفيد منها إلا أعداء الديمقراطية. وما حصل في مصر خلال الانتخابات الرئاسية والاستفتاء الشعبي على الدستور خير دليل على ما نقول. لقد فاز الدكتور محمد مرسي برئاسة الجمهورية بنسبة 26% فقط من الذين يحق لهم التصويت، لأن نحو 50% منهم قاطعوا الانتخابات، أما الاستفتاء على الدستور فقد شارك فيه 33% فقط من الذين يحق لهم التصويت، وصوت لصالح دستور الرئيس مرسي ثلثا الثلث (66%) أي ما يعادل 22% فقط من الذين يحق لهم التصويت. ومعظم الذين يؤمنون بالديمقراطية يعرفون أن سبب فوز الرئيس المصري ودستوره هو المقاطعة من قبل خصومه. لذلك فمقاطعة الانتخابات تخدم أعداء الديمقراطية.

وهذا درس لدعاة المقاطعة في العراق. فالذين رفعوا شعار: (من أجل الديمقراطية في العراق قاطعوا الانتخابات القادمة) غرضهم إفشال الديمقراطية، والعملية السياسية بحجة دعم الديمقراطية. إن تاريخ هؤلاء لا يبشر بخير، فطوال تاريخهم، منذ العهد الملكي وإلى هذه اللحظة كان عملهم هو الهدم والتخريب، ولم يجيدوا عملاً غيره في النشاط السياسي، وهم يمارسون هذا التخريب باسم الوطنية والديمقراطية ومن أجل البؤساء والمساكين من أبناء شعبنا، كما يدعون، بينما قصدهم عكس شعاراتهم تماماً، إذ يعرفون جيداً أن الديمقراطية ليست في صالحهم، ولذلك فهم يحاربونها.

خلاصة القول، أن المستفيدين من إفشال العملية السياسية هم أعداء العراق في الخارج مثل السعودية وقطر وأردوغان، وأعداء الديمقراطية المتضررين بها في الداخل الذين استحوذوا على السلطة عن طريق الانقلابات العسكرية لا عن طريق صناديق الاقتراع فحكموا الشعب بالنار والحديد. أما الذين يدعون حرصهم على الديمقراطية فعليهم أن لا يقعوا في الفخ للمرة العاشرة، فحركة التاريخ في صالح الديمقراطية، والذين يحاولون محاربتها وتحت مختلف الذرائع الواهية الزائفة فلا يخدعون إلا أنفسهم ومصيرهم الفشل الذريع.