الرئيسية » مقالات » هل العراق يحتضر؟

هل العراق يحتضر؟

لم يخطر ببالي أن أقول أو أكتب شيئاً آخر عن العراق هذه المرة بعد أن استنفذت ذخيرتي بمشاركتي في المؤتمر الأول ل”هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب في العراق”، الذي انعقد بمدينة السليمانية في اليومين 21 – 22 من تشرين الثاني الماضي، ثم بإلقاء محاضرة بعنوان “النفط ومحنة الأقتصاد العراقي” في مجلس صفية السهيل الثقافي ببغداد في الثامن من هذا الشهر. غير أن الذي غير رأيي ودفعني لكتابة هذه السطور هو ما واجهته في مطار بغداد الدولي صبيحة الخامس عشر من هذا الشهر بعد أن استكملت الأجراءات الأمنية والرسمية المطلوبة ودخلت قاعة المغادرة انتظاراً لأقلاع الطائرة.
هناك أحسست بالحاجة للذهاب الى المرافق الصحية، وعند دخولي المرحاض (وهي غربية) وجدتها بلا مقعد وقد تناثرت على حواشيها الخزفية العارية نقاط بول الآخرين. خرجت مشمئزاً لأدخل المرحاض المجاورة فجوبهت بنفس المنظر، وكذلك كان الأمر في المرحاض الثالثة. أستدرت غاضباً متوجهاً نحو باب الخروج فقطع طريقي عامل التنظيف (ربما فيليبيني أو بنغالي) ماداً يده بقطعتي “كلينكس”. دفعت يده جانباً واستفسرت منه عن مرحاض أصولية (أي ذات مقعد) فأجابني بأن هناك مرحاض مجاورة ولكنها مقفلة. توجهت نحو الأستعلامات صائحاً بأني أريد تقديم شكوى. طلب مني أحد الواقفين أن أشرح قضيتي فأخبرته بما حصل. ذهبنا معاً الى المرافق لتوكيد إدعائي، وبعد أن ألقى نظرة عليها قال لي معتذراً بأن المراحيض التي أبحث عنها (أي ذات مقعد بلاستيكي) هي طراز قديم، وإن المتوفر لديهم الآن هو آخر طراز، وآخر طراز هو بدون مقعد. رفضت ما قاله، وتم فتح المرافق المجاورة المقفلة وكان فيها مرحاض ومغسلة. كان المكان معتماً ومتسخاً، والمرحاض، وإن كانت تحتوي على مقعد بلاستيكي، إلا أن “الصوندة” المعلقة على الحائط مع صمامها المعد للشطف كانت تسرب الماء، مكونة بركة حيث القدمين. أخيراً، خرجت بسلام من “مرحاض مطار بغداد الدولي” ولكن ببنطال مبلل وشعور بالقرف، متمثلاً قول الشاعر مظفر النواب “إن حظيرة خنزير أطهر…”.
في الطائرة التي أقلتنا الى إسطنبول – في طريقي الى لندن – جلس بجنبي وزير عراقي سابق، ولكنه نزيه. أخبرته بالذي حصل، فأجابني مبتسماً بأن المسؤول الذي أجرى الكشف على مراحيض المطار وقال إنها “آخر طراز” ربما كان صادقاً في قوله فهو، على الأغلب، يجهل ما يمكن أن تحتويه المرحاض الغربية الأعتيادية – وهو بهذا العلم (أو الجهل)، لربما، يمثل آخر طراز لموظفي الدولة العراقية.
جلست في مقعدي متأملاً، يتملكني نفس الشعور كلما زرت بلدي الحبيب – المطرود منه رغم أنفي – وهو مزيج من الألم والأحباط والأكتئاب الشديد. تُرى ماذا يحصل لهذه البلاد العريقة، بلاد وادي الرافدين؟ أليس من المفروض أن تكون من بين أفضل وأجمل بقاع الأرض؟ ولكن هذه البلاد تتراجع مع الأسف – كل يوم يمر. أين جهود إعادة البناء، أين الأعمار؟ لا أعلم. لا يمكنك ببغداد أن تحدد موعداً وتلتزم به. الوقت ليس بيديك، الوقت بيد الشارع المزدحم دوماً. أنت سجين سيارة تسير ببطئ ثم تتوقف، وقد تتوقف لوقت طويل، غير معقول، خصوصاً عند الساحات وتقاطع الطرق. وبعد توقف طويل وعندما ينفذ الصبر بعد طول انتظار تنطلق أبواق السيارات بصراخ حاد تعبيراً عن الجزع. حينذاك يتملكني شعور وكأن الذي أسمعه هو صراخ بغداد وهي تُغتصب!
