الرئيسية » الآداب » جيورجي ديمتروف – 1882-1949: كتاب في حلقات – الحلقة 14

جيورجي ديمتروف – 1882-1949: كتاب في حلقات – الحلقة 14










جيورجي ديمتروف
1882-1949



القسم الخامس

باني بلغاريا الاشتراكية



الفصل الأول


ـ مخطط الالتزامات الاولى للسلطة الشعبيةــ


 


بعد سنوات طويلة من النضال الطبقي المرير ضد الاستغلال الرأسمالي والفاشية وفي التاسع من ايلول ( سبتمبر ) 1944 ، اطاحت شغيلة بلغاريا الموحدة في الجبهة الوطنية بقيادة حزب العمال البلغاري ( الشيوعيين ) ، بالبرجوازية والنظام الملكي الفاشي . لقد تحقق هذا الانتصار بفضل مساعدة الجيش السوفيتي المظفر ــ محرر جميع الشعوب من نير الفاشية .

كانت إنتفاضة التاسع من ايلول ( سبتمبر ) المسلحة احدى الاحداث العظيمة الهامة في التاريخ الطويل للشعب البلغاري .وقد سجًل هذا انتصار نهاية عقود من النضال الدؤوب للطبقة العاملة وجميع الشغيلة لإسقاط الرأسمالية والحكم الفاشي . ففي التاسع من ايلول ( سبتمبر ) 1944 ،شكًل النضال الجماهيري المسلح للطبقة العاملة ضد الديكتاتورية الفاشية والملكية ، تيارا موحدا مع النضال الطبقي المعادي للرأسمالية من اجل الاستقلال الوطني والديمقراطية والتقدم .

رغم ان الانتفاضة كانت تستهدف بصورة رئيسية التخلص من الفاشية وحل المشكلات الديمقراطية ، إلا أن الحقوق الديمقراطية وحريات الشعب وتطوره اللاحق لايمكن ضمانها بدون تجاوز حدود الديمقراطية البرجوازية ،وتمً انتزاع السلطة السياسية من ايدي الطبقة الرأسمالية الى ايدي الطبقة العاملة المتحالفة مع الفلاحين ، واصبح الطريق الى الاشتراكية مفتوحا امام بلغاريا . وهذا بالذات يشًكل المعنى الحقيقي لإنتفاضة التاسع من ايلول ( سبتمبر)المسلحة كبداية للثورة الاشتراكية ونقطة تحول تبشر بعهد جديد في تطور الشعب البلغاري ، هو عهد الاشتراكية والشيوعية .

لقد اكًد انتصار الثورة الاشتراكية في التاسع من ايلول ( سبتمبر ) عام 1944 ،بقيادة حزب العمال البلغاري ( الشيوعيين ) صحة السياسة الماركسية اللينينية ، وابرز التأثير الهائل والنفوذ الكبير الذي يمتلكه الحزب في اوساط الشعب البلغاري ، وقدرته على تعبئة جميع القوى الديمقراطية و المناهضة للفاشية حول خطه السياسي ، وقيادته لهذه القوى عند شن الهجوم الحاسم . ان ثورة التاسع من ايلول التي شكًلت امتدادا لثورة اكتوبر العظمى وانتصارا لإفكارها الخالدة ، جاءت لتسهم في النضال الجبار من اجل إحداث تحول في العالم تحت راية الشيوعية .

