الرئيسية » مقالات » هل العراق دولة دستورية؟

هل العراق دولة دستورية؟

تتباين دول العالم تبايناً كبيراً في تبنيها للأنظمة السياسية المختلفة تبعاَ لطبيعة التنوع في الأنظمة والدساتير المعمولة بها في هذه الدول وبالرغم من الأهمية البالغة التي يمثلها الدستور كمرجعية قانونية لتنظيم أدارة الدولة والتحكم في مسارات سياستها الداخلية والخارجية وتطور بنيتها التشريعية والتنفيذية والقضائية ، تعتمد عملية تصنيفها الدستوري على شكل أداءها وتطبيقها للأنظمة والقوانين بغض النظر عن أمتلاكها للدستور من عدمه. فأمتلاك الدولة للدستور لا يمثل دليلاً على دستوريتها والعكس صحيح كذلك. حيث إن معظم الأنظمة الشمولية والدكتاتورية تتجاوز دساتيرها أو تعطل العمل بها مع ما تتضمنه الكثير من هذه الدساتير من مواد ونصوص تضمن للحاكم أو الحكومة صلاحيات مفرطة للإستمرار والتمادي في السلطة. في حين أن أعرق الدول دستورياً، كما هو الحال في إنكلترا، لا تمتلك دستوراَ. كما أن هناك دولاَ دستورية تمتلك دستوراَ فاعلاَ ومعمول به ولكن إكتسابها لصفة الدستورية إستغرق عقوداَ عديدة من التعديل والتغيير في مواد الدستور حتى تمكنت من أن تكون لها دستوراَ ثابتاَ ينظم ويحدد عملها بصورة دائمة.

وربما التساؤل عن دستورية الدولة في العراق يقع خارج الأطر المعروفة والتقليدية في تصنيف الدول دستورياَ فالعراق يمتلك دستوراَ يشوب مواده الكثير من التناقضات والغموض والمشاكل اللغوية في تفسيرها بسبب ظروف الإحتلال والإرهاب القاسية والتدخلات الإقليمية التي مر بها العراق بعد سقوط النظام السابق وخروج العراق من مرحلة حكم إستبدادية حالكة وطويلة كان لها الأثر الكبير في غياب المعرفة الحقيقية في العمل بالمفاهيم الديمقراطية والدستورية المعمول بها في العالم. بالإضافة إلى الأختلافات الآيدلوجية للقائمين على كتابة الدستور وإختلاف أجنداتهم السياسية وإفتقارهم لرؤية مستقبلية في التعامل مع المواد الدستورية ناهيك عن عدم مهنيتهم وفقدانهم لأبسط المقومات التي تؤهلهم للقيام بهذه المهمة الشاقة والصعبة. وهذا ما تجلى بوضوح في المعضلات والمشاكل الدستورية التي برزت لاحقا في العملية السياسية العراقية والتي أصبحت تشكل أخطاراَ حقيقية وإعاقات مستديمة تهدد الواقع السياسي برمته بين الحين والآخر مما تدفع بالأطراف السياسية إلى اللجوء لحلول ترقيعية توافقية مرحلية غير مجدية وتوفر مناخاَ وبيئة خصبة للفاسدين والمتلاعبين بالقانون وصناع الأزمات وللمتربصين بالعملية السياسية والعاملين على أفشالها من الداخل والخارج. ولعل من أخطر إنعكاسات هذه المشاكل الدستورية على الواقع هو تملص أحزاب وشخصيات سياسية كبيرة في الدولة من قبضة القانون بعد تورطها في عمليات قتل وإرهاب بشعة وأقترافها لجرائم فساد إقتصادية كبيرة مهدت لإنتشار الفساد بشكل واسع وخطير في جميع مؤسسات الدولة وأجهزتها الخدمية مما أدى بدوره إلى عزوف قطاعات واسعة من الشعب العراقي عن إحترام قوانين الدولة والإلتزام بها وتشكيلها ودعمها لتجمعات عشائرية تتبنى أعرافاَ ومفاهيم متخلفة لحل مشاكلها ونزاعاتها بعيداً عن المؤسسات القانونية للدولة التي يمكن تصنيفها كدولة لا قانون بالرغم من إمتلاكها لدستور وبرلمان منشغل في تشريع القوانين التي لا تجد لها أثر ملحوظاً في سياسية الدولة أو في حياة مواطنيها.