الرئيسية » مقالات » متى تدرك حكومة إسرائيل عمق التغيرات الجارية في العالم ومنطقة الشرق الأوسط؟

متى تدرك حكومة إسرائيل عمق التغيرات الجارية في العالم ومنطقة الشرق الأوسط؟

من يتابع النهج السياسي لحكومة بنيامين نتنياهو-ليبرمان يدرك إنها مصممة على تنفيذ عدة مسائل خلافية هي:
1. مواصلة التحول صوب اليمين الأكثر تشدداً وتكريس التحالف مع اليمين الشوفيني المتطرف في إسرائيل.
2. الاستمرار على إبقاء احتلالها للضفة الغربية وبقية المناطق المحتملة في كل من سوريا ولبنان باعتبارها أمر واقع.
3. الاستمرار ببناء المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية والقدس الشرقية , تماماً كما حصل في هذه الأيام باتخاذ الحكومة قراراً يقضي ببناء 3000 وحدة سكنية في القدس الشرقية بما يؤدي إلى فصل القدس الشرقية عن الضفة الغربية تماماً.
4. الاستمرار بسياسة التسلح التي تساهم في خلق تشديد سباق التسلح في المنطقة والتي تسعى إليها إيران على نحو خاص , وكذا الحكومات العربية , رغم إنها لا تستخدمها بأي حال ضد إسرائيل بل ضد قوى المعارضة لها وضد شعوبها.
5. محاولة استدرار عطف المجتمع الدولي باعتبارها الضحية المستمرة والذي لم يعد مقبولاً من جانب غالبية دول العالم والذي لا بد لإسرائيل أن تدركه.
هذا النهج غير العقلاني وغير الحكيم في السياسة الذي تمارسه حكومة بنيامين نتنياهو-أفيغدور ليبرمان فيه الكثير من الاستفزاز لمشاعر العرب من مسلمين ومسيحيين في غزة والضفة الغربية وللعرب بشكل عام وللكثير من شعوب العالم في المرحلة الراهنة والذي يعني عدة نتائج سلبية أخرى , نشير إلى بعضها في الآتي:
1. من الناحية العملية رفض مبدأ قيام الدولتين على الأرض الفلسطينية قبل قرار التقسيم في العام 1947 , أي منع قيام الدولة الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية بحدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
2. استمرار التوتر في المنطقة بهدف استمرار اقتطاع المزيد من أراضي الضفة الغربية والقدس الشرقية بما لا يساعد على قيام دولة فلسطين في ما تبقى للعرب من قرار التقسيم في العام 1947 ولا حتى ما تبقى بعد احتلال 1967.
3. المشاركة الجدية من جانب حكومة إسرائيل بتشديد التطرف لدى قوى عربية إسلامية سياسية متطرفة أصلاً , حماس والجهاد الإسلامي مثلاً , لإبقاء التوتر في المنطقة وعدم الوصول إلى أي حل , بسبب استمرار قوى التطرف في طرح شعار إنهاء وجود الدولة الإسرائيلية , وهو الأمر الذي يفيد إسرائيل على الصعيد الدولي بطرح شعار إن أمن إسرائيل مهدد بالخطر من جانب هذه القوى العربية المتطرفة.
4. الإسهام المباشر وغير المباشر بإضعاف دور وتأثير القوى العربية المعتدلة التي أقرت بوجود دولة إسرائيل وتدعو إلى إقامة الدولة الفلسطينية وبناء علاقات سلمية على اساس “الأرض مقابل السلام” الدائم والعادل.
5. هذه السياسة التي تمارسها إسرائيل تضعف قدرات إسرائيل وقدرات الدول العربية على التنمية ومعالجة مشكلات البطالة والفقر وغلاء المعيشة والتي تجلت في الحركات الشبابية في إسرائيل خلال السنة المنصرمة أو الربيع العربي الذي مل يزال يتفاعل حتى الآن ولم ينته بعد.
لقد خاضت إسرائيل في تموز/يوليو 2006 حربها ضد لبنان وضد حزب الله , وخاضت الحرب ضد قطاع غزة في كانون الأول /كانون الثاني 2008 و2009 والمعركة الجديدة ضد غزة وقوات حماس والجهاد الإسلامي وعموم الشعب الفلسطيني في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2012. فماذا كان الحصيلة الفعلية:
1 . لم تحقق المعارك الثلاث أية نجاحات لإسرائيل وفشلت سياسة القبضة الحديدية , بل جوبهت بمقاومة شديدة وبمعارضة دولية وإقليمية واسعة وبعدم قبول واسع في الشارع الإسرائيلي بسبب الخسائر التي تحملتها إسرائيل , إضافة إلى الصواريخ التي نزلت على رؤوس سكان جنوب إسرائيل.
