الرئيسية » الآثار والتنقيبات » حضارة سومر من الشمال الى الجنوب… الكورد الفيليون رواد صناعة الفخار

حضارة سومر من الشمال الى الجنوب… الكورد الفيليون رواد صناعة الفخار

السبت 17 2010


 




المرأة صانعة الفخار الاولى لان الرجل كان خارج المنزل بينما كانت المرأة مشغولة بالحمل والعناية بالاطفال وتقوم بالاشغال الاخرى في اوقات الفراغ ، فطورت بذلك الحياكة وصناعة السلال والنسيج ، الحياكة والنسيج هي من اوائل صناعة المجتمعات ما قبل التاريخ ، كذلك تعد المرأة اول صانعة للاواني الفخارية والاوعية والاقداح … الخ
ان التقنية القديمة لصناعة الاناء الاسطواني الفخاري ، تعتمد على تسوية الطين بالايدي وضغطه بالاصابع وتدوير المادة الطينية باناة كي نحصل على شكل اسطواني ، وسرعان ما عرف الانسان القديم طريقة وضع الطين على قاعدة مستوية دائرية وتدويرها بهدوء كي يحصل على اناء فخاري دائري .
بعد اختراع العجلة التي استخدمت في صناعة الفخار سيطر الرجل على هذه الصناعة ومع تطور القرى الى مدن ازدادت الحاجة الى الاواني الفخارية وكان من الصعب على النساء مجاراة الحاجة المتزايدة ، لذلك اصبح التفرغ للعمل بدوام كامل من اختصاص الرجل ، وهو الذي ساعد على زيادة الانتاج ووفرته مع استخدام العجلة وافران الحرق وتلوين وزخرفة الاواني ، فكان العمل بتفرغ كامل لهذه الصناعة منذ الالف الثالثة قبل الميلاد ، اي قبل خمسة الاف عام . (1)
ان تتبع تطور صناعة الفخار تقودنا الى معرفة خط انتقال وهجرة المجموعات البشرية قديما والتي تركت اثارها الفخارية في مختلف المناطق التي استوطنت فيها ، فالفخار وانواعه الذي عثر عليه يدل على انتقاله طورا بعد اخر من سهول جبال زاغروس شمالا الى سهول بلاد الرافدين ، ويدل الفخار وانواعه التي عثر عليها انتقال وسائل وطرق صناعته وانواعه من الشمال الى الجنوب ، فقد دللت التنقيبات الاثارية ان الفخار صنع في جبال غرب ايران خلال الالف السابعة قبل الميلاد ، ومن هناك انتقل تدريجيا الى الشرق الاوسط ، اثناء انتقال سكان الجبال وترحالهم ، الجبليون الذين عرفوا حرق الفخار وشيه ، واستنادا الى جيمس ميلارت James Mellaart الذي عمل باحثا في معهد الاثار بلندن :
ان الهجرة كانت على دفعتين او موجتين ، واحدة انتشرت في السهول الشمالية ، في المنطقة التي عرفت فيما بعد ببابل وآشور ، والاخرى انتشرت جنوبا في المنطقة المحيطة بالخليج الفارسي ، حيث بزغت حضارة سوسة وسومر (2)
اهتم الباحث الاركيولوجي جيمس ميلارت بالموجة الشمالية ، فيخبرنا ان سكان جرمو ( قرية قرب كركوك ) استخدموا اوان فخارية لايوجد لها جذور في المنطقة ومن المحتمل انها جلبت من المستوطنات الموجودة في جبال زاغروس من مناطق مثل تبه غوران – غوران تبه – في سهل حليلان حيث عثر على انواع مشابهة لهذا الفخار ، وان هذه الاواني الفخارية البدائية في بلاد الرافدين تؤكد الهجرات البشرية او التجارة فيما بعد التي جاءت بالفخار الى هنا ، وان فخار غوران تبه يعود الى نهاية الالف السابعة قبل الميلاد أما في مناطق اخرى من جبال زاغروس مثل سهل كرمانشاه وقنجافار فان تاريخ صناعة الفخار يعود الى الالف التاسعة قبل الميلاد 9000 ق. م .
ولهذا يكون لجبل بيستون- في لورستان / كوردستان ايران – معنى كبيرا حين يعرف المرء قدم الاثار الموجودة هناك في مناطق مثل كنجي دارا تبه ، آسياب تبه ، و سوراب تبه ، التي تقع اسفل الجبل في السهل الفسيح .
والملاحظ ان الفخاريات الموجودة في هذه المناطق مشابهة للفخاريات الموجودة في جنوب ايلام – عيلام – و مشابهة لفخاريات تل عبيد والمعروفة بشكلها الهندسي المرسوم بالبني الغامق على سطح اصفر مخضر ، وان الفخاريات المصنوعة في منطقة الحاج محمد و جيان تبه في جبال زاغروس مشابهة لتلك التي عثر عليها في سهول خوزستان – المشهورة بمدينتها التاريخية سوسة – عاصمة الدولة العيلامية – .
ويعد فخار حضارة تل عبيد اقدم فخار سومري في بلاد ما بين النهرين في جنوب العراق ، ولهذا فان وصول الفخار من سوسة والذي عرف فيها قبل وجوده في حضارة تل عبيد البدائية يعني ان السومريين انتقلوا من السهول العيلامية – خوزستان ولورستان – الى جنوب العراق وانتشر الفخار الذي كانوا يصنعونه في تل عبيد ومن ثم في اريدو اول مدينة سومرية جنوب العراق .
وان هذا التتبع للفخار يدل على ان حركة الفخار من الشمال الى الجنوب مرتبطة بحركة الاقوام البشرية ، وان الاقوام التي صنعت الفخار هبطت من الشمال الى الجنوب ، من الجبال الى السهول وانتقلت عبر طريقين رئيسين ، الاول من سهل كرمنشاه الى ممر خانقين ومن هناك الى شمال بلاد ما بين النهرين ، الى موقع جرمو التاريخي ، قرب كركوك.
والطريق الثاني ، طريق هجرة الاقوام صانعة الفخار من سهل كرمانشاه ايضا مع مسار نهر الكرخة الى مدينة سوسة عبر جيان تبه ومن هناك انتشروا الى جنوب بلاد الرافدين واقاموا اولى المدن السومرية ، واشهرها مدينة اريدو التي تعد اولى المدن في بلاد ما بين النهرين و اوروك و ( اور ) التي ترتبط بالحضارة السومرية منذ فجر التاريخ (3)