لا يمكنك ببغداد أن تعالج أكثر من أمرٍ واحدٍ باليوم الواحد إن كان لك أمراً تعالجه بدائرة حكومية. ذلك إنك ستقضي معدل ساعتين بالسيارة ذهاباً وساعتين إياباً. أما في داخل الدائرة، فقضاء الأمر سيعتمد على أمور عدة. من بينها أولاً: الموظفون والموظفات “كردوس فوق مردوس”، والبيروقراطية قد استفحلت، وهي ضاربةٌ أطنابها بسبب البطالة المقنعة الناتجة عن كون الحكومة أصبحت هي المشغّل الوحيد بعد انهيار الأقتصاد وانتفاء فرص العمل لدى القطاع الخاص. الكل يريد أن “يتعين” لدى الحكومة، لأنه خارج الحكومة “شغل ماكو” (أنظر مقالتي بعنوان “العقلية الريعية للحكومة العراقية” على الرابط: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=325156
ثانياً: إن قضاء أمرك في دائرة حكومية سيعتمد على كفاءة الموظف ونزاهته، وفي الأغلب الأعم ستواجه موظفاً غير نزيه يطلب منك رشوة، وسيحدد سرعة وكفاءة ذلك الموظف في إنجاز العمل مدى استجابتك لطلب الرشوة. أما إذا طَلب منك “صحة صدور” فعليك أن تقضي في إنجاز المعاملة أياماً أُخر. وبهذه المناسبة يجب أن نشكر “المزوّرين الأشاوس”، مُدَلَّلي الكتل السياسية، وهم لا زالوا، بدون حساب ولا عقاب، بوظائفهم يتنعمون. أما الضحايا المغدورين نتيجة انتهاكات وجرائم اللصوص المزوّرين “مُدَلَّلي الكتل السياسية” فهم أبناء وبنات “الخايبة” من عموم الشعب العراقي المظلوم، يدفعون في كل مناسبة ثمن لصوصية أولئك المزوّرين.
كانت بغداد في قديم الزمان تزينها الباصات الحمر، ذوات الطابقين، لنقل الركاب داخل المدينة، وهي نفس الباصات المستعملة بلندن. كنت بالأمس راكباً واحداً من تلك الباصات وكانت زوجتي بجنبي. قلت لها اقرئي تلك العلامة قرب السائق التي تعلن أقصى حد مسموح به داخل الباص: عدد الجلوس بالطابق الأسفل 21، عدد الجلوس بالطابق الأعلى 45، عدد الوقوف المسموح به (بالطابق الأسفل) 23. أي أن مجموع ما يمكن أن يحمله الباص الواحد 89 راكب، زائداً مكان خاص يسع كرسي للمعوقين وعربتين للأطفال. قلت في نفسي ماذا لو قامت الحكومة باستيراد هذه الباصات للعمل ببغداد؟ سيزيح الباص الواحد المملوء 89 سيارة “خصوصي” من الشارع، وسيقل الزحام وينخفض استهلاك البانزين وتنخفض معه السموم والملوثات، وفوق كل هذا وذاك سيقل الوقت الضائع في التنقل اليومي ويزداد الوقت المخصص للأنتاج! أما إذا طُبّقت أساليب تقليل الزحام المتبعة بلندن، وهي فرض غرامة، في أوقات “الذروة” وفي مناطق زحام معينة، على كل سائق خصوصي منفرد بسيارته، مع تخصيص ممرات نقل سريع للباصات والتاكسيات والسيارات الخصوصية الحاملة لأكثر من شخص واحد وتشجيع المشاركة لأكثر من شخص واحد في السيارة الخصوصي (pooling)، فسيؤدي كل ذلك الى طفرة كبيرة في حل مشكلة الزحام وتخفيض كلفة التنقل – بما في ذلك استهلاك البانزين والسيارات – و تقليل الوقت الضائع في النقل وزيادة الوقت المخصص للعمل المجدي. ولكن، مع كل ذلك إن حصل، ستبقى تلك الحلول غير كافية قطعاً وعدد سكان بغداد يقترب من سبعة ملايين نسمة وهو في زيادة مستمرة. المدن المماثلة لبغداد بعدد السكان، ولكن الراقية بحياتها، لديها أنفاق تحت الأرض تسير فيها قطارات نقل سريعة، ولديها قطارات نقل فوق الأرض أيضاً، فضلاً عن شوارعها المفصلة بكفاءة والمبنية بنياناً حسناً، تسيطر على تقاطعات شوارعها إشارات ضوئية تشغلها كومبيوترات خاصة لتنسيق المرور. كنت منذ الصغر أسمع عن مشروع أنفاق بغداد، ولكن أين هذا المشروع، أين؟ لا حياة لمن تنادي!!
