الرئيسية » مقالات » المسيح بين الآب والإبن

المسيح بين الآب والإبن

في هذا المقال سأورد بأختصار شديد رأيي الخاص حول سبب الجدل الذي حصل بين كنيسة أنطاكية وكنيسة الأسكندرية في القرنين الثاني والثالث الميلاديين، ليمتد بعد ذلك الى يومنا هذا. رغم أن اليوم لم يعد أبناء معظم الكنائس يتشدد، أو يتطرف في رأيه حول شخصية السيد المسيح ومكانته اللاهوتية، بصيغة السؤال التالي:
هل هو ابن الله من خلال الروح القدس؟. أم هو الله المتجسد من خلال روح القدس؟. هل هو الإله واحد بثلاثة أقانيم، (أوجه)؟. أم ثلاثة آلهة في اقنوم (وجه) واحد؟.
اليوم لم يعد هناك من يهتم بهذا الجدل. ولكن في يوم من الأيام، تم تحريم كنائس واعتقال وسجن ونفي كهنة وأساقفة بسبب موقفهم وأرائهم حول شخصية المسيح.

ولا شك أني لن اعود لهذا الجدل العقيم اليوم. ولكني سأورد رأيي حول أصل نظرية وحدانية الله وثنائيته أو تثليثه. وسبب الإختلاف في وجهة نظر كل من كنيسة انطاكيا ذات الجذور النهرينية. واسكندرية ذات الجذور الفرعونية.

في البداية لا بد أن نذكر أن المسيحية ولدت وأنتشرت في الخط الفاصل بين حضارتين عظيمتين في المنطقة. هما حضارة بلاد الرافدين وحضارة وادي النيل. وفي كلا الحضارتيين تبلورت خلال آلاف السنين من التجربة، المفاهيم الفلسفية والفكرية و المعرفة الى جانب التطور الحضاري والعمراني والتقني.

ولكن كانت هناك بعض المفاهيم الفكرية والفلسفية التي نشأة بشكل متناقض عن بعضها بسبب الإختلافات الشاسعة في جغرافية الحضارتين. والمفهوم الذي يمهمنا في هذا المقال هو سر الحياة وفلسفة الوجود البشري في كوكب الأرض، وأرتباطها فيما بعد بالتفسير اللاهوتي لشخصية السيد المسيح.

لماذا اعتبر السيد المسيح في مصر الله المتجسد من خلال روح القدس، واعتبر في بلاد الرافدين أبن الله من خلال الروح القدس.؟
والى اليوم لم تتمكن الكنيسة القبطية من إزالة صفة الهرطقة عن الكنيسة الشرقية.

وبما أن المسيح اعتبر ملكا لمملكة السماء، فلابد أن نعود لنتفحص المكانة المقدسة للملك في كلا الحضارتين. ففي حضارة بلا الرافدين، بدأً بالحضارة السومرية وإنتهاءً بمملكة حضر. كان الملك يعتبر وكيل الله أو نائبه على الأرض. كما كان لرئيس الكهنة السلطة الرقابية على الملك و يظهر ذلك جليا في طقوس رأس السنة البابلية الآشورية. وفي بلاد الرافدين كان هناك دوما ثالوث مقدس من ثلاثة آلهة،
حتى وإن اختلفت هذه الآلهة بحسب المراحل التاريخية.

فلم يكن هناك في بلاد الرافدين آلهة لها مطلق الصلاحية على البلاد. وإن لعبت بعض الالهة دور البطل في مرحلة ما كاله مردوخ، غير أنه كان بتفويض من بقية الآلهة. كما أن مكانة بقية الآلهة العضام ك. (آنو، وانليل، وآنكي) لم تكن بأقل من اله الأول.

أما في مصر فعلى طول الخط الحضاري نجد أن الملك أو الفرعون اعتبر آله على الارض. وهو ينتقل ليتحد بآله السماء، وبعد موت الملك، يتحد مع الإله رع أو امون، بحسب المرحلة التاريخية. ولم تتمكن فكرة آخرى من التصدي لهذا الفكر. وكل المحاولات باءت بالفشل. ومنها محاولة اخناتون الذي حاول أن يشارك زوجته في الألوهية في حكم مصر.

إذاً بتحليل بسيط سنتوصل الى نتيجة واحدة. إنتشرت المسيحية بشكل كبير في القرون الأول والثاني والثالث الميلادي في كل من مصر ذات الثقافة والحضارة الفرعونية. وبلاد الرافدين بثقافتها البابلية الآشوية.

فكان كل المؤمنين والكتاب والمفكرين في كلا الجغرافيتين تحت تأثير المفاهيم الفلسفية والعقائدية والطقسية والادبية لحضارته. ومن الطبيعي أن كل طرف سيحاول تفسير لاهوتية شخصية السيد المسيح وفق مفهومه الفلسفي والآدبي.

فكان في مصر وروما المقلدة لمصر فيما بعد، المسيح هو الله المتجسد من خلال روح القدس. أما في بلاد الرافدين فكان إبن الله المولود من خلال روح القدس.
ففي كلا الحضارتين وضع المسيح محل الملك، وعلى هذا اللأساس تم تفسير شخصيته.

وكان من الصعب القبول بالفكر الفلسفي للطرف الآخر. والسبب يعود لذلك البناء الفكري الذي ولد في كلا الجغرافيتين واستمر بالتبلور لآلاف السنين، ومنها أهم وأعقد فكرة وهي وحدانية الله.

يعتقد الكثير خطأ ان فكرة وحدانية الله أو الله الواحد نشأة في بلاد الرافدين، تمشيا مع قصة التوراة لخروج ابراهيم من أور الكلدان. في الواقع سكان بلاد الرافدين لم يستسيغوا فكرة الله الواحد ولم يتقبلوها إلا بعد دخولهم المسيحية التي تأثرت بالفكر الفلسفي الفرعوني بالدرجة الأولى. وبقيت كنيسة المشرق الى يومنا هذا تؤمن أن المسيح إبن الله من خلال روح القدس.

في الواقع أن فكرة الله الواحد، الأوحد نشأت في مصر لأسباب جغرافية صرفة.
في تأمل بسيط لبداية نشأة الحضارة، نجد إنها نشأت على ضفاف الأنهر الكبيرة. في كل من مصر وبلاد الرافدين والهند. وبنظرة شمولية على الحضارة في كل من هذه الجغرافيات الثلاث، نجد أن في مصر نهر واحد هو سبب الحياة والحضارة. وفي بلاد الرافدين هناك نهرين بل ثلاث اذا ادخلنا نهر كارون في المعادلة أو الفروع المتعلقة بنهر دجلة. أما في الهند فهناك عشرات الأنهر.
وهذا يقودنا الى نتيجة واحدة: النهر هو الإله الأول. فكان واحدا في مصر، واكثر من واحد في بلاد الرافدين، والعشرات في بلاد الهند.
هذا الى جانب ارتباط الموضوع بعد ذلك بوحدة اللغة والعرق والعادات والتقاليد في مراحل اخرى من التاريخ.