لقد ضمًت الجبهة الوطنية احزابا وجماعات سياسية ذات برامج مختلفة تمثل مصالح مختلف طبقات وفئات الشعب البلغاري . وتبلور داخلها قطبان هما الاشتراكية والديمقراطية البرجوازية ــ وقد كان لكل منهما تأثيره على تطور الثورة الاشتراكية ، التأثير الذي تحقق بفضل الصراع بين الاتجاه الاشتراكي الذي سيطر على الحكومة ، والاتجاه الديمقراطي البرجوازي الذي إستخدم الوسائل المتاحة لتعطيل الثورة الاشتراكية منتهزا الظروف المحلية والعالمية لإيقافها بشكل نهائي .. وقد مثًل الاتجاه الاشتراكي داخل الجبهة الوطنية الطبقة العاملة وجماهير الفقراء والفلاحين والحرفيين الماهرين ، والمثقفين الديمقراطيين والتقدميين الذين دعموا التحولات الجذرية في مجرى اعادة بناء المجتمع سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ، وكان ممثلو هذه الجماهير في الجبهة الوطنية هم حزب العمال البلغاري ( الشيوعيين ) والجناح اليساري في اتحاد المزارعين البلغار وحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي البلغاري .وكانت سياستهم الخارجية موجهة نحو توثيق التضامن مع الاتحاد السوفيتي والديمقراطيات الشعبية الاخرى . اما الاتجاه الديمقراطي البرجوازي داخل الجبهة ، فقد عارض الفاشية لكنه في الوقت نفسه دافع عن إصلاحات ديمقراطية محددة في نظام الحكم تضمن البقاء في إطار نظام الديمقراطية البرجوازية . واراد هذا الاتجاه الاحتفاظ بسلطة رأس المال الخاص والنظام الرأسمالي عموما . وبما ان هذا الاتجاه احتفظ بقاعدته الاقتصادية القوية ، نجد ان البرجوازية تشكل الدعامة الاجتماعية الرئيسية له . كما وضمً في قاعدته الاجتماعية البرجوازية الصغيرة في المدينة والريف ( الفلاحين ، التجار ، الحرفيين ) وقسما من المثقفين .

لقد كانت هذه المجموعات الاجتماعية ممثلة سياسيا في الجبهة الوطنية من قبل الاوساط اليمينية والوسطية في اتحاد المزارعين البلغار وحزب العمال الديمقراطي البلغاري وجماعة “ زفينو “ والحزب الراديكالي إضافة الى ما يُسمى بالمثقفين المستقلين . وايدت هذه القوى توجيه سياسة بلغاريا الخارجية نحو بريطانيا العظمى والولايات المتحدة الامريكية ،وكان العامل الرئيسي في توحيد الديمقراطية البرجوازية داخل الجبهة الوطنية هو نزوعها نحو إقامة نظام ديمقراطي برجوازي مستهدفة الحد من التحولات الديمقراطية الجذرية وإعاقة مسيرة الثورة الاشتراكية ، وكانت تعارض بشدة الجهود التي تُبذل لتوحيد القوى الشعبية وترسيخ الدور القيادي لحزب العمال البلغاري ( الشيوعيين ) والتحرك بحزم ضد بقايا الفاشية والمستغلين والرأسماليين .

وفي ظل الوضع العالمي المعقد الذي تميز باستمرار الحرب العالمية الثانية ، فقد احدث التاسع من ايلول ( سبتمبر ) 1944 تحولات جذرية في جهاز الدولة بإتجاه بناء الدولة الاشتراكية الجديدة .بعد حل جهاز البوليس والجندرمة الفاشية ، تشكلت الميليشيا الشعبية كقوة مسلحة لحكومة الجبهة الوطنية ، ووُضع الجيش تحت السيطرة المباشرة للحزب والحكومة و أعيد تنظيمه ثوريا . وبعد حل جميع المنظمات الفاشية ، اعادت الحكومة حرية الرأي والصحافة وحرية الاجتماعات العامة وتشكيل المنظمات .. الخ . وتمشيا مع اعادة بناء الجهاز الحكومي ، اتخذ حزب العمال البلغاري ( الشيوعيين )عدة اجراءات لإعادة تنظيم نفسه وخلق منظمات حزبية جديدة ، وقام بنشاطات شاملة لتوسيع مدارك اعضائه النظرية على اساس الماركسية ــ اللينينية وتطوير صلاته بالجماهير ، وإزداد عدد اعضاء اتحاد الشبيبة العمالية وتشكلت عدة منظمات اتحادية ..الخ . واكملت هذه الاجراءات المهمات الاولية والآنية للثورة الاشتراكية ومكًنت الحزب من توحيد حركة الجبهة الوطنية وسلطة الشعب ،الامر الذي فرض على الآخرين الاعتراف به كعامل سياسي قائد في البلاد .