أستعادني مرة أخرى، وأنا جالس بمقعدي في الطائرة، منظر مرحاض مطار بغداد الدولي المقزز، فبدأت أستعرض درجات الفساد بالعراق. نعم، الفساد بالعراق درجات، أقلها درجة ربما هي السرقات التي يقوم بها بسطاء الناس مثل تفكيك وسرقة مقابض فتح الأبواب أو عتلات تعليق الملابس أومقاعد المراحيض في المرافق العامة، وهذه السرقات التافهة لا تضر مادياً بقدر ما تضر معنوياً وتسلب راحة الناس مؤقتاً. هذه، عندي، هي أدنى درجات الفساد، أما أعلى درجات الفساد فهي تلك التي يمارسها علية القوم من كبار موظفي الدولة والمقاولين والتجار ومافيات السرقة المنظمة، وهي المدمرة للأقتصاد العراقي والعائقة للنمو والتطور.
ولعل أكبر عمليات فساد تجري في العراق منذ سقوط النظام ولحد الآن دون أن يحس بها أحد هي تلك التي تجري في عمليات إستخراج النفط وتصديره الى الخارج. لقد ذكرني بتلك العمليات مقالة العراقي النجيب الدكتور وليد خدّوري، المنشورة حديثاً بجريدة الحياة بتاريخ 16 ديسمبر 2012 وبعنوان “سرقة أموال النفط العراقي”، يمكن الأطلاع عليها بالنقر على الرابط: http://alhayat.com/Details/462390. ركزت تلك المقالة على عمليات النهب التي جرت على قدم وساق في القطاع النفطي خلال العقد الماضي، واستعرضت وسائل النهب التي اتُّبعت والتي كان من بينها خرق أنابيب النفط وسرقة النفط منها، وكذلك سلب شاحنات النفط والمنتجات البترولية المنقولة براً.
على أن أخطر العمليات التي ذكرتها تلك المقالة هي السرقات الكبرى التي تجري نتيجة عدم إكمال نصب الأجهزة (الميترات) لقياس كميات النفط المنتج والمصدر والمستهلك محلياً. فمن الناحية النظرية، وبوجود المقاييس المطلوبة، يجب أن يكون النفط المنتج مساوياً للمُصدّر مضافاً له المستهلك محلياً مع التغيّر في الخزين. ولكن بغياب المقاييس تتعذر معرفة الكميات الأربع المذكورة، ويمكن عندها تهريب النفط العراقي الى الخارج ما وسع للمجرمين والسرّاق ذلك. وكمثال على حجم هذا النوع من السرقة ذكرت مقالة الدكتور خدّوري ما يلي: “يعني غياب المقاييس أن فارقاً نسبته واحد في المئة لحمولة ناقلة عملاقة، إمكان الحصول خلسة على كمية من النفط تعادل 500 شاحنة تحمل كل منها نحو ألف غالون. وذكرت صحيفة «غارديان» البريطانية في 2007 أن قبيلة في البصرة كانت تدفع نحو 250 ألف دولار أسبوعياً لمسلحين لتأمين ميناء نفط البصرة في مقابل تحميلهم ناقلات بنفط غير مقاس (أي مسروق من الدولة)”.
