الرئيسية » مقالات » كم ليلة بعد الألف؟ أما من نهاية لشهرزاد كي تموت؟

كم ليلة بعد الألف؟ أما من نهاية لشهرزاد كي تموت؟

آه يا صديقي، كم كنت قاسيا بهذا الذي تمنيته، “أما من نهاية لشهرزاد كي تموت؟”، لعلك تؤمن بما قالته أحلام مستغانمي في روايتها الأخيرة الأسود يليق بك: “من الأسهل علينا تقبل موت من نحب على تقبل فكرة فقدانه واكتشاف أن بإمكانه مواصلة الحياة بكل تفاصيلها دوننا”، أما أنا فلست من يحمل ذلك لمن أحببتُها، إنني دوما أتمنى لها أن تسعد وتعيش وتتابع تفاصيل حياتها كما تشاء، فليس باستطاعة قلبي وروحي أن يتمنيا لها أقل الأذى عدا عن فكرة الموت التي تصيب عقلي بالشلل، فلن يمر ببالي ذلك ولن يمرّ.
فلماذا يا صديقي يجب عليها أن تموت؟ ألنتخلص من آلامنا؟ وهل إذا ماتت ستترك محلها من القلب واليقين، وكيف لها أن تغادر وهي القلب ودقاته وروح الحياة، فلا تتمنى لها الموت، بل عليها أن تعيش بغوايتها فتتعبنا كيفما شاءت، فلها الرضا واليقين وعلينا نحن الصبر والشوق.
لن تنتهي ليالي شهرزاد، وكيف لها أن تنتهي وهي كل العمر والأمنيات، وهي صانعة الحياة، فهل أوجعتك ذات مرة بحضورها؟ وهل آلمتك ذات وهم بكلامها وهو يفيض بكلمة “أحبك”، ألم تكن مشتاقا لها وهي حاضرة وتعيش قربك؟ أم أنك تتمنى بعدها لعلك ترتاح؟ وهل إذا غابت شهرزاد سيكون غيابها دواء للجروح، إنها مشكلة في الحالتين حضورا وغيابا، فما عسانا أن نفعل يا صديقي غير أن نحافظ على عهودنا معها، ولن نكون لغيرها، هي وحدها من تستحق أن يُكتب لها، وهي وحدها من تعطي للكلام طعمه، هي وحدها سيدة الزمان والمكان، هي وحدها العطر، فلنكتف بتنسم روائح وردها ولو من بعيد!
تعلم يا صديقي أن تكون ساميا متعاليا بمشاعرك، لا تنتقم إن هزمتك شهرزادك، لا تنقلب ضدها لتحاول الانتصار عليها، فليس برجولة أن تنتصر في معارك الحب إلا بالحب نفسه، عليك بها ففتش عن طريق أخرى أكثر جدوى وإن كانت فلسفية مجردة أن تبقيها في حماك وعلى مرمى من مرآك لتظل محكوما بوجودها، إنها هزيمتك المعنوية الفاضحة أن تتمنى لها الموت، من يستطيع أن يتمنى أن تموت شهرزاده أو تبتعد عنه غير المجانين المهزوزين المهزومين الكسالى والمرضى النفسيين؟
أما أنا قد قررت ألا أميتها، وألا أخرجها من شريان قلبي الموجوع، سأظل لها مخلصا طوال عمري، أرش على ورودها أنداء الصباح، وأغني لها بشوق أغاني فيروز الندية، وأربي زهورها بحدائق نفسي، مستمتعا بذكرياتها التي لن أستطيع لها نسيانا، أم أنك يا صديقي تستطيع أن تجد شهرزادا أخرى؟ إن استطعت أنت فأنا لا أستطيع، فليس بمقدور القلب أن يسكن فيه غير شهرزاد واحدة هي من اختارها لنعيمه وهناءة حياته، وإن ابتعدت سيظل معناها ووجودها تحت سماء الله بلسما يشفي الجراح.
ترفق بنفسك أولا قبل أن تترفق بها، وعليك أن تتعايش مع غرائب الواقع الذي تحياه، فصدق أو لا تصدق، شهرزاد لن تموت، ولن أسمح لها أن تموت، فموتها قرار يصعب بل يستحيل علي أن أختاره أو أتمناه، فيا ليتك تدرك عظمة وجود شهرزادك في حياتك، حتى وهي في أقسى حالات غيابها وابتعادها وانتقامها منك بالإهمال والصد، فما الصد والهجران إلا تجل آخر من تجليات حضورها؟ هكذا عليك أن تفسر وترضى، فلولاها لما كان لكل تلك المعاناة من ألق وحضور ومتعة، إنها متعة الحب يا صديقي، فليس هناك من حب بدون ألم،
صديقي العزيز عليك بهوامش الليل وتجربتها لعلك تعرف روعة أن تحبّ، وأن يكون لك في هذا الوجود شهرزاد تحبها حتى التعب، فليس بمقدورنا ألا نحبها، فهي قدرنا، وخاتمة سطر في سفر حكاية أرواحنا، يا ليتك تدرك عظمة شهرزاد! يا ليتك تفهم!!

———————-
فراس حج محمد/ فلسطين نابلس