وما ان شعر ديمتروف بإنتصار الانتفاضة في بلغاريا ، ارسل على الفور برقيته الاولى الى اللجنة المركزية لحزب العمال البلغاري ( الشيوعيين ) نصح فيها بضرورة تعزيز هيئات الحزب المركزية والمحلية بالاشتراك مع اللجنة القومية للجبهة الوطنية ، وبذل الجهود لتوحيد الشغيلة وتطبيق برنامج الجبهة الوطنية . وفي تلك الايام المصيرية ، ترأس ديمتروف عدة اجتماعات للجنة المركزية للحزب في المنفى ، وتمت مناقشة خطط الحزب بشأن قضايا سياسية ــ وبنفس الوقت تمً عقد اجتماع مع هيئة محطة اذاعة “ خرستوبوتيف “ لتوضيح دورها في الوضع الجديد .

وفي الحادي عشر من ايلول ( سبتمبر ) بعث ديمتروف برقية اخرى الى اللجنة المركزية اكًد فيها على ضرورة اقامة محاكم شعبية لمحاكمة جميع المجرمين الفاشست ، وكتب يقول : ” اتخذوا خطوات فورية لإقامة انضباط ديمقراطي صارم في البلاد لحمايتها من المحرضين والمخربين ــ وتذكروا أن الرجعية الفاشية لم تُسحق تماما وان الالمان لايزالون في البلقان . ”

وفي نهاية ايلول ( سبتمبر ) عام 1944 ،قدم ديمتر جانيف ، عضو المكتب السياسي في اللجنة المركزية لحزب العمال البلغاري ( الشيوعيين ) الى موسكو واجرى مع ديمتروف حديثا مطولا ابلغه فيه بالمشاريع الاولية لحكومة الجبهة الوطنية ، والوضع التنظيمي والسياسي للحزب ، واسدى ديمتروف بدوره النصائح بشأن التكتيكات وتنظيم الحزب واختيار قيادته .

وفي الرابع والعشرين من ايلول ( سبتمبر ) 1944 ، اعدً جيورجي ديمتروف تحليلا دقيقا للمعلومات التي ارسلتها له اللجنة المركزية فيما يتعلق بعمل الاعضاء الشيوعيين في الحكومة ــ واكدً على المسؤولية الكبيرة للحزب كقائد للشعب البلغاري ، كما اكدً على ضرورة انتهاج سياسة واقعية والحفاظ على الوحدة النضالية الدائمة لكل القوى الديمقراطية المناهضة للفاشية المؤتلفة في الجبهة الوطنية في النضال ضد العدو المشترك وبناء بلغاريا الديمقراطية الجديدة .

وفي رسالة منه موجهة الى اللجنة المركزية للحزب بتاريخ 28 ايلول ( سبتمبر )1944 ، عبًر ديمتروف عن قناعته الكبيرة بعمل الحزب في التحضير وتنفيذ انتفاضة التاسع من ايلول المسلحة . ونصح الشيوعيين بالعمل بمرونة وتقييم الوضع الداخلي والعالمي بشكل واقعي ، وتحليل ميزان القوى الطبقي والسياسي في البلاد بشكل صحيح ، وعدم القفز فوق مراحل النضال المختلفة بإتجاه الاشتراكية ، والعمل على إيجاد الحلول المناسبة للمشكلات السياسية والاقتصادية الملحة والآنية . ووفقا لتوجيهات ديمتروف توجب على الحزب ان يسهم في المقام الاول في الاندحار النهائي لالمانيا النازية ، وان تخضع جميع المسائل الاخرى لهذا الهدف وتخدمه وان يوجه الحزب والحكومة على هذا النحو . ” الكل من اجل الجبهة “ ، “ الكل من اجل الانتصار النهائي على الفاشية والمجرمين النازيين “ . كان هذا الشعار الرئيسي الذي رفعه ديمتروف امام الشعب البلغاري .وإستهدف هذا الشعار تعبئة كل قوى الحزب والجبهة الوطنية وحكومتها وكل الموارد الاقتصادية في البلاد .