الهجرة الاولى

يذهب بعض علماء الاثار الى ان اكبر هجرة بشرية قديمة قد يعود تاريخها الى حوالي سبعة الاف عام وهي التي حدثت حوالي سنة 5500 ق . م ولربما كانت بسبب الصراع على ثروات الطبيعة الغذائية من ثمار وحيوانات كانت المصدر الاساسي لغذاء الانسان القديم وان ما ورد في الكتب المقدسة من صراع بين هابيل وقابيل هو في الاصل صراع بين الانسان البدائي الذي يعتمد في غذائه على صيد الحيوانات والانسان الذي عرف الزراعة واستقر في القرى الزراعية ليعيش على ما يجني من غذاء .
وكانت تلك الهجرة من جبال زاغروس باتجاه الجنوب ، حتى انتقلوا الى جبل الوند واستوطنوا عند سهول جبل بيستون .
ان جبل بيستون يعني مكان الله او جنة الله في الكوردية والفارسية ، من كلمة باغ ستانون او بهشتون – به هشت – Bihestun والتي مازالت مستخدمة في الكوردية والفارسية بمعنى الجنة او الفردوس .
ومن سهول جبل بيستون انتقلوا الى السهول الجنوبية والغربية ، وفي سهل بيستون طوروا صناعة الفخار ، اذ استطاعوا فخر الطين – حرقه – والحصول على اواني فخارية متطورة في منطقة غوران تبه ثم انتشر الفخار الجديد في المناطق المجاورة فوصل الى سهول دجلة والفرات مع نهر الكرخة ثم الى الاهوار والخليج الفارسي .
نرفق مع هذا المقال مجموعة من صور الفخاريات المحفوظة في اشهر متاحف العالم وهي من اثار كوردستان ، وعلى الاخص من لورستان بلاد الكورد الفيليين ومن مدينة سوسة عاصمة الدولة العيلامية في كوردستان / ايران والتي تعد امتدادا لبلاد الرافدين وهي من اشهر واقدم اصول الحضارة السومرية التي مازالت اثارها شاخصة ، وتنتشر تحفها في امهات المتاحف العالمية وتعد مهد حضارة الكورد وكوردستان .

هذه الكاسة تعود لللالف الرابعة قبل الميلاد ، 4000 ق . م اي ان عمرها ستة الاف عام ، وهي من الفخاريات المعاصرة لحضارة تل عبيد واوائل عهد حضارة اوروك .
عثر عليها الباحث الاثاري E. Herzfield في منطقة تل باكون على مقربة من مدينة برسيبولس التاريخية والتي اصبح اسمها اليوم تخت جمشيد .
شاع هذا النوع من الفخاريات في مدينة سوسة عاصمة عيلام . و شاعت زخرفة الاواني الفخارية وطلاء جدرانها الخارجية بالالوان والرسوم التي تمثل الانسان ورؤوس الطيور .
حفلت تلك الحقبة بتطور كبير للاواني الفخارية المزخرفة التي انتشرت في عيلام ووسط وجنوب العراق ولكن بسبب زيادة الانتاج فيما بعد والحاجة لصناعتها باعداد كبيرة اختفت الزخرفة والالوان الجميلة منها .
قطر الكاسة 27 سم ارتفاعها حوالي 16 سم
محفوظة في الصالة رقم 51 في المتحف البريطاني – لندن

