الرئيسية » مقالات » هل يبقى الشعب يلعق جراحه ويُهدد بحرب قومية جديدة ..؟

هل يبقى الشعب يلعق جراحه ويُهدد بحرب قومية جديدة ..؟

منذ تسع سنوات والشعب العراق يلعق جراحه ولا يعرف متى سينتهي نزيف الدم. كل المؤشرات التي تحت تصرفنا تنذر بتصعيد التوتر السياسي بين الأطراف السياسية الحاكمة. ورغم حقيقة أن الحكم لم يستطع حتى الآن السيطرة على الأمن وحماية المواطنات والمواطنين من إرهاب قوى الإرهاب الإسلامي السياسية المتطرفة والعدوانية والمتمثلة بقوى القاعدة الداخلية والمصدرة للعراق وما تشعب عنها من تنظيمات إرهابية أو ما يمثلها في أطراف العملية السياسية الإسلامية السنية منها والشيعية , ورغم إن المجتمع العراقي ما يزال يعاني من أوجاع كثيرة سابقة وما يزال ترهق ذاكرته الحروب العدوانية الداخلية والخارجية التي شنها نظام البعث الاستبدادي ورئيس الدولة الأهوج صدام حسين والحصار الاقتصادي والبؤس والفاقة وما نتج عنها من موت لمئات ألوف الناس الأبرياء في الحروب العديدة وفي الحصار الدولي وفي القتل اليومي من جانب أجهزة أمن البعث ومؤسساته القمعية الأخرى وعمليات التهجير القسري والتشريد ..الخ , وما حصل بعد إسقاط الدكتاتورية عبر الحرب والاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق ونشاط قوى الإرهاب والمليشيات الطائفية السياسية المسلحة على مختلف المستويات والمجالات , فإن رئيس حكومة النظام الجديد نوري المالكي , نظام المحاصصة الطائفية البائس , يهدد بالويل والثبور , يقرع طبول الحرب ضد إقليم كردستان العراق , فنسمع صرخاته في مؤتمره الصحفي يوم السبت المصادف 8/12/2012 حيث يقول حول الصراع ما يلي: …إذا تفجر الصراع هذه المرة سيكون صراعاً مؤلماً مؤسفاً , صراعاً قومياً ليس كالصراع السابق منطقة ضد حكومة طاغية مثل ما كان عندنا في كردستان أم عندنا في الجنوب , هذه المرة ستكون ذات أبعاد خطيرة ليس لمصلحة الكرد ولا لمصلحة العرب …” (أخذ المقطع من نص الخطاب المنشور على المواقع الإلكترونية).
لقد كانت تلك الحروب التي خاضتها النظم السابقة قومية شوفينية متغطرسة واستبدادية وذات مضامين وأساليب فاشية عدوانية , وكلها كانت باسم العروبة ظلماً وبهتاناً. هذا صحيح. ولكن هل ستكون , إن بدأ المالكي حربه ضد إقليم كردستان العراق , شيئاً غير ذلك ؟ كلا يا رئيس الوزراء لن تكون غير ذلك بأي حال من الأحوال , لأنها ستكون حرباً قومية شوفينية وطائفية مغرقة بالرجعية والعدوانية وليس غير ذلك , ولكن باسم العروبة والدين وكلاهما برئ مما يجري باسمهما. وهو ما يفترض أن ينتبه إليه الشعب ويتصدى لمحاولة التأليب والدفع باتجاه الحرب التي ذاق الشعب مراراتها لعقود عدة.
فبدلاً من الحديث عن الإرهاب والفساد ونقص الخدمات وغياب عملية التنمية والمستنقعات المائية بالعاصمة بغداد , وبدلاً من الحديث عن الفقر والبطالة وسبل مكافحتهما وتحسين مستوى حياة ومعيشة وظروف عمل الشعب , وبدلاً من كل ذلك يزبد ويرعد رئيس الوزراء ويهدد بالويل والثبور , كأنه البطل الجديد لحرب جديدة لن تكون إلا ظالمة ومشينة.
