الرئيسية » مقالات » ما بين غريق ومطرود .. العراقيون حول العالم

ما بين غريق ومطرود .. العراقيون حول العالم

في خبرين نشرتهما صحيفتين عراقيتين : أحدهما أن 20 عراقياً قد لقو حتفهم غرقاً على سواحل إحدى الجزر اليونانية عندما دفع كل منهم ألفي دولار لدخول اليونان ، دفعوا مالاً ليتخلصوا من وطنهم! ، إلا إن وطنهم أبى أن يغادروه الى أي مكان آخر إلا الموت .. حيث لازال خفر السواحل اليوناني يبحث عن أخرين غير الـ 20 جثة التي أكتشفت .. والخبر الآخر كان نقلاً عن ال “بي بي سي” مفاده أن اللاجئون العراقيين يتعرضون الى الطرد أو الإعتقال من مخيم لاهاي في هولندا حيث تلاشى 50 عراقياً وتاهوا في ثلوج هولندا بعدما لم تعد لديهم تأشيرة صالحة للبقاء في هولندا لرفض السلطات منحها لهم وحق اللجوء .. وهي ليست بقادرة على ارسالهم للعراق لكونه يرفض القبول القسري للعائدين ، لقد قيد أولئك العراقيون انفسهم ببعض بسلاسل لمنع تفكيك مخيمهم الذي كان يأويهم وبعد أن خسروا معركتهم القانونية للبقاء في الخيام خارج محطة السكك الحديدية المركزية في مدينة لاهاي .
الى متى يبقى العراقيون متشرذمون في بقاع الأرض يرفضون العودة لوطنهم مهما كانت النتائج ومهما كانت الأعمال التي سوف يقومون بها هناك ؟ حتى لو كانت على حساب كرامتهم وعوائلهم .. العراقي هناك يعمل بأي عمل إلا إن يعود الى العراق حتى لو انتهك عرضه !.. وعلى الرغم من كل ما في هذا الوطن من ثروات وقدرات كبيرة على أن يعيش كل عراقي فيه عزيزاً كريماً .. إلا إن كل ذلك غير مهم لهم .. فما الذي يجبرهم على أن يموتوا غرقاً في أعالي البحار أو أن يقيدوا أنفسهم بسلاسل بأرض غير أرضهم ؟ .. وما ذلك الشيء الذي دفعهم الى ترك الوطن بما فيه ، الجمل بما حمل ، والبحث عن أي وسيلة متاحة للهجرة ؟ أنه أمر جلل ذلك الذي دفعهم الى ذلك وعلى أحدهم أن ينظر الى حالهم هناك بعد أن تنازلوا على بقايا الكرامة التي تركوها في وطنهم .. علَّ أحد ما أن يعيدها لهم يوماً !.. ففي الوقت الذي يسافر به الكثير من السياسيين والبرلمانيين الى خارج العراق للتمتع بكل شيء ويغدقوا على انفسهم بما تم سلبه من جلودنا شرعاً أو فساداً .. يهاجر العراقيون الى حتفهم والى من ينتزع منهم كرامتهم وهم أهل الغيرة والكرامة .
من المسؤول عن هذا ؟ وأين نحن الآن من أمثالنا كأبناء الخليج والوطن العربي .. فهل سمعنا يوماً عن أماراتي قد غرق في احدى جزر اليونان أو كويتي او قطري او سعودي قد سلسل نفسه ولا يريد العودة لوطنه ؟ .. لماذا .. كل ما نحن فيه اليوم من تلك الأزمات السياسية الخطيرة التي تلقي بتبعات النفسية الخطيرة على أبناء الشعب العراقي .. أليس من الأحرى بنا توجيه كل الطاقات المصروفة على الأزمات السياسية لخدمة أولئك الشباب الذين ما مر عليهم عهد من العهود إلا وكانت الهجرة أكبر همهم وأعلى مراد لهم .
قبل ربع قرن كان العراقيون يتهافتون على الهروب من الوطن بسبب الحرب والفقر والبطالة وقلة المال والخوف من الموت ذبحاً بسكاكين الطائفية .. واليوم بعد تلك السنين والتغيير الكبير لازال العراقيون يبحثون عن ملاذ آمن خارج وطنهم لأن هناك من يجعل الوطن مكاناً صعباً للعيش .. وطناً كله عشوائية .. حتى لأصبحت العشوائية عنوان له.. فتصريحات البعض من سياسيينا عشوائية تهدف الى التصعيد والتوتر ، هجرتنا عشوائية ، مساكننا عشوائية ، محلاتنا عشوائية ، مشاريعنا عشوائي ، نظافتنا عشوائية ، تعليمنا عشوائي ، نظامنا المؤسساتي عشوائي ، اختياراتنا الانتخابية عشوائية ، نظرتنا الى المستقبل عشوائية ، زواجنا عشوائي ، طلاقنا عشوائي ، ازماتنا عشوائية ، قوانيننا عشوائية ، شوارعنا عشوائية ، مرافقنا الصحية عشوائية .. وأخيراً اتساءل بألم كبير هل ستعاد جثث الموتى من الغرق الى العراق ؟ فكم من شباب هاجروا ليعودوا الى اهليهم جثثا .. فنحن حتى موتنا عشوائي لا نعرف لماذا نموت !