وفي الوضع الجديد وإسترشادا بقرارات المؤتمر السابع للكومنترن ، اشار ديمتروف الى ضرورة تقوية وحدة الجبهة الوطنية ، ففي رأيه ان الخط السياسي الصائب لتلك المرحلة هو “ تعزيز الجبهة الوطنية نفسها بإعتبارها العامل الاجتماعي والسياسي الفعال والوحيد في بلغاريا ، وإتحاد مناضل للقوى الوطنية والديمقراطية الشعبية والقوى الاجتماعية والسياسية لشعب بلغاريا ، ولولا الجبهة الوطنية وحركة مقاومتها ، لكان انتصار التاسع من ايلول مستحيلا . ودون تماسك الجبهة الوطنية يستحيل على بلغاريا تحقيق نهاية مظفرة في الحرب وضمان السلام العادل والدائم . ” ( 1 )

ورغم بعده عن وطنه ، كان جيورجي ديمتروف يظهر اهتماما يوميا بتنظيم الحزب وتعزيز دوره القيادي في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية للبلاد . وفي رسائله الى اللجنة المركزية للحزب ، كان يبدي اهتمامه في ادق التفاصيل فيما يخص حالة الحزب التنظيمية والسياسية ، وينصح قادة الحزب معالجة جميع المشكلات بطريقة عملية مسترشدين بالتعاليم اللينينية لتقوية روابط الحزب بالكادحين والعمل بدأب لتربية الشعب بالماركسية اللينينية .. الخ ، وارسل ديمتروف بشكل عاجل عددا من اعضاء المكتب السياسي للحزب ( خارج الوطن ) لمساعدة اللجنة المركزية لحزب العمال البلغاري ( الشيوعيين ) في بلغاريا .

وأظهر ديمتروف إهتماما خاصا بتطوير اتحاد الشبيبة العمالية ، واشار الى ان الشباب بحاجة الى منظمة اجتماعية سياسية تقدمية مناضلة وموحدة ومناهضة للفاشية لبناء بلغاريا الجديدة ، وقدًم مقترحات واضحة بشأن بناء واشكال النشاط لمنظمة الطلائع .

وبعد انتصار انتفاضة التاسع من ايلول ( سبتمبر ) وإنسجاما مع المصالح الحيوية للبلاد ، قام الحزب وحكومة الجبهة الوطنية والشعب البلغاري بحرب وطنية ضد قوى الاحتلال النازي ــواندلعت الحرب اثناء انتفاضة التاسع من ايلول ( سبتمبر ) عندما هددت القوات الالمانية الحدود الغربية لبلغاريا .

وكان ينبغي اعادة تنظيم الجيش البلغاري ليلعب دوره كاملا في الحرب ، وحين ادرك ديمتروف هذه الضرورة ، كتب الى اللجنة المركزية للحزب في الحادي عشر من ايلول ( سبتمبر ) 1944 بضرورة اجراء عملية تطهير في صفوف الجيش واستبدال الضباط والقادة الفاشيين بضباط موالين لقضية الجبهة . واوصى بضرورة عمل سياسي وتربوي في الجيش .. ألخ .

وثمًنت اللجنة المركزية توصيات ديمتروف بشأن تطهير الجيش ، فأنشأت منظمة العمل السياسي في الجيش واجرت تطهيرا في صفوف الضباط ودمجت كتائب الانصار مع الجيش النظامي . وناشدت اللجنة المركزية الشعب لتعبئة جهوده لإحراز النصر في الحرب الوطنية . وتلبية لذلك توجه آلاف المتطوعين الى الجبهة لمساعدة الجنود البلغار .

وفي ذلك الوقت ، اجرى ديمتروف عددا من اللقاءات مع القادة السوفيت لإجراء هدنة بين لاغاريا من جهة والاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا من جهة اخرى ، كما اجرى حوارا مطولا مع وفد الحكومة البلغارية الذي يزور موسكو لهذا الغرض . وبمساعدة وتعاون الاتحاد السوفيتي ، تمً إبرام الهدنة وكان ذلك نجاحا سياسيا لحكومة الجبهة الوطنية .

كان ديمتروف يتابع عن كثب البطولات العسكرية للجيش البلغاري ويهنيء الجنود والضباط لتسالتهم الرائعة في المعارك التي خاضوها ضد الجيوش النازية . وفي برقياته الى كبار قادة الجيش ، اكًد ديمتروف على ضرورة رفع مستويات المهارة العسكرية والعمل السياسي والتربوي المنظم بين الجنود والضباط ، وخلق عدد كاف من ضباط الجبهة الوطنية .