جرة لحفظ الحبوب مصنوعة من السيراميك الملون ، ملونة و مزينة بشكل جميل جدا، نقش في القسم الاعلى منها الوعل او الماعز الجبلي .
تكشف هذه الجرة والرسوم التي نقشت عليها طبيعة الحضارة الزراعية الاولى للبشرية في الشرق الاوسط ، وفي اعلى الجرة نلاحظ صفا من الطيور المائية المعروفة وسط وجنوب بلاد الرافدين وكوردستان الجنوبية.
وهي من الاثار التي عثر عليها في مدينة سوسة – عاصمة بلاد الكورد الفيليين – التي تعد من اقدم المدن التي شيدها الانسان ، وتقع في كوردستان ايران .
الجرة مقسمة الى الواح :
لوح كبير في الوسط وفوقه لوح اصغر رسم فيه الماعز الجبلي وفي اللوح الكبير الشكل الرمزي للماعز الجبلي ، قرونه الدائرية الكبيرة مضافا اليه بعض الرسوم الرمزية مثل لحية الماعز و ذيله مما اضفى على اللوحة المنقوشة لمسة فنية خاصة ، وربما تشير الالواح المرسومة بهذه الاشكال الهندسية الى الاراضي والمزارع والحقول والانهار التي في المنطقة .
توجد داخل دائرة القرنين دائرة تجريدية تمثل طرة او ( لوغـو ) ربما يمثل قبيلة صانع هذه الجرة او صاحبها او اسرة معينة تملك الجرة .
عثر على الجرة في مدينة سوسة ، ويعود تاريخها الى عام 4200 – 3500 قبل الميلاد ، اي مضى عليها حوالي ستة الاف عام.
ارتفاعها 28.90سم وقطرها 16.40 سم
اكتشفها الاثاري جاك دي مورغان Jacques de Morgan عام 1906 .
محفوظة في متحف اللوفر / قسم اثار الشرق الاوسط Near Eastern Antiquities

عرف السيراميك المزجج منذ الاف السنين في الشرق الاوسط ويرجع تاريخ التحف المزججة الى الالف السادسة قبل الميلاد وشاع انتاج الزجاج حوالي 1600 قبل الميلاد شمال بلاد الرافدين.
ان هذه الجرة الكبيرة المزججة والملونة باللون الاخضر الصقيل ، والازرق والبني والاصفر والابيض والاسود، تمثل تطورا كبيرا في تقنية استخدام الزجاج الملون الصقيل التي انتشرت في الالف الاولى قبل الميلاد.
نلاحظ تزيين الجزء العلوي من الجرة باوراق نباتية ، وفي وسطها نقش ثور يجثو امام شجرة .
تعود هذه الجرة للالف الاولى قبل الميلاد حوالي 800 ق . م ، عثر عليها في موقع زوية شمال غرب ايران .
طول الجرة 43.5 سم
وهي واحدة من ثلاث جرار محفوظة في متحف المتروبوليتان في نيويورك .
وعثر على جرار مشابهة لها في مدينة اشور.

عثر على هذه الجرة في موقع جيان تبه قرب نهاوند – بلاد الكورد الفيليين – غرب ايران ، كوردستان. ويعود تاريخ صناعتها الى حوالي 2200- 2400 عام قبل الميلاد .
خلال الالف الثالثة قبل الميلاد واوائل الالف الثانية قبل الميلاد ازدهرت عدة انواع من صناعة الفخار في مناطق مختلفة من ايران في مناطق كوردستان و على الاخص في لورستان وعيلام .
تمثل هذه الجرة نموذجا متطورا للجرار التي كانت تصنع في تلك المناطق وتدل على تطور صناعة الفخار منذ وقت مبكر في انحاء كوردستان وايران وبلاد الرافدين.
صنعت هذه الجرة يدويا من طين وزخرفت بعد جفافها بلون صنع من اوكسيد الحديد الذي يعطي اللون البني الغامق حين يحرق الفخار ، ونلاحظ الاشكال الهندسية المتماثلة و المتناسقة المرسومة على الجرة مع اختلاف في نسبة قياساتها ووضع النقوش داخل الاطواق العليا بشكل جميل ومعبر .
لاحظ شكل النسر ناشرا جناحيه والذي شاع حينذاك في بلاد ايران كما شاعت الرسوم المقتبسة من الطبيعة من نبات وحيوان واشجار .
طول الجرة 61 سم
القطر 46 سم
محفوظة في المتحف البريطاني صالة رقم 52.
تقع مدينة نهاوند بين مدينة كرمانشاه وهمدان في كوردستان ايران .

