الرئيسية » دراسات » حقيقة الكورد الأيزيديين وما يشاع عنهم ..؟

حقيقة الكورد الأيزيديين وما يشاع عنهم ..؟

للدين أهمية قصوى في حياة الشعوب القديمة بل انه من أهم العوامل المؤثرة في سيرة حياتها وأسلوب تطور حضارتها فالمعتقدات والافكار الدينية تحدد الأطار العام لسلوك الانسان في حياته وعاداته وتقاليده وأعرافه وقوانينه ، وتكون الخلفية المؤثرة في حياته الأجتماعية والثقافية والسياسية والفنية ، وقلما نجد أي عمل قام به الأنسان القديم أو أي أثر تركه الا وكان للدين فيه تأثير كبير ، لذلك كانت دراسة المعتقدات الدينية القديمة ذات اهمية كبيرة في فهم حياة الشعوب القديمة .


وكانت المعبودات القديمة هي :

(الشمس – القمر – النجوم – السماء – الأرض – الجنس – الحيوان – الطوطمية – الأنتقال الى مرحلة الآلهه البشرية – عبادة الأشباح – عبادة الأسلاف) ، ولما كان لكل شيء روح ، أو اله خفي ، أذن فالمعبودات الدينية لاتقع تحت الحصر ، وهي تقع في ستة أقسام : ( ماهو سماوي – أرضي – جنسي – حيواني – بشري – الهي) ، ولانعرف أي الأشياء في هذا العالم الفسيح كان أول معبود للأنسان ربما كان القمر من بين المعبودات الأولى ، أو الشمس أو النجوم أو السماء ، والسماء كانت إلهاً عظيماً تقام لها العبادات في تبتل لأنها هي التي تنزل الغيث أو تحبسه ، وكثير من القبائل البدائية تستعمل كلمة ( الله ) لتعني السماء ، كذلك كانت السماء عند المغول هي الأله الأعظم ، وكذلك الحال في الصين ، وفي الهند الفيدية معنى كلمة الله هو السماء الوالدة ، والله عند اليونان هو زيوس أو السماء وهو أهوارا عند الفرس أي السماء الزرقاء ، ومعظم الأساطير الأولى تدور حول محور واحد ، هو الخصب الذي نتج عن تزاوج الأرض والسماء . أقدم عقيدة دينية في آسيا ، مما تستطيع أن تتعقبه الى أصوله التأريخية ، هي تقديس الأشجار وينابيع الماء والأنهار والجبال وهكذا بقية المعبودات الدينية تعاقبت بالتدريج .

الديانة الأيزيدية تعد من اقدم الديانات الكوردية ويتواجد الأيزيديون في وادي لالش في الشيخان وجبل سنجار بالقرب من الموصل ، حيث تنتصب أماكنهم المقدسة ، تعلوها قبب بيضاء مخروطية الشكل ومشوقة تدل على خصوصية دينية مختلفة ، ولا يوجد لديهم تأريخ مكتوب ، لذا أعتمدوا في تسجيل حوادثهم وعقائدهم على ما يعرف عندهم بـ ( علم الصدر ) أي الرواية الشفاهية اي الحفظ دون الكتابة ، ربما التقشف في أمور الدنيا والتوق الى عالم الأرواح وكره الملاعنة جذب أليهم عدداً من المتصوفة ليجدوا في مجتمعهم المنشود في هذا الوادي المقدس لديهم .

يعتقد الايزيديون كغيرهم من أهل الأديان الأخرى أنهم شعب الله المختار أو الأمة المصفاة ، ولكن بطريقة أخرى ومختلفة وفريدة من نوعها ، وذلك بأعتقادهم أنهم من ولدوا من آدم فقط دون حواء ، فبعد الجدل بين الزوجين بأيهما يلتحق النسل ، قررا الأستمناء في جرتين منفردتين ، وبعد تسعة أشهر تمخضت جرة آدم عن ( شيت وهورية ) ومنهما تناسلت الأمة الايزيدية ، اما جرة حواء فتمخضت عن ديدان فقط وهذا خلاف ما أعتقده الصابئة في تقديم المرأة على الرجل ، فطهارتها من طهارة النورالذي منه خلقت .