إن المالكي رجل معقد وسطحي الرؤية الاستراتيجية لتطور العراق , كما إنه , كما تشير دلائل وجوده في السلطة , يسجل انحداراً في جنون العظمة والنرجسية المرضية , يتحدث بما لا يؤمن به ويمارس السياسة بذهنية مخادعة ولا يتورع عن عدم قول الحقيقة أو الفرية , كما اشار إلى ذلك بصواب مقال الأستاذ فخري كريم يوم 13/12/2012 المنشور في افتتاحية جريدة المدى , حين تطرق إلى الحديث الذي جرى في لقاء ثلاثي جمع السيد رئيس الجمهورية ونوري المالكي والأخ فخري كريم , حين كان يدور حول تنصيب نوري المالكي رئيساً لوزراء العراق لدورة جديدة. وهو الخطأ الفادح الذي ارتكبته كل القوى نتيجة ضغط إيران وموافقة أو سكوت الولايات المتحدة.
إن صيحات الحرب لن تنفع أحداً ولن تساعد على إيجاد حلول للواقع المزري الذي يعيش فيه الشعب ولا للمشكلات العالقة التي تتسبب في هذا التوتر الدائم والمتفاقم. إن المالكي رجل غير ديمقراطي بل فردي واستبدادي ومفرط في حبه للذات والسلطة ودفء الكرسي حتى لو كان على حساب شن حرب وموت الآلاف من البشر أو فقرهم المدقع.
النظام السياسي الحالي نظام فاسد لا لأنه يقوم على المحاصصة الطائفية والأثنية وبعيداً عن روح الوطن والمواطنة الإيجابية وينأى عن قاعدة “الدين لله والوطن للجميع” فحسب , بل ولأن الفساد يُمارس يومياً كنظام معمول به في البلاد , يمارسه أغلب الحكام المشاركين في المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية , فهذه الغالبية تسرف في نهب البلاد وإفقار الخزينة , فما يدخل إليها من أوال النفط العراقي الخام المصدر ويبدو وكأنه يدخل إلى خزينة مثقوبة بثقوب كثيرة وكبيرة يتسرب منها المال إلى جيوب تلك الغالبية بطرق وأساليب شتى. وليس في هذا القول أية مبالغة , بل كل الدلائل التي تنشر على الصعيد الدولي وخاصة من جانب منظمة الشفافية الدولية تؤكد هذه الحالة. اليكم ما ورد بشأن العراق حول الفساد : احتل العراق في العامين 2009 و2010 المرتبة 175 من مجموع 178 دولة شُملت بالتحري عن الفساد فيها. وجاء في شبكة الرقاب الدولية بشأن موقع العراق في جدول الشفافية الدولية في العام 2011 ما يلي: “وبالإضافة إلى الصومال وكوريا الشمالية ، واللتان تشاركتا في المركز 182 ، قبعت دول أخرى في المنطقة في أسفل القائمة ، وتضم ميانمار وأفغانستان وأوزبكستان وتركمانستان والسودان والعراق وهايتي وفنزويلا.” ولم يتغير الوضع في العام 2012 عن العام الذي سبقه. ومثل هذه الحقيقة هي التي تؤكد إن العراق غارق في الفساد من قمة رأسه إلى أخمص قدميه , وإن الفساد لا يدور حول مئات ألوف أو ملايين الدولارات الأمريكية , بل عن المليارات من الدولارات الأمريكية. ومن هنا نستطيع أن نفهم بوضوح , ومعنا الشعب في غالبيته , وندرك اسباب نشوء هذه الآلاف من اصحاب المليارات والملايين من الدولارات الأمريكية وليس المليارات من الدنانير العراقية.
