الرئيسية » مقالات » شوارع الوجوه الدامية

شوارع الوجوه الدامية

على حين غرة أنحرفت إحدى سيارات الأجرة على سيارة أخرى حديثة ونزل الرجلات ليتقاتلا قتالاً شرساً لم تنفع معه كل محاولاتنا في فك اشتباكهم المميت ، ثوان مرت حتى بدأت الدماء تغطي وجوههم كالأقنعة الحمراء وما عدا أحدهم يرى الأخر ، تتطاير القبضات بوجه أحدهما الآخر والنساء تصرخ ونحن عاجزين عن عزل أحدهما عن الآخر .. لقد أفرغ كل منهم ضيم الدنيا وقهرها بوجه الأخر .. حتى تعبا من ذلك وما أن قاربت جولة القتال على الأنتهاء حتى تمكنا من إبعدنا سائق الأجرة الذي أنتظر متوعداً الثاني عند مفترق الشارع مما حدا بنا أن نجبر الآخر على أن يعود أدراجه ، وبعكس الإتجاه ، ليغادر مبتعداً عن مكان الحادث ، لم ينته الأمر عند القتال بل استمر التنابز بأبغض العبارات ، شباب وشتائم ، التي تخدش الحياء .. عبارات ما أنزل الله بها من سلطان كانت أقسى حتى من ضرب الفؤوس وقسوة القبضات.
اقتربت من سائق التكسي الذي كان ينظف وجهه من الدماء لأرى أن فتحة كبيرة برأسه كان قد احدثها القتال لأستعلم عن سبب هذا العراك المميت بينهم .. فقال لي أن صاحب السيارة الأخرى كان قد نعته بـ “الحصان” عند منعطف الطريق مما أثار غضبي وجعلني أعترض طريقه لتأديبه !
انها ليست المرة الأولى التي نراقب بها تلك الأشتباكات بين ابناء الشعب الواحد ، اشتباكات قاتلة ومؤلمة لا تدري ما تفعل حيالها وكيف وصلنا لتلك الدرجة الكبيرة من البغض لبعضنا البعض وكيف نتحامل على بعضنا البعض ننتظر الفرصة المؤاتية للأنقضاض عليه .. لم نعد معها ذلك الشعب المسالم الطيب لقد تغير طباعنا بشكل كبير وتحولت كل اخلاقنا التي توارثناها عن أجدادنا الى ذكريات حلوة لم تعد هي الأخرى قادرة على انشالنا مما نحن فيه من اختلاف كبيرة .
لقد تنوع المجتمع وتغيرت أحوال الكثير منهم بعد الأنفتاح الكبير على العالم بعد 2003 وتلك المساحة الهائلة من الحرية التي يقابلها حالة من اللانظام التي تشيع على اغلب مفاصل حياتنا .. النفوس تغيرت وما غيرها إلا تلك المراحل الصعبة التي عشناها ابان العهود السابقة والعهد الجديد الذي منحنا حرية بلا قيود .. حرية بلا ضوابط ولا تعليم ولا تأهيل متكامل للمجتمع أن يقابل بعضه البعض ويتعايش معه على أمل أنا نواجه العالم بأسلوب حضاري جديد يتناسب وما وصل العالم المتحضر اليه من تقاليد حضارية حديثة وطدت العلاقة بين ابناء الشعب الواحد .
كان من المهم جداً أن لا ندع الأمور تفلت من بين ايدينا فاليوم نحن غير قادرين على التحكم بالبناء الأجتماعي والنفسي لأبناء شعبنا لكوننا ، بصراحة ، بعيدين كل البعد عنه وعن مشاكله الحقيقية التي برمجة العنف فيما بينه ، بل وجعلتنا يخاف أحدنا الآخر .. العنف ومشاهد القتل اليومي كانت أشد المحفزات التي أذكت النزعة العدوانية في نفوسنا ناهيك عن التأثيرات الأخرى التي تترواح بين البطالة والفقر والشعور بالظلم والغبن وضياع الذات ولم وعد قابلية القائم على الأمر في العراق من الوصول بشعبنا الى تحقيق ذاتهم وحب التعالي من البعض مما صّعدت إمكانياتهم المادية تلك الرغبة في التعالي على ابناء شعبهم .
نحن بحاجة ماسة اليوم من منظمات المجتمع المدني ومن المؤسسات الحكومية وكل المرجعيات الدينية الخيرة أن تبادر الى تقديم النصح والخدمات لأبناء شعبنا .. وأن تقابلهم بأحترام بالغ عسى أن ينفع ذلك في زيادة إحترامهم لأنفسهم وبالتالي إحترامهم للآخرين .. كذلك فعلينا إيجاد السبيل الى يعود العراقيون لحبهم لوطنهم فحبهم لوطنهم قد يخفف من وطأة التأثيرات السلبية على واقع حياتهم اليومي .
قد ينتظر الجميع عدواً يأتي من الخارج ليحتلنا ويعيث بأرضنا فساداً ولكن الأخطر من ذلك أن أنفسنا المريضة التعبة وتقاليدنا التي علاها الصدأ هي من أضحت عودنا الخفي الذي ينهش في لحمتنا الأجتماعية وحبنا واحترامنا لبعضنا البعض وستصبح يوماً أشد أمراضنا ومن الصعوبة معه إيجاد الحلول النفسية لها وستكون سبباً مهماً من أسباب تفتت وحدتنا وضياع وطننا .
اليوم نحن بحاجة الى خلية أزمة من خبراء نفسيين ومن مختصي الفلسفة وخبراء علم الإجتماع لدراسة واقع الشعب العراقي وتقديم التقارير الدورية لتحيلها الحكومة الى واقع تطبيقي بقرارات وأنظمة ، فتشخيص الأسباب قد يتيح المجال أمام إنشاء حزم التشريعات التي تقلل من الضغط النفسي وتقلل من الأحتقان داخل نفوسنا المعذبة قبل أن .. تنفجر بوجه أحد ما !

زاهر الزبيدي