الرئيسية » مقالات » الأنترنيت و التلفزيون : من المنافسة المحمومة الى الأندماج والتكامل

الأنترنيت و التلفزيون : من المنافسة المحمومة الى الأندماج والتكامل




لو ألقينا نظرة على تأريخ و سائل الأعلام ، لتبين لنا أن ظهور وسائل اعلامية جديدة لا يعني
بالضرورة ، أنحسار أو زوال سابقاتها ، فعلى سبيل المثال ، لم يؤد ظهور التلفزيون الى
اختفاء الراديو أو السينما. و التلفزيون لم يختف بظهور الشبكة العنكبوتية ( الأنترنيت) ، والتأثير القوي لوسائل الاتصال الرقمية في عالم اليوم لم يكن على حساب الوسائل التقليدية ويبدو ان الوسائل القديمة و الجديدة ، يمكن أن تتعايش و تتفاعل معا و ان تكمل الواحدة منها الأخرى و تساعدها على أنتشار أوسع .
و لكن الوسائل القديمة – لكى تحافظ على مكانتها– مضطرة الى التكيّف مع التطور السريع للتكنولوجيا الرقمية ، فالتلفزيون اليوم لم يعد كما كان بالأمس القريب ، و أضطر الى أدخال تغيير جذرى فى البرامج التى يقدمها ، من أجل أجتذاب المشاهدين و الصمود أمام المنافسة القوية المتنامية للأنترنيت . و لا أحد – بين خبراء الأعلام – يعرف على وجه الدقة نتائج هذه المنافسة المحمومة ، أو بتعبير آخر ، هل يتمكن التلفزيون من الصمود أمام وسائل الأعلام الرقمية الأخرى أم ان الأنترنيت سوف يستحوذ على أهتمام الناس على نحو متزايد و تستخدم فى جميع مجالات النشاط البشرى و بضمنها المجالات المتنوعة للأعلام و التثقيف و الترفيه ؟
الأستبيانات التى أجريت مؤخراً فى بلدان متباينة التطور و الثقافات تشير الى نتائج مختلفة :
ففى الدول النامية ، التى ما زال انتشار لأنترنيت فيها محدوداًً و بضمنها العراق ، نرى ان التلفزيون فعال و يحظى بشعبية واسعة ، و بعد المصدر الرئيس للأخبار و تحليلها و تغطية الأحداث السياسية و الرياضية الساخنة و عرض الأفلام السينمائية و المساسلات الدرامية و الكوميدية و نقل و قائع الندوات و المؤتمرات و الحفلات و غيرذلك كثير.
أما فى الدول الغربية المتقدمة ، فأن الصورة مغايرة الى حد كبير ،حيث تشير تلك النتائج الى ان شبكة الإنترنت تتفوق على التلفزيون فى النقل الفورى للأخبار و تحديثها على مدار الساعة و النشر الفورى للآراء و التعليقات و عرض المضامين المرئية التى ينتجها و يخرجها ملايين من مستخدمى الأنترنيت .
أضافة الى أجراء المكالمات الهاتفية المجانية او لقاء اجور زهيدة و تقديم خدمات كثيرة للمشاهدين و بضمنها برامج المحادثة ( الشات ) و البريد الألكترونى ، أضافة الى النشر الفورى للآراء و التعليقات و خدمات أخرى كثيرة و منوعة .

أزدهار أم تضخم ؟

أزداد عدد القنوات الفضائية فى السنوات القليلة الماضية فى العالم الى أكثر من عشرة أضعاف و يتوقع أن يستمر هذا النمو فى المستقبل المنظور .و هذا يعني ان قطاع التلفزيون عموما يشهد ازدهاراً ملحوظاً و يدل على زيادة الطلب عليه . فعدد المشاهدين للأحداث السياسية و الرياضية الساخنة هائل للغاية وقد تصل الى عشرات و ربما الى مئات الملايين من البشر .
و كما قلنا آنفاً فأن التلفزيون أستطاع الأحتفاظ بمكانته بأعتباره الوسيلة الأعلامية الأكثر شعبية فى العالم النامى والصمود أمام المنافسة القوية للأنترنيت فى الدول المتقدمة و لم يكن هذا الصمود أمرا ًتلقائياً أو هيناً ، فقد أضطر الى اجراء تغيير كبير ، سواء فى محتوى الرسالة الأعلامية أو فى صيغ وأشكال تقديم البرامج المختلفة .