لقد أشرت الى هذا النوع من السرقة في كتابي الموسوم “الأقتصاد العراقي: الماضي والحاضر وخيارات المستقبل” أقتطف منه جزءاً (ص 375 – 376) يتعلق بمنظومة القياس (Metering System): “ـبـخـصوص وزارة الـنـفـط، لا زالـت أجهزة قيـاس كميات الـنـفـط المنـتـج والـمـصـدر لم يكمل نصبهـا بعد. فـقـد ذكر المجلس الدولي الاسـتـشـاري والرقابي (International Advisory and Monitoring Board “IAMB”) المعين من قبل الأمم المتحدة للإشراف على عوائد العراق النفطية، ذكر في 26/4/2009، إن الحكومة العراقية بطيئة جداً في نصب أنظمة قياس النفط المنتج والمصدر من أجل السماح بالشفافية المطلوبة لعمليات الإنتاج والتصدير. وقال المجلس “إن (IAMB) قلق لأن واحداً من بين التوصيات الأولى، منذ 2004، وهي المتعلقة بقياس النفط، تبقى غير كاملة التنفيذ. أن المؤشرات من وزارة النفط تبين أن التنفيذ سيتم في 2011 في أحسن الأحوال. إن (IAMB) يشجع الحكومة العراقية بشدة على وضع خطة بجدول زمني، يقرّه مجلس الوزراء، لتأمين تنفيذ هذا المشروع”. وقالت شركة التدقيق العالمية KPMG في آخر تقرير لها، وهي شركة اختيرت لتدقيق مصروفات صندوق تنمية العراق، “إن تحرياتنا في كانون الأول (ديسمبر) 2008 كشفت بان نصب منظومة قياس النفط لم يكمل منها سوى 33%… ولا يمكن التأكد من كميات النفط المنتجة في حالة غياب منظومة كاملة للقياس”.

لقد دأب مجلس الأمن على تجديد التفويض للمجلس الأستشاري والرقابي سنوياً حتى نهاية حزيران 2011 حيث انتهى ذلك التفويض، وانتهت معه مهمة هذا المجلس في الأشراف على عوائد العراق النفطية. وفي خبر باللغة الأنجليزية بعنوان “العراق يتعرض للنقد لتأخيره أجهزة قياس النفط” (إنقر على الرابط http://iraqoil.biz/2011/05/12/iraq-criticized-for-oil-metering -delays/)
قالت شركة التدقيق الأمريكية (PricewaterhouseCoopers)، في تقرير لها ألقته بباريس بنهاية نيسان 2011، أمام (IAMB)، إن العراق لازال ينقصه نظام حديث لقياس إنتاج ونقل وتصدير النفط الخام. وبينما يمكن التحقق من كميات النفط التي يجري تحميلها على الناقلات فإن النفط المستخرج من الآبار والمنقول الى موانئ التصدير ومراكز الأستهلاك المحلي لا يمكن التحقق من كمياته نظراً لغياب نظام سيطرات متكامل على النفط العراقي. وبينت الشركة، بواسطة جدول مفصل عن أعداد أجهزة القياس وأماكن نصبها، إن مجموع ما يفترض نصبه بنهاية 2010 هو 3,646 جهاز في حين أن الذي تم نصبه في نهاية تلك السنة هو 1,899 فقط. إن تقرير شركة التدقيق هذه، إضافة الى تقارير كل من لجنة العراق لخبراء المال (Iraq’s Committee of Financial Experts “COFE”) والمجلس الدولي الأستشاري الرقابي (IAMB) أكدت جميعها أن التقاعس في إنجاز المنظومة المتكاملة لقياس النفط هو تهديد للعراق.
إن المجلس الدولي الأستشاري الرقابي (IAMB) المشرف على مبيعات العراق من النفط دأب، منذ إنشائه في سنة 2003 بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1483، على دفع الحكومة العراقية لأكمال نصب أجهزة قياس النفط، وذلك حفاظاً على أموال الشعب العراقي من السرقة، وقد ساندته في هذا الطلب المهم كل من شركة التدقيق العالمية (KPMG) ولجنة العراق لخبراء المال (COFE) وأخيراً شركة التدقيق العالمية (PricewaterhouseCoopers). لقد انتهت ولاية (IAMB) بنهاية حزيران 2011، ولكن بقي نقص في عدد أجهزة القياس المفروض نصبها مقداره 1747 جهاز (ميتر). فمن سيحمي أموال الشعب العراقي النفطية من السرقة وقد تحول أغلب المسؤولين العراقيين الى ذئاب؟ ومن سيطالب بحق الشعب العراقي المظلوم حين لا تتطابق حسابات الحقل مع حسابات البيدر؟
خلاصة القول، لاحظت خلال زيارتي الأخيرة للعراق أن الخراب ينتشر في كل مكان. وأصبحت أشعر وكأن العراق يحتضر. إذ يستحيل أن يتعافى بلد وقد تواطئ أغلب قادته على الفساد. فهل سيهب أبناؤه الغيارى في الأنتخابات القادمة لنجدة هذا البلد العريق؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الكاتب يحمل شهادات – غير مزوّرة – في الهندسة والقانون والأقتصاد.

23/12/2012