جاء في الأسطورة عن أحد شيوخهم ما معناه ( أن أصل الايزيدية قديم شريف يتصل بأوائل خلق الانسان ، وذلك ان الله سبحانه تعالى بعد ان خلق آدم وحواء وقع بينهما الخصام في شأن ذريتهما ، فآل بهما النزاع الى ان أفترقا في مكان معلوم ، يبعد الواحد عن الأخر مسافة أربعين يوماً فرزق آدم ولداً جميلاً ، فأستاءت لذلك حواء وأنفردت بخلوة وطلبت من الله ألا تكون ذليلة في عيني زوجها فولدت طفلة غادة أخذ حسنها في قلب ابن آدم فزوجا الشاب بالشابة فجاء نسل الايزيدية ) .

أختلطت طقوس الايزيديين بطقوس الاديان الاخرى وقد يصعب تعقب هذا التأثير لمعرفة أيهما المؤثر وأيهما المتأثر وتناقضت الآراء حول تأريخهم وطقوسهم وفيما يخص تسميتهم ، يصر بعض الباحثين والدوائر الرسمية على تسميتهم باليزيديين على الرغم من تأكيدهم عدم الصلة بينهم وبين أي يزيد يذكر مثل : يزيد بن معاوية أو يزيد بن أنيسة أو يزيد بن عنيزة (قيل ان شيخ عدي كان يمثله ) .

في مصادر الملل والنحل الاسلامية تظهر فرقة الايزيدية وهم اتباع يزيد بن أنيسة الخارجي احدى الفرق المنشقة عن الاباضية ، ويتوهم عبد القادر البغدادي ( 429 هـ ) وبعده محمد عبد الكريم الشهرستاني ( 548 هـ ) عن غير قصد مع بعض المهتمين بهذا الشأن على أعتبار يزيدية الخوارج هي الديانة المقصودة ، وذلك عند الحديث عن رئيس هذه الفرقة ( وزعم ان الله تعالى سيبعث رسولاً من العجم وينزل عليه كتاباً من السماء ويكون على ملة الصابئة المذكورة في القران ، وليست الصابئة الموجودة في حران وواسط ) .

أما نسبهم الى يزيد بن معاوية فلا تخلو من تأثير قومي مذهبي سعى اليه باحثون على حساب البحث العلمي او عن جهل بتاريخ هذه الديانة القديمة وهؤلاء يعززون رأيهم بما ذكره السمعاني ( جماعة لقيتهم بالعراق يأكلون الحلال ما قيل عنهم في التبرك بتربة الشيخ عدي ) وقل ما يخالطون الناس ويعتقدون بامامة يزيد بن معاوية ، ولعل السمعاني اخذ الاسم وبنى عليه قصته متجاوزين تسميات تاريخية مهمة في حياة الايزيديين التي تظهر علاقتها واضحة كدين او مكان ومنها كلمة ( يزدان او ايزد ) ، والتي تعني في الزرادشتية الاله المقدس (والفعل يزد معناه يعبد ويضحي ) الخليق بالعبادة وهي تطلق على الملائكة التي تتوسط بين الله والبشر وفي اعتقاد الايزيديين انهم من اتباع تلك الملائكة ، ففي صلاة الفجر يقولون ( باسم الله يزدان المقدس الرحيم الجميل الهي لعظمتك ولمقامك ولملوكيتك يارب انت الكريم الاله ملك ملك الدنيا حملة الارض والسماء ملك العرش العظيم ).

اما صلة نسبتهم بالمكان فيذكر عن مؤرخ يوناني في القرن السابع الميلادي وقد مر بمدينة الموصل وزار مدينة تدعى ( يزدم ) تقع على مقربة من اربيل ، فيكون اسم الايزيدية نسبة الى ذلك المكان ، وقال اخرون نسبة الى منطقة يزد الفارسية والمقبول ان المنطقة عرفت باسمهم مثلما يقال ديار ربيعة وغيرها ، وهناك من اعتقد بالصلة بين اسم الايزيدية وبين الكلمة السومرية ( a – zi – da )المكتوبة بالخط المسماري كشف عنها احد خبراء الاثار واللغات القديمة الباحث الكوردي ( لافار نابود ) وتعني الروح الخيرة وغير الملوثين ويمشون على الطريق الصحيح ، فهذه الكلمة في القاموس السومري ( جامعة بنسلفانيا الولايات المتحدة الامريكية ) بمعان عديدة تقارب ما هية الايزيدية منها الطريق الحق والذراع الايمن وغيرها وبمقارنة بما يقوله الايزيديون الحاليون نحن على دين الحق والطريق الصحيح.. بيضاء ملابسنا ، الجنة مكاننا تكون الصلة واضحة ولم لا فالمنطقة لم تكن بعيدة عن مسرح الحضارة السومرية والجدير بالذكر ان تسمية اهل الحق موجودة كذلك في كوردستان وتشير الى مذهب ( الكاكائية ) الذين تتشابه معتقدراتهم بعض الشيء مع معتقدات الايزيدية وفيها الكثير من الموروثات الكوردستانية القديمة .