ان نشرات الأخبار التى تقدمها القنوات التلفزيونية ما زالت لها جمهور كبير و لكن الفرق هو ان المشاهدين يعرفون اليوم كل ما يجرى فى عالمنا فور و قوعها عن طريق الأنترنيت ,و لم تعد نشرات الأخبار فى التلفزيون ، المصدر الرئيس للأخبار العالمية ، فالأنترنيت أسرع فى نقل الأخبار أولاً بأول . و أخذت البرامج الأخبارية للتلفزيون فى مجاراة الأنترنيت و اللجؤ الى أساليب أكثر تشويقاً فى تقديم الأخبار و التقارير و اشراك المحللين السياسيين – و ما أكثرهم هذه الأيام – فى التعليق على الأحداث الساخنة و مناقشة تداعياتها المحتملة .

نهاية الرقابة :

سمحت شبكة الأنترنيت بوضع نهاية للرقابة الحكومية على مضامين المواد الأعلامية . و لم يعد بأمكان التلفزيون أن يلزم الصمت او يتجاهل بعض الأخبار و الحوادث الحساسة، التى تهم الجمهور، فى حين تزخر بها المواقع الألكترونية بشتى لغات العالم .

ظاهرة ” الويكيليكس ” أنتشرت بسرعة البرق و ثمة اليوم مئات المواقع التى تقدم بأشكال مختلفة ( نصوص ، صور ، فيديوات ) كل مايحدث وراء كواليس السياسة و المال. و لا يمكن للتلفزيون بعد اليوم ان يتغاضى عن نقلها ، و الشىء المدهش فى شبكة الأنترنيت هو قدرتها على تخطى الحدود على نحوجعل كل محاولات الرقابة الحكومية بلا معنى ، و لكن هذا لا يعنى ان الرقابة أنتهت تماما، فثمة أنظمة شمولية تحاول حجب الشبكة كلياً أو عدد معين من المواقع الألكترونية و لكنها لن تنجح فى مسعاها لسببين :
أولهما ان ذلك يعد خرقاً فاضحا لحرية التعبير و يلقى الأستهجان من المجتمع الدولى – و هذا ما شاهدناه خلال ثورة 25 كانون الثاني/ يناير2011 فى مصر حين حاول نظام مبارك قطع شبكة الأنترنيت لبضعة أيام و أضطر تحت ضغط المجتمع الدولى الى اعادتها .
و ثانيهما أن الشبكة نفسها لديها الوسائل الكفيلة بتخطى الحواجز والوصول الى أية نقطة فى العالم .

ان شبكة الأنترنيت هى الوسيلة الأعلامية الفائقة – لأنها مزيج من من ثلاث و سائل اعلامية ( مقروءة ، مسموعة ، مرئية ) – و التى أضحت اليوم تؤثر فى الممارسات الأعلامية و السلوك البشرى ، حيث لم تعد ثمة اية حدود بين العام و الخاص . و سارع التلفزيون الى ركوب الموجة و أزاحة الموانع و القيود الأجتماعية جانباً و كل شىء أخذ يتحول الى الترفيه . و هذا تغيير جدى للغاية.
شبكة الأنترنيت أزالت أبضاً الفواصل التى كانت قائمة بين الأعلامي والمتلقي و بفضل الأنترنيت اصبح المتلقى مساهما فى المضمون الأعلامى . و يقول الأعلاميون فى الغرب ( من محررين و مصورين ) ، بأن تخصصاتهم تتلاشى و ينتقل دورهم الى الناس العاديين .
و لا يقتصر الأمر على شبكة الأنترنيت ، بل أن كل من يظهر على شاشة التلفزيون يغدو مهنيا و لم نشاهد من قبل قط هذا العدد الكبير من المحللين السياسيين و الخبراء فى شتى مجالات الحياة، الذين يتكاثرون كالفطر بعد المطر ..

أندماج و تكامل

يمكنك اليوم مشاهدة البرامج التلفزيونية من دون التلفزيون ، تستطيع تشغيل جهاز الكمبيوتر ومشاهدة البرنامج التلفزيونية المفضلة لديك فى أى وقت و فى اى مكان تشاء . مما يدل على ان التلفزيون ، ما يزال قوى التأثير لدرجة انه ، حتى أولئك الذين لا يحبون الجلوس أمام التلفزيون، يشاهدون البرامج التلفزيونية على شبكة الإنترنت و على الهواتف الذكية .

و لكن التلفزيون اضطر الى أجراء تغيير كبير فى المحتوى الأعلامى الذى يوجد فيه الآن ايقاع اكثر و صلات مع مواقع التواصل الأجتماعى ، حيث يمكن مثلاً مشاهدة جميع برامج التلفزيون على التويتر .و تحميل الأفلام السينمائية و مشاهدتها حتى بعد أنتهاء عرضها فى دور السينما أو على شاشات التلفزيون . والحقيقة هي أن الإنترنت قد أعطت دفعة قوية للتلفزيون، و بعثت فيه حياة جديدة.

كيف سيكون تلفزيون الغد؟