وفي الرابع والعشرين من حزيران ( يونيو ) ومن على ضريح لينين في موسكو ، رحًب ديمتروف بوحدة الجيش الشعبي البلغاري التي شاركت في إستعراض النصر ، واستقبل في بيته مجموعات من الجنرالات والضباط واجرى معها احاديث ودية حول المهمات التي تواجه الجيش وبلغاريا .

وفي 27 حزيران ( يونيو ) 1945، منحت هيئة رئاسة مجلس السوفيت الاعلى جيورجي ديمتروف اعلى وسام سوفيتي ــ وسام لينين تقديرا لإسهامه في النضال ضد الفاشية . وهذا الوسام يعني تقدير الحكومة والشعب السوفيتي لنضال ديمتروف طيلة عقد كامل لدحر الفاشية .

وبذل جيورجي ديمتروف واللجنة المركزية احزب العمال البلغاري ( الشيوعيين ) وحكومة الجبهة الوطنية جهودا كبيرة ليس لتعبئة القوى المادية والمعنوية للشعب البلغاري لتحقيق نهاية مظفرة في الحرب الوطنية فحسب ، بل ولتوحيد قوى الشعب وإحباط مخططات الرجعية ايضا ، واوصى بتشكيل محكمة الشعب لإنزال العقوبات بحق جلادي الشعب البلغاري . وعمل ديمتروف بقوة لإحباط خطط البرجوازية لإعادة حكم الرأسماليين .

واخذت قوى البرجوازية الديمقراطية في الجبهة الوطنية مرة اخرى تهدد وجود الجبهة بعد ان روعتها نضالات الجماهير لتصفية الفاشية وإقامة الهيكل الحكومي الجديد ، والحد من الاستغلال الرأسمالي للكادحين. ونالت نشاطاتهم هذه تشجيعا من قبل الدوائر الرجعية في بلغاريا وبريطانيا والولايات المتحدة الامريكية .
ورغم ان الرجعية حظيت بتأييد الدوائر الامبريالية الانكلو ــ امريكية ، لكنها لم تستطع ان تشن نضالا مباشرا ضد حكومة الشعب ، لذلك اخذت تحاول كسب العناصر اليمينية في الجبهة الوطنية . و من وراء الكواليس شنًت حملة ضد حزب العمال البلغاري ( الشيوعيين ) بدأت بتخريب مشاريع الحكومة ، وحاولت تعطيل مشاركة بلغاريا في الحرب الوطنية وتقطيعاوصال الجبهة الوطنية / كما حاولت ان تعفو عن ضباط فاشست ومجرمين وان تستخدمهم لتشيل قوة مسلحة مناوئة لسلطة الجبهة الوطنية .

وبع ان اطًلع ديمتروف على هذا المخطط الشرير ، ارسل في السابع والعشرين من تشرين الثاني ( نوفمبر ) 1944 ، برقية الى اللجنة المركزية للحزب نصح فيها بتجنب الانشقاق داخل الجبهة الوطنية وإظهار مرونة قصوى مع القوى المتحالفة . واوضح انه من الضروري تجنب الازمة الحكومية في هذه المرحلة الاستثنائية لإحباط خطط الرجعية الداخلية والخارجية .

وبإتباع توجيهات ديمتروف ، قام الحزب بشجب مكائد الرجعية ودعا الشعب لمعارضة المنشقين والحفاظ على تمسك ووحدة الجبهة الوطنية . وتحت الضغوط السياسية للرأي العام ، الغت الحكومة في تشرين الثاني ( نوفمبر ) ، المرسوم الرابع سيء الصيت والذي أتخذ في غياب الوزراء الشيوعيين ، وكان يهدف الى منح الضبط الفاشست فرصة للتخلص من العقوبات العادلة لما إقترفوه من جرائم . وإستطاع حزب العمال البلغاري ( الشيوعيين ) إحباط مخططات الرجعيين والمنشقين المعادية للوطن ، وتوطيد سلطة الجبهة الوطنية .