يعود تاريخ هذا الصحن الى حوالي اربعة الاف عام قبل الميلاد ، اي انه صنع قبل حوالي ستة الاف عام ، يؤرخ متحف اللوفر تاريخ صناعته الى الالف الرابعة قبل الميلاد بين 3800 – 4200 ق . م .
ان السيراميك والفخار الملون كان التعبير الفني للانسان الكوردي قبل التاريخ ، ويتميز هذا الصحن بصناعته اليدوية حين لم تكن العجلة الدوارة المستخدمة في صناعة الفخار قد اخترعت بعد .
صنع الصحن من الطين وزين باللون الاخضر الفاتح ، ورسمت عليه اشكال هندسية متناسقة فيها تخطيط انسان .
كما نلاحظ ان الرسوم والاشكال الهندسية مقتبسة من الطبيعة و تمثل الحيوانات والنباتات ، ولكنها رسمت برمزية كبيرة جعلت من الصعب ادراكها .
عثر على الصحن في مدينة سوسة / كردستان وهي عاصمة الدولة العيلامية والتي تعد امتدادا لبلاد الرافدين .
ان الطين المستخدم لهذا الصحن له لون اخضر فاتح ، وقد صنع بشكل رقيق جدا يعرف بقشرة البيض ، ويشوى بنار ذات درجة حرارة عالية جدا ، فيصبح الصحن رنانا .
ان هذه الزخارف الجميلة فريدة في نوعها وتكاد لاتتكرر فلكل صحن ديكوره و شكله وزخرفته الخاصة به ، فهي لاتنتج بالجملة ، عدا في بعض الحالات حين تكون هناك معركة او عدد كبير من القتلى مما يضطرهم لانتاج انواع متشابهة في وقت واحد لانها تدفن مع الموتى .
شكل الصحن غير منتظم وهذا يدل على انه يصنع مباشرة حين يفخر .
طول الصحن 10.6 سم عرض الصحن 22.3 سم محفوظ في متحف اللوفر .

هذا الابريق المصنوع من السيراميك يعود للقرن التاسع قبل الميلاد ، عثر عليه في منطقة حسنلو شمال غرب ايران
جنوب بحيرة اورمية / كوردستان .
نلاحظ دقة صناعة الابريق و فتحته الامامية التي تستند على جسر فيه نتوء بارز بمثابة مسند له اضافة الى المقبض في الجهة الاخرى الذي يساعد على استناد الابهام فوقه تماما مثل اقداح البيرة الحديثة.
ونلاحظ الحامل الثلاثي الذي يقف على اقدام كالاضلاف ، مشابهة للاحذية .
ان دقة صنع الابريق والحامل تدل على مواكبته للصناعات المعدنية التي بدأت في الظهور والتي صنعت مشابهة لهذا الشكل ويدل على تطور صناعة الفخار تطورا كبيرا في المنطقة.
الابريق محفوظ في متحف المتروبوليتان في نيويورك
الارتفاع 21.7 سم

* في خمسينات القرن الماضي كانت هناك مهنة شائعة وسط وجنوب العراق هي مهنة خياط الفرفوري ، وهي مهنة رجل يتعامل مع الاواني الفخارية المحطمة والمهشمة ، مثل الاواني الخزفية – السيراميك – الثمينة ، وابريق الشاي (القوري) ، وغير ذلك . كنا نجلس ونراقب ما يصنعه الرجل بادواته البسيطة ، التي تتكون من مزرف دقيق يرتبط ويدور بواسطة قوس ووتر ، ثم يستخدم بعض المواد اللاصقة مثل النورة التي يخلطها مع البيض ، واحيانا يغلف الاناء الخزفي والقوري باشرطة من اللدائن المعدنية كي يصبح اكثر تماسكا . وغالبا ما كان هؤلاء الصناع من الكورد الفيليين يجوبون شوارع مدن وسط وجنوب العراق يصلحون ما تحطم من اوان خزفية ثمينة ، ولا شك ان هذه المهنة اندثرت الان ولا مكان لها سوى في المتاحف الفنية ، وهي احدى الاثار التاريخية لبراعة التعامل مع الفخار والخزف ، وصناعته ، واصلاحه.
(1) ينظر مقال :
The Origins of the Potters Wheel ,Victor. Bryant –
WWW.Ceramicstudes.com
(2) – Mellarrt, J .The earliest settlement in western Asia from the Ninth to the end of the fifth Millenium B.C. in CAH 1:1,p 248-303,1970.
الذي يستند اليه ديفد رول في كتابه Legend ص 131.
(3) ينظر حول الموضوع كتاب ديفد رول:
– Rohl, David M., LEGEND, London 1999,p 131.