يبدو ان تسميتهم باليزيديين وورود اسم مروان في نسب الشيخ عدي بن مسافر جعلت الاخرين يعتقدون بامامتهم ليزيد بن معاوية وبنسبهم الاموي وكانهم جميعا من احفاد الشيخ عدي وكان الشيخ عدي وكما تذكر بعض المصادر هو مؤلف كتب الايزيدية بعد ايمانه بعقيدتهم القديمة في الخلق والتكوين كقول مصحف رش ( الكتاب الاسود ) في البداية خلق الله درة بيضاء من سرة العزيز وخلق طير اسمه ( أنغر ) وجعل الدرة فوق ظهره وسكن عليها أربعين الف سنة كتاب رش .

الشيخ ( آدي ) والذي اعتبره البعض بعدي بن مسافر الاموي هو رمز اله ( المطر والخير والبركة ) منذ القدم وقبل مجيء الدين الاسلامي الحنيف ، الاشوريون كانت لهم محبة خاصة للشيخ ( آدي) فانهم لم يصوروه في نقوشهم وحسب بل ورد عنه الكثير في كتاباتهم ولهذا تواجد معبده في قلب آشور في معبد ( لالش ) وتوجد فيه رسومات ونقوشات ترمز الى شعائر الاديان السومرية والبابلية .

أعتبر الباحث الايزيدي خليل جندي اكتشاف صلة قومه بالحضارة السومرية ( مفتاحاً مهماً لفك خبايا الديانة الايزيدية والتقرب من معرفة اصولها التاريخية والاجتماعية وبالتالي وضع حد لمغالطات العديد من الكتاب والمؤرخين الذين حاولوا ويحاولون عن عمد تشويه حقيقة هذه الديانة سواء لمصلحة انظمتهم الشوفينية ام لاغراض دينية وقومية منها نسب الايزيديين الى الامويين ، فاذا كان نسبهم الى بعض الامويين الفارين من العباسيين الى الجبال فاين ذهب اسلام هؤلاء الامويين واين ذهبت لغتهم العربية والغريب في الأمر سعي الحكومة العراقية الى تسمية الايزيديين بالامويين ، ففي نهاية الستينيات أعلن أحد أمراء الأيزيدين المدعو ( ببايزيد الأموي ) وبدعم من الحكومة الصدامية الشوفينية ، بأنه عربي أموي الأصل لهذا سعت الحكومة العراقية الى تسمية الايزيديين بالامويين جاء ذلك في بيان عما يسمى بـ ( مكتب ادارة شؤون الامويين في العراق ببغداد سنة 1969 الذي نشرته جريدة الثورة العراقية بعددها 166 جاء فيه ( ان المكتب يعمل لادارة الدعوة العربية واظهار عروبة الامويين في شتى المجالات الرسمية والشعبية ) وشدد البيان الآنف الذكر على نسب الأيزيديين لقريش عبر صلتهم بيزيد بن معاوية ، كما جاء في تقرير مديرية الامن العامة على ضوء احصاء عام 1977 ان غالبيتهم من العرب غير ان هذا الأمر لم يكن بمعزل عن التوجهات السياسية بسبب الخلاف مع القيادات الكوردية ومحاولة تعريبهم . لانريد الولوج بالتأريخ ولكن لغرض وضع حد لمغالطات العديد من الكتاب والمؤرخين الذين حاولوا ويحاولون عن عمد تشويه حقيقة قومية وديانة هذه الشريحة الكوردية الأصيلة سواء لمصلحة انظمتهم الشوفينية ام لاغراض دينية وقومية منها نسب الايزيديين الى الامويين.

الأربعاء 12-12-2012