إن القرارات التي إتخذتها اللجنة المركزية في إجتماعها الثامن في 27 و28 شباط ( فبراير ) والاول من ىذار ( مارس ) 1945 ، شكًلت نقطة هامة في نضال الحزب بقيادة جيورجي ديمتروف ، لتعزيز دوره ضد مخططات الرجعية وتوحيد الجبهة الوطنية . وساعد ديمتروف الى حد بعيد قيادة الحزب في التحضير للاجتماع واكًد على ضرورة توخي اليقظة القصوى إتجاه اعداء الجبهة الوطنية وعلى ضرورة نشر التعاليم الماركسية ــ اللينينية في صفوف الشيوعيين .. الخ . وفي رسالة التحية التي وجهها الى الاجتماع ، اشار ديمتروف الى مسؤولية الحزب الكبيرة تجاه الشعب البلغاري والتغلب عبى المشكلات التي تواجهه . وفي هذا الاجتماع تمً إنتخاب لجنة مركزية جديدة برئاسة جيورجي ديمتروف .

وللاهمية البارزة لتماسك الجبهة الوطنية تنظيميا وسياسيا وتوطيد وحدتها في النضال لسحق مقاومة القوى الرجعية ، اقترح دمتروف على اللجنة المركزية عقد المؤتمر الاول للجان الجبهة ، لأن هذا المؤتمر يساعد على تماسك الجبهة الوطنية ويعزز نفوذها في البلاد . وناقش ديمتروف هذه المشكلة مع وفد اللجنة المركزية برئاسة ترايشوكوستوف الذي وصل موسكو . ورتُب ديمتروف للوفد مقابلة مع قيادة الحزب الشيوعي السوفيتس والحكومة السوفيتية ، وكان لهذه المقابلة جدواها في توضيح خط الحزب السياسي اللاحق بعد انتصار الثورة الاشتراكية .

وكان للانتخابات البرلمانية في 25 آب ( اغسطس ) 1945 ، اهمية كبيرة في النضال من اجل تماسك حكم الجبهة الوطنية وسحق قوى الجناح اليميني الرجعي ، واظهرت التحضيرات الاولية للانتخابات تقدما سياسيا حاسما لحزب العمال البلغاري ( الشيوعيين ) وسلامة قوى الجبهة الوطنية ضد اعداء الشعب ، لكن العناصر الرجعية من البرجوازية الديمقراطية داخل الجبهة الوطنية ، استطاعت توحيد صفوفها بعد ان انفضحت الاعيبها الانشقاقية ضد الجبهة الوطنية ، والتفت هذه القوى حول المعارضة التي يقودها نيقولا بتكوف وكوستا لوشيف وآخرون ، وبالتعاون مع الحزب الديمقراطي البرجوازي تشكلت كتلة المعارضة التي حاولت توجيه ضربتها الرئيسية الى تحالف العمال والفلاحين ، العمود الفقري للجبهة الوطنية .

وفي خضم هذا الوضع السياسي المعقد والخطير ، قاد ديمتروف الحزب من اجل توحيد قوى الشعب الديمقراطية والتقدمية ومن اجل تعزيز الجبهة الوطنية والحكومة الشعبية . وحين اثارت المعارضة ازمة سياسية ، نصح ديمتروف اللجنة المركزية بالتفاوض بصبر مع ممثليها ، وحين فشلت تلك المفاوضات ، اوصى ديمتروف بفسح المجال اما المعارضة لتلعب دورا مستقلا في الانتخابات ليكون بالامكان جعل الحملة الانتخابية مناسبة لفضح مكائدها ــ ودعا الى ضبط النفس والوقوف بتماسك في هذه المعركة السياسية الكبيرة وكتب بتفاؤل ثوري بأنه من الممكن ان يحكم على الشيوعيين مرة اخرى المعاناة والمحن ، لكنهم سيكسبون المعركة “ رغم المعناة الجهنمية وجبن اعدائنا . ”

وفي عدد من رسائله الى اللجنة المركزية للحزب ، كشف ديمتروف الروابط المتينة بين قوى الثورة المضادة وعناصر الجناح اليميني المتبقية في الجبهة الوطنية . وكانت المهمة الفورية الشاخصة امام الحزب هي منع تشكيل كتلة معادية للشيوعية . وبذل ديمتروف مع اللجنة المركزية كل جهد لتفادي الوقوع في شرك المكائد والضغوط السياسية الشرسة للدوائر الحاكمة في الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا لتأجيل الانتخابات .