2 . سقوط أعداد غفيرة من القتلى والجرحى والمعوقين في الجانب اللبناني والفلسطيني , إضافة إلى دمار واسع في جنوب لبنان وغزة على نحو خاص.
3 . تفاقم الكراهية والحقد بين العرب من مسلمين ومسيحيين وبين اليهود في إسرائيل , مما يزيد من مصاعب الوصول إلى تفاهم عقلاني بين السكان في الدول العربية المشمولة بالصراع مباشرة ودولة إسرائيل.
4 . تنامي القدرات العسكرية في الطرف العربي والقدرة على إلحاق أضرار وأوجاع في صفوف الشعب الإسرائيلي من اليهود , إذ أصبحت سماء إسرائيل كلها مفتوحة أمام الصواريخ الإيرانية ذات المسافة المتوسطة الممنوحة لقوى الإسلام السياسية في كل من لبنان وغزة. وفي المعركة الأخيرة وصلت الصواريخ إلى القدس وحيفا والتي يمكن أن تصل إلى أبعد من ذلك.
5 . سيساعد هذا السلوك على خلق صعوبات أمام سياسة الدول الغربية وإسرائيل في الموقف المناهض لإنتاج السلاح النووي الإيراني , إذ المؤشرات تؤكد احتمال إنتاج هذا السلاح خلال السنة أو السنتين القادمتين.
6 . كما لا يمكن لإسرائيل استخدام سلاحها النووي ضد العرب أو ضد إيران , إذ إن الأضرار ستصيب الشعب الإسرائيلي ذاته , كما سيكون هذا الأمر مرفوضاً على الصعيد الدولي والإقليمي.
7 . إن سياسة تطويق غزة وحصار سكانها قد تسبب في تحول سياسات دول صديقة لإسرائيل إلى مناهضة لهذه السياسة وليس لوجود إسرائيل حتى الآن. ويمكن أن يكون موقف ألمانيا التي لا تعارض سياسات إسرائيل عموماً , لم تصوت ضد قرار قبول الدولة المراقبة في الأمم المتحدة وشجبت مستشارة المانيا سياسة إقامة 3000 وحدة سكنية في القدس الشرقية واعتبرتها خطوة ضد تحقيق السلام ومبدأ الدولتين. وهو الموقف الذي اتخذته جميع دول العالم.
8 . إن هذه السياسة تخلق مصاعب لكل المعتدلين وغير الشوفينيين والعنصريين في الدول العربية لمواجهة القوى المتطرفة , لأن سياسة اليمين واليمين المتطرف الإسرائيلي تشم منها رائحة شوفينية قوية لا تختلف عن أي شوفيني متطرف آخر في العالم , في ما عدا إمكانية اليمين الإسرائيلي استخدام السلاح ويدفع بالمتطرفين والشوفينيين العرب إلى مواجهة ذلك بالسلاح. وفي الوقت الذي هاجم وزير خارجية إسرائيل الدول الأوروبية واعتبرها إنها عادت لسياسة ما قبل الحرب العالمية الثانية إزاء اليهود ,أبدى نتنياهو عدم ارتياحه من الموقف الأوروبي والألماني على نحو خاص , اعتبر رئيس جمهورية إسرائيل إن الموقف الألماني طبيعي لأن العالم كله يسعى إلى أن يرى دولتان على الأرض الفلسطينية دولة إسرائيل ودولة فلسطين. إن هذين الرأيين يجسدان حقيقة الصراع الراهن في إسرائيل أيضاً والدائر بين قوى الحرب وقوى السلام , قوى التوسع وقوى التي تقول لا يمكن ابتلاع فلسطين كلها!
ليست هذه السياسة التي تمارسها إسرائيل تحمي أمن إسرائيل وسلامة شعبها , وليست هذه السياسة تكسب رضى الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي وقبولهما , كما رأينا ذلك في التصويت على قبول دولة فلسطين كمراقب في الأمم المتحدة ( 138 مع و8 ضد و41 ممتنع عن التصويت) , وليست هذه اسياسة هي التي تعزز وجود إسرائيل واستقرارها واستقرار المنطقة , وليست هذه السياسة تساهم في تحقيق التفاهم والتفاؤل لدول وشعوب المنطقة في العيش بسلام وامن واستقرار , كما إن سياسة الاعتماد على الدعم الأمريكي والغربي عموماً لن يساهم في توطيد دولة إسرائيل بأي حال ولا في إبعاد شبح الحرب ثانية عن المنطقة.
إن ما تحتاجه إسرائيل لحماية شعبها وأمنها يكمن في قدرتها على توفير الحماية لشعب فلسطين أيضاً , في الكف عن الوقوف بوجه إقامة الدولة الفلسطينية بحدود 1967 , في الكف عن بناء المستوطنات , في الكف عن التشجيع المباشر وغير المباشر للقوى الإسلامية السياسية المتطرفة والقومية اليمينية المتطرفة في فلسطين وفي العالم العربي.
إن ما تحتاجه إسرائيل هو صداقة الشعوب بدلاً من , أو إضافة لصداقة الدول والاكتفاء بها على حساب العلاقة الودية والضرورية مع الدول العربية المجاورة , وخاصة شعب فلسطين.
إن قدر المسلمين والمسيحيين من جهة , واليهود من جهة أخرى هو العيش المتجاور , وإن هذه الجيرة لها شروط ومستلزمات لرعايتها وتطويرها بدلاً من تأجيجها أو مساعدة من يؤجهها في الطرف الآخر.
إن العالم يعيش تحولات كبيرة وعمليات التغيير تحصل يومياً في مجرى التغيرات الحاصلة على صعيد المنطقة ايضاً , وبالتالي يستوجب من إسرائيل إدراك هذه الحقيقة , ولكن هذا ليس بشارع باتجاه واحد , إذ على العرب إدراك ذلك أيضاً. فلا رمي إسرائيل بالبحر أو إنهاء وجودها كدولة , ولا منع إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية , سياسة تعبر عن إدراك واقعي للتحولات الجارية في العالم ووعي بضرورة التعامل مع هذه المتغيرات بسياسة جديدة غير المنتهجة من جانب حكومة نتنياهو –ليبرمان ومن جانب حماس والجهاد الإسلامي في آن واحد. إن خالد مشعل الذي دخل غزة كمنتصر كبير , عاد ليؤكد رفضه لوجود دولة إسرائيل , وهو الموقف الأكثر تطرفاً الذي سيجلب المزيد من المصاعب والمشكلات لشعب فلسطين وسيفرح المتطرفين الإسرائيليين لأنهم بذلك يستطيعون مواصلة التوتر واقتطاع المزيد من أرض فلسطين. إنها الخدمة الفعلية التي تقدمها حماس لإسرائيل , تماماً كما يفعل حكام إيران الأوباش أيضاً.
ليس في مقدوري أن أتوقع تحولاً سريعاً في سياسات الدولة الإسرائيلية إذا ما استمرت حكومة نتنياهو – ليبرمان على رأس السلطة في إسرائيل بعد الانتخابات القريبة القادمة , كما سوف لن يساعد ذلك حكومة محمود عباس على انتهاج السياسة المعتدلة المطلوبة , إذ إن تأثير المتطرفين سيكون كبيراً , خاصة حين يتبين للناس إن إسرائيل لم تعد قادرة , كما كانت في السابق , على تحقيق ما تسعى إليه , وإنها ليست الدولة التي لا يمكن لجم سياساتها التوسعية.
لا يمكن أن تتغير هذه السياسة في إسرائيل دون ضغوط شعبية في داخل إسرائيل ومن قوى السلام والديمقراطية ومن قوى إقليمية ودولية , وخاصة الولايات المتحدة والدول الغربية. إن الصداقة مع إسرائيل والدفاع عنها لا يتم بتأييد كل ما تمارسه إسرائيل من سياسات , بل الصداقة الفعلية والحقيقية لإسرائيل هو إعلامها بأن سياستها الراهن مرفوضة وعليها أن تغير هذا النهج بما يساعد على إضعاف القوى المتطرفة في الجانب الآخر.
إن تحقيق الأمن ولاستقرار والسلام أصعب بكثير من قرار خوض الحرب , إذ حين تنشب الحرب لا يمكن تقدير زخمها وتداعياتها وحجم عواقبها المريرة وخسائرها البشرية والمادية على الجميع كما لا يمكن تقدير وقت توقفها.
لا ينفع إسرائيل أن تكسب تأييد حكام دولة قطر لها , بغض النظر عن شكلية دعم قطر لحماس بالمال , إذ إن قطر لم تكسب ود العرب ولا ود شعبها , فهي بيدق في رقعة الشطرنج الأمريكية , بل الأهم والأسلم لإسرائيل من كل ذلك هو كسب الشعب القطري والشعوب العربية , ولا يمكن أن يتحقق هذا الهدف بالسياسة الإسرائيلية الراهنة. ولا بد للولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا الاتحادية وبريطانيا وفرنسا واليابان وإيطاليا وأسبانيا وغيرها أن تدرك هذه الحقيقة وأن تعمل لصالح إسرائيل من خلال الضغط على إسرائيل لتغيير سياساتها العسكرية والتوسعية والاستيطانية الراهنة. إنه العامل المساعد والضروري لإضعاف ولجم التطرف في الجانب الآخر.

12/12/2012 كاظم حبيب