رئيس الوزراء يدعي وجود ملفات فساد لديه , فهل يعني عدم إعلانه عنها أنه مشمول بذلك أم إنه وأفراد عائلته مشمولون بذلك؟ هذا مجرد سؤال يفرض نفسه على كل إنسان يتحرى عن الفساد ويسمع رئيس الوزراء يقول إن لديه ملفات الفساد , وإن كذا شخص مشمول بالفساد دون أن يذكر اسمه أو يدفع بملفه إلى القضاء. إن من حق الشعب أن يسأل هؤلاء الأثرياء من القطط السمان الذي طرحته المطربة العراقية المتوفاة في أوائل الخمسينات من إذاعة صوت أمريكا في أغنية لها من أين لك هذا؟ وتجيب عليه هذا من فضل ربي ..ثم تقول قابل الله أنزله ألك بالزنبيل .. , كما قدم المونولوجست عزيز علي من نفس الإذاعة وفي نفس الوقت منولوجه المشهور “صل على النبي” ويقول فيه: “صل على النبي صل على النبي … وأخذ أياغه هالصبي … مختار ذاك الصوب هم ممنون منه والنبي ..” , إذ اصبح مختار ذاك الصوب (ابو ناجي رمزاً لبريطانيا حينذاك) في الوقت الحاضر “العم سام” رمز الولايات المتحدة في هذه المرحلة.
الشعب العراقي يعيش اليوم في ظل نظام سياسي يُهدر فيه دم العراقي ويُهدد بحرب قومية شوفينية باسم العروبة وطائفية جديدة مدمرة وفساد مالي يسرق أموال الشعب بغير حساب وسقوط أخلاقي لا مثيل له طيلة عمر العراق الحديث. واليوم يندفع بذريعة تقوية العراق لمواجهة الأعداء وليس الكرد وليس الشعب , حسب إدعاءه , ليشتري المزيد من السلاح ويفتح ثقباً جديداً في خزينة الدولة لعقود الأسلحة والفساد , تماماً كما فعل صدام حسين ومن بعده حازم الشعلان ومن جاء من بعدهما حتى الآن , كما تشير إلى ذلك وسائل الإعلام والسيد صادق الموسوي , رئيس مؤسسة الأعلام العراقي , في ندوة تلفزيونية على برنامج الساعة التاسعة في قناة البغدادية مكملاً تصريحات عزت الشابندر ومتوسعاً في ملف الفساد الخاصة بالصفقة الروسية.
إن رئيس الوزراء يذهب إلى العشائر العراقية ليكسبها إلى جانبه , تماماً كما فعل صدام حسين , ويريد أن يدفع بها إلى الموت ايضاً , تماما كما فعل صدام حسين. ولكن الغريب بالأمر إن غالبية الشعب لم تدرك بعد عمق الهوة التي يدفع رئيس الوزراء العراقي إليها والعواقب الوخيمة على المجتمع العراقي وعلى وحدة نسيجه الوطني ولحمة أهله.
إن دعاة الديمقراطية والمدنية والتآلف والسلام في العراق كافة يتحملون مسؤولية فضح النهج السياسي الجديد لرئيس الوزراء العراقي الذي أصبح خلال السنوات الأربع الأخيرة أحد الصقور الأشد فتكاً في حزب الدعوة الإسلامية وفي المعسكر الشيعي , لكن الرجل بدأ ينخر بالتحالف الوطني وبقائمة دولة القانون , وإن طرح البديل الديمقراطي في انتخابات المحافظات القادمة وفي الانتخابات العامة القادمة التي نأمل أن يكون الشعب قد ادرك مخاطر استمرار المالكي على رأس السلطة التنفيذية ويمسك بزمام القوات المسلحة وبالسلطة القضائية إلى حدود بعيدة ويمتلك تأثيراً مباشراً على السلطة التشريعية ويسعى إلى تحقيق تحالفات قومية شوفينية جديدة للمضي في نهجه العسكري والحربي ضد إقليم كردستان.
علينا أن نمنع قرع طبول الحرب بسياسات سلمية أخرى , علينا حل المعضلات القائمة والكثيرة بسياسات عقلانية حكيمة وليس بالعفترة والتجاوز على بنود الدستور التي تقرر حل المشكلات بواسطتها. علينا القيام بالكثير الذي تفرضه المرحلة , ولكن بعيداً عن الحرب والتطرف والعدوانية وصرخات الحرب اليائسة , علينا كسر أجنحة الصقور ومنع تحليقها فوق سماء العراق الصافية , وإن كانت ملبدة الآن بغيوم مجنونة!!

14/12/2012 كاظم حبيب