و تطور الاحداث في بلغاريا الزم ديمتروف للعودة واخذ على عاتقه قيادة النضال لتعزيز الحكومة الشعبية . وفي 21 آب ( اغسطس ) 1945 ، رفع مجلس السوفيت الاعلى في الاتحاد السوفيتي عن ديمتروف المهمات البرلمانية وحق المواطنة السوفيتية لإتاحة الفرصة امامه لترشيح نفسه في الانتخابات البرلمانية البلغارية . وفي الاشهر التي سبقت عودته الى بلغاريا ، قدًم ديمتروف مساعدة قيمة في التحضير لإعادة العلاقات التجارية بين بلغاريا والاتحاد السوفيتي وفي تحديد خط العلاقات الاقتصادية البلغارية السوفيتية المقبلة .

ولكونه قائدا للحركة الشيوعية العالمية ورئيسا لقسم الاعلام العالمي للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي ، فقد كان ديمتروف يتابع بإهتمام بالغ تطورات الحركة الثورية للطبقة العاملة العالمية ويقدم لها التأييد الفعال . فقد قدًم مساعدته الخاصة للحزب الشيوعي الالماني ، وناقش مع فلهلم بيك و والتر اولبرشت، العديد من المشكلات التي تتعلق بالعمل بين اسرى الحرب الالمان في الاتحاد السوفيتي ومحطات الاذاعة السرية المعادية للفاشية ، وحدد نشاكات اللجنة الوطنية لالمانيا الحرة ، وكان له دور بارز في إعداد بعض الوثائق الاساسية للجنة المركزية للحزب الشيوعي الالماني من اجل إقامة المانيا الديمقراطية أواخر عام 1944 . وكتب والتر اولبرشت في مذكراته يقول : ” وفقا لتأييد الحزب الشيوعي السوفيتي ، اقترح جيورجي ديمتروف اعداد برنامج لبناء المانيا الديمقراطية الجديدة .. وهذه هي الدعوة التي اطلقها جيورجي ديمتروف في المحكمة النازية في لايبزغ والتي ايدتها القوى التقدمية في المانيا . وكانت طليعة الطبقة العاملة تناضل مع الفلاحين والمثقفين الديمقراطيين ان تكون المطرقة وليس السندان “ ( 2 )

كما اجرى ديمتروف عددا من اللقاءات والمحادثات مع قادة الاحزاب الشيوعية الفرنسية والاسبانية والايطالية والنمساوية والتشيكوسلوفاكية واحزاب شيوعية اخرى من ضمنهم موريس توريس ، ب . تولياتي ، دزلوريس ايباروري ، ك . غوتوالد وج . دييج وغيرهم . وساعدهم في توضيح جوانب اساسية معينة في ستراتيج وتكتيكات الحركة الشيوعية العالمية في فترة ما بعد الحرب ، وساعد الاحزاب الشقيقة في حل القضايا الرئيسية وإنتهاج خط سياسي ماركسي ــ لينيني صحيح ، مثل مشاركة الشيوعيين في الحكومات الديمقراطية البرجوازية التي تكونت بعد الحرب وإقامة احزاب شيوعية جماهيرية ، والنضال من اجل إستئصال الفاشية .. الخ .

وتابع ديمتروف بإهتمام بالغ النضال التحرري للشعب الصيني ،وثبتت صحة تحليلاته فيما يخص القضايا الاساسية في ستراتيج وتاكتيك الحزب الشيوعي الصيني في هذا النضال ، وشكًلت هذه التحليلات مساعدة قيمة اسهمت في إنتصار الثورة الديمقراطية الشعبية في الصين . كما لم يتوقف ديمتروف عن متابعة الحركة النقابية العالمية والحركات الديمقراطية الشبابية والنسوية . وارتبط اسمه بصياغة العديد من الوثائق التي تخص نشوء الاتحادات النقابية الفيدرالية العالمية وحركة الشباب الديمقراطية العالمية وتوحيد كل النساء الديمقراطيات المعاديات للفاشية في النضال من اجل السلم والاشتراكية .