الرئيسية » مقالات » دور التاريخ في طرق دراسة القانون

دور التاريخ في طرق دراسة القانون

“Law is a practical study and its value depends on its practical effects. Therefore, the best way for learning law is to be acquainted with its working and to gain skill in applying it.”

يعتبر القانون أساسا” في وضع السلوك الإنساني في المسار الصحيح من اجل توفير بيئة سليمة وصحية خالية من الفوضى والتعدي على الحقوق والواجبات وتجاوز الحريات كون القانون يعتمد على قواعد عامة تجعل منه مرجعا” ومستندا” ثابتا” يمكن للآخرين الرجوع أليه وتطبيقه. وعندما نطلع على المناهج والمقررات المنهجية السنوية القانونية نرى فيها تنظيرا” وسردا” واسعا” من حيث المضمون والمحتوى. فلذلك، توجد هناك حاجة الى التركيز على الجوانب التطبيقية، التي تعتمد على الممارسة والمهارة والخبرة، والعملية أثناء الدراسة والتعلم. بعبارة أخرى، نحتاج الى مناهج تحتوى على أمثلة وأدلة وشواهد حية من الواقع للبلد او المجتمع حتى تكون الدراسة للقانون مثمرة وناجحة. وكذلك، وجود حاجة الى استحداث تدريب ميداني وعملي للاختصاصات القانونية خلال فترة الدراسة العملية في مجال: التطبيق، التشريع، القانون، القواعد، الضوابط، التعليمات، اللغة العربية والحاجة الى استحداث معاهد قانونية شبيهة بمعاهد المعلمين كون قيمة المخرجات القانونية في التأثير والتفاعل والإنتاج ولا يكون المرء او الشخص ضحية الوقت للتعلم والاكتساب المعرفي. وبالتأكيد ان أفضل طريقة لتعلم القانون هو من خلال المعرفة التامة والكاملة لمفرداته عمليا” وليس نظريا”، وبالتالي، يكون ذلك الشخص قد اكتسب مهارة وخبرة وكفاءة لتطبيق القانون.

“The complete study of law requires, firstly, a knowledge of legal history. Law is not the creation of a day; but a long life process of growth. Therefore, law can be understood only through a study of the past. Law is part of the general history of society consequently, the history reveals the changes which have taken place in social relations and ideas.”

بالإضافة الى، ان الدراسة الكاملة للقانون تتطلب معرفة أولية بالتاريخ القانوني لان القانون الدنيوي من صنيعة الإنسان منذ الخليقة، رغم وجود قانون الