الرئيسية » مقالات » مصر ، والصراع الحتمي

مصر ، والصراع الحتمي

مخطيء كل من يعتقد أن هناك خلافات فى الإستراتيجيات العليا او فى الأدبيات الأساس بين الإخوان والسلفيين والجماعة الإسلامية والوهابية والجهاديين والقاعدة وحماس … فالإستراتيجية واحدة وهى إقامة الدولة الإسلامية (الخلافة) والتى تكون الشريعة الإسلامية فيها عوض الدساتير المعاصرة والقوانين الوضعية. وكل الخلافات والإختلافات هى على المستويات التكتيكية. وكل أتباع هذه المجموعات لا يحترمون بشكل حقيقي كل القواعد الدستورية والقانونية التى لا تستند عندهم على الشريعة. لذلك فإن نظرتهم لكيان قانوني رفيع المستوي وسامي المقام مثل المحكمة الدستورية لا تكون مشابهة لنظر إنسان مثلي درس القانون الفرنسي ويجل دور وأحكام المحكمة الدستورية. وقبل بلوغهم طور “التمكين” (والمصطلح هو مصطلحهم) فإنهم يتحدثون عن الدستور والقوانين ، ولكن بقليل من الإحترام الحقيقي وبهدف أساس هو قيامهم هم بإستعمال وإستغلال القواعد الدستورية والقانونية القائمة من أجل “مزيد من التمكين”. منذ أيام قليلة زعم محمد مرسي أن الحشود التى كانت تعترض على إعلانه الدستوري (الذى صدر يوم 22 ديسمب2012) إنما كانت تحركها مجموعة متآمرة وموجهة من فلول نظام حسني مبارك وأنهم قد ألقي القبض عليهم وأدلوا بإعترافات (سوف تعلنها النيابة العامة) حول المؤامرة والجهات الراعية لها والجهات التى تمولها. وبعد أيام أخلت النيابة العامة سبيل كل من تحدث عنهم محمد مرسي بما يؤكد ان ما قاله محمد مرسي فى هذا الصدد كان اختلاقا وكان ملفقا. وبعد أيام صدر قرار فى حق وكيل النيابة الذى أخلي سراح هؤلاء الذين زعم محمد مرسي أنهم كانوا ينفذون المؤامرة وشي برغبة حاكم مصر الجديد فى الإنتقام منه ، سيما بعد أن صرح أن النائب العام (الجديد الذى عينه محمد مرسي) كان يضغط عليه كي لا يخلي سبيل هؤلاء الذين قال محمد مرسي أن التحقيقات معهم ستفضح المؤامرة التى تحرك معارضيه. ودراسة تاريخ وسلوك وأدبيات الإخوان لأربعة عقود تؤكد لي أنهم لا يتماهون (ولا يمكن ان يتفقوا) مع مفاهيم مثل مفهوم الدولة العصرية ومفهوم فصل السلطات وعدم جواز أن يأخذ الناس ما يظنون أنها حقوقهم بأنفسهم ووجود كيانات قرو – أوسطية مثل هيئة الأمر بالمعروف …. فالدولة بالنسبة لهم هى كيان يحاول التمثل بدولة المدينة فى القرن السابع الميلادي. بل وأجزم أن سائر أتباع فرق الإسلام السياسي لا تفهم (أو لا تستسيغ) “مفهوم المواطنة” بمعناه العصري فى المجتمعات المتمدنة. ولا أدل على ذلك من إستعماهم المفرط لمصطلخ “الأمة” دون تسميتها !! وعندما يقول المرشد السابق للإخوان المسلمين فى مصر “طز فى مصر” فهو شديد الإخلاص لما تربي عليه من الإهتمام ب “الأمة” وليس ب “مصر”. وإذا كانت مصر اليوم مقسومة لمصرين ، فهذا الإنقسام هو ترجمة واقعية لإنقسام المجتمع المصري الى مجتمعين : مجتمع يريد ان تكون مصر دولة مدنية تسير أمورها وفق قواعد دستورية وقانونية يضعها أنبه وأعلم وأنبغ أبناء وبنات مصر ، ومجتمع آخر يحلم بأن تصبح مصر جزءا من الدولة الإسلامية (التى تضم الأمة) وهى دولة تنظر للوراء طيلة الوقت تبحث عن حلول فى الماضي لكل المشكلات . وهى دولة تحل فيها الشريعة محل الدساتير والقوانين المعاصرة. وبينما يكثر المتعلمون والمثقفون بين أنصار مصر المدنية ، فإن أكثر الأميين والبسطاء والمغسولة أدمغتهم هم أنصار مصر الإسلامية. لقد جمد وصول الضباط الأحرار للسلطة فى مصر وجمدت عهود الرؤوساء الأربعة محمد نجيب وجمال عبدالناصر وأنور السادات وحسني مبارك صراعا مجتمعيا لابد وان يحدث وان تتصارع فيه المدرستان (مدرسة الدولة المدنية والحداثة ومدرسة الدولة الإسلامية والماضوية) … صراعا حقيقيا غير مجتزأ … وظني أن قوي الدولة المدنية ستكون لها فى النهاية الغلبة وسيقبل المجتمع بأن تسير أموره (كل أموره) بالعلم وتقنيات الإدارة الحديثة مع صيرورة الدين شيئا وأمرا شخصيا بحتا … مع ضرورة الإقرار بأن حدوث ذلك فى مجتمعات إسلامية هو أصعب من حدوثه فى مجتمعات مسيحية لفرط تدخل الدين فى المجتمعات الإسلامية فى كل (مرة أخري : فى كل) شيء من تسيير شؤون المجتمع لطرائق دخول المرحاض وشرب الماء.