الرئيسية » مقالات » ما هي العوامل الكامنة وراء تشنجات السياسة المالكية؟

ما هي العوامل الكامنة وراء تشنجات السياسة المالكية؟

يتساءل الكثير من العرب , سواء ممن عرف رئيس الوزراء العراقي الحالي أو سمع به قبل ذاك , أم ممن لم يتعرف عليه شخصياً ولم يسمع عنه إلا بعد أن أصبح رئيساً للوزراء , عن الأسباب الكامنة رواء هذه التشنجات المتفاقمة والمتلاحقة في سياسات وإجراءات وتصريحات السيد نوري المالكي , وما هي العواقب المترتبة على مثل هذه السياسات المتشنجة والمدمرة لوحدة الشعب وعلاقاته الأخوية؟
لا شك في أن الإجابة عن هذه الاستفسارات لن تكون سهلة لمن لم يتابع اتجاهات تطور الأوضاع في العراق ولا التحولات الجارية في سياسات نوري المالكي منذ أن تسلم للمرة الأولى ومن ثم للمرة الثانية رئاسة “مجلس الوزراء” العراقي. ولكن هذه الإجابة لن تكون صعبة على العراقيات والعراقيين العاملين في الشأن العام أو الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية , بل يمكن للمتتبع أن يضع أصبعه بدقة كبيرة على الجرح النازف منذ سقوط النظام الدكتاتوري حتى الآن , ولكن وبشكل خاص منذ أن تسلم نوري المالكي للمرة الثانية رئاسة الحكومة ببغداد وفرض نفسه رئيساً للوزراء بدعم من إيران وموافقة الولايات المتحدة وسكوت القوى الديمقراطية وقبول بعضها إذ كانت تتصور أنه سيكون أفضل من سلفه الدكتور إبراهيم الجعفري.
تاريخ العراق الحديث والمعاصر يمدنا بإجابات دقيقة عن حالات مماثلة لحكام عرفهم الشعب العراقي خلال العقود المنصرمة. فالحاكم المستبد بأمره أو الطاغية يجد كل العيوب بشعبه وبالقوى المعارضة له وليس في طغيانه وسياساته الخاطئة وإجراءاته الفردية ومواقفه الفعلية. وهي محنة الشعب وقواه الحية خلال عقود عدة. وهذا ما يواجهه الشعب في سياسات وإجراءات ومواقف وتصريحات نوري المالكي الحالية. وتجلى ذلك بشكل صارخ في مؤتمره الصحفي الأخير الذي عقده ببغداد في يوم السبت المصادف 8/12/2012.
في هذا المؤتمر أدرك من حضر أو استمع إلى تصريحاته بأن رجل الدعوة الإسلامية , نوري المالكي فقد أعصابه حقاً واختفى اتزانه الشكلي في التعبير عن مكنوناته , رغم ما بذل من جهد ايحافظ على هدوء مفتعل كأي ممثل فاشل من الدرجة الرابعة. فقد هاجم كل القوى السياسية العراقية بمن فيهم قوى التحالف الوطني الحاكم , هذه القوى المتحالفة معه والتي أوصلته إلى رئاسة الحكومة.
فكل القوى السياسية العراقية تعمل ضد الدستور إلا هو , والكل يعمل للمصلحة الذاتية إلا هو , والكل يتخذ مواقف متشنجة إلا هو. فهو العليم والحكيم والمعصوم عن الزلل! وهو ولي الله على أرض الرافدين , وإن استمر طويلاً في الحكم سيرى نفسه نصف آله ونصفه الآخر من بني البشر المميزين. فالكل ضد المالكي , والكل يتآمر على المالكي. هذا هو سلوك المستبدين. عاجز عن رؤية تصرفاته ومضمون سياساته وإجراءات وتجاوزه المستمر ويومياً وفي كل لحظة على الدستور وعلى صلاحيات رئيس الجمهورية وعلى إرادة ومصالح الشعب ويدفع بالبلاد إلى المزيد من الصراعات التي يمكن أن تتحول بفعل تداعياتها إلى نزاعات دامية.
لماذا يتفاقم هذا التوتر في نهج المالكي وتصرفاته اليومية , التي تجسد إضافة إلى الفردية والاستبداد , سلوكاً شوفينياً من جهة , ونهجاً طائفياً سياسياً متزمتاً من جهة أخرى , إضافة إلى تحول باتجاه التحالف مع قوى بعثية وقومية يمينية متطرفة في عدائها للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات؟
من يتابع أوضاع الشعب العراقي سيصطدم بسياسات المالكي المرفوضة من الغالبية العظمى في المجتمع. وبدأت تتجلى في وقائع يومية مما أدى إلى شعور فعلي لدى المالكي بالعزلة المتزايدة عن الشعب وعن القوى السياسية الحليفة له وكذلك القوى المعارضة له.
فليست هناك في الجانب الاقتصادي نجاحات يفتخر بها , فلا تقدم حقيقي في التنمية الاقتصادية والبشرية , إذ ليست لديه إستراتيجية تنموية ورؤية وضاحة لوجهة تطور الاقتصادي العراقي , حتى كتاب اقتصادنا الضعيف اقتصادياً لم يستوعبه الرجل. فلا تصنيع في البلاد ولا تنمية زراعية ولا خدمات ضرورية رغم المليارات التي صرفت لإنتاج الطاقة الكهربائية ما يزال الشعب يعاني من نقص شديد في حصوله على الطاقة صيفاً وشتاءً. وازداد بشكل كبير اعتماد العراق على موارد النفط الخام المالية التي توجه لأغراض الاستهلاك اليومي وتوسيع عديد القوات المسلحة وشراء السلاح , إضافة إلى تضخم غير معقول في الجهاز الإداري. فالعراق يستهلك اليوم أغلب دخله القومي المنتج في اقتصاد النفط على الاستيراد الاستهلاكي وتعمق الطابع الريعي للاقتصاد العراقي. لا يدرك حتى الآن إن الصناعية تسهم في امتصاص البطالة المتزايدة وتخلق مجالات جديدة للاستثمار والتشغيل والسيولة النقدية وتحسين مستوى معيشة السكان. فكل المؤشرات تؤكد وجود بطالة متفشية وفقر يشمل أكثر من ثلث السكان بشكل مباشر. واقتصاد النفط هو القطاع الوحيد المتحرك والمنتج للأموال التي لا توجه للتنمية والتثمير الإنتاجي بل تستهلك وتنهب وتسرق بطرق شتى ومن جانب القطط السمان , كما إن الفساد يعم البلاد ومعه مرافقه البشع الإرهاب. ويعتبر العراق ضمن عشر دول تحتل المراكز المتقدمة في سيادة الفساد فيها , كما إن بغداد العاصمة ضمن عدد قليل من أسوأ عواصم العالم في الخراب والتلوث والمستنقعات المائية والنفايات. وإذ نتفق على وجود فساد في إقليم كردستان , فإن هناك عمراناً وتقدماً في شبكة الكهرباء والماء وهناك شوارع تقام يومياً وهناك تشغيل واسع وبطالة أقل , إضافة إلى فقر أقل وتحسن في مستوى المعيشة , كما إن هناك زيادة في عدد الطلاب والطالبات وعدد الجامعات والكليات وكذلك في مكافحة الأمية عند الكبار , وهناك تحسن نسبي محدود في أوضاع المرأة أفضل ما تحقق في بغداد العاصمة. ورغم عدم التوجه حول التصنيع وتحديث الزراعة في الإقليم , فإن ضغط الأمن الاقتصادي وضغط السكان والحاجة الفعلية ستدفع بهم وتجبرهم على طرق باب التصنيع وتحديث الزراعة وتنميتها بسرعة.
كل الدلائل تؤكد إن المالكي يعيش عزلة خانقة ويعيش فشلاً غير منقطع. ولهذا تجده يتوعد القوى المعارضة له التي يمكن أن تطالب بحجب الثقة عنه ويهددها بإجراءات غير مسبوقة , بعد أن يعترف لها بهذا الحق. هكذا يبدو المالكي بفعل تخبطه متناقضاً في جملة واحدة. يعترف للمعارضين بحقهم في طلب حجب الثقة عنه , ولكنه يقول لهم سأتخذ من الإجراءات غير المسبوقة التي ستثير دهشتكم! إن هذه السلوكية , التي يمكن الاستعانة بعلم النفس الاجتماعي لمعرفة العوامل الكامنة وراء بروزها , تطرح علينا الأسئلة التالية : هل الرجل مصاب كسلفه بجنون العظمة وبالنرجسية المرضية والرغبة في تدمير من يعتبرهم أعداء له؟
إن إقالة محافظ البنك المركزي الدكتور سنان الشبيبي وإصدار مذكرة باعتقاله في المطار للهيمنة على البنك المركزي , ثم اعتقال نائب محافظ البنك المركزي الدكتور مظهر محمد صالح من جهة , ثم السيطرة على المفوضية المستقلة للانتخابات من جهة ثانية , ثم تشكيل قيادة قوات عمليات بغداد وتهديد كردستان بالحرب من جهة ثالثة , ثم الموقف من ثورة الشعب السوري ضد الدكتاتورية البعثية ثم …الاخ , هي كلها مظاهر تعبر عن فقدان فعلي للأعصاب والهروب إلى أمام ومحاولة الاحتفاظ بالتوتر داخل البلاد ليبقى في السلطة.
وإذا كان السيد رئيس الجمهورية قد سانده ورفض تقديم طلب إلى مجلس النواب بحجب الثقة عنه ومارس الدفاع عنه بقوة وسعيه غير الناجح حتى الآن لرأب الصدع بين القوى السياسية , فإن السيد نوري المالكي قد أحرق ما تبقى له من مراكب للعبور إلى ضفة الآمان والسلام وطرح ما فيه الكفاية من استفزاز له , رغم سكوت رئيس الجمهورية على مخالفات رئيس الوزراء للدستور وعلى صلاحيات رئيس الجمهورية على وفق الدستور.
إن الشعب العراقي بدأ يتململ وسيعيد الكرة بأقوى واشد مما حصل في الخامس والعشرين من شهر شباط 2011 ليناضل من أجل حقوقه المشروعة ويرسي السياسة العراقية على مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات , على رفض الطائفية السياسية والاستبداد والقهر الاجتماعي.
إن الأيام والأسابيع والأشهر القادمة ستكون محملة بالمفاجآت للحكم وللقوى السياسية التي لم تستوعب حتى الآن أهمية إجراء التغيير الضروري في أوضاع الشعب المعيشية وفي سياسات وسلوكيات الحكم ومواقفه إزاء فقراء وكادحي المجتمع والأوضاع المزرية التي يعاني منها المجتمع.
11/12/2012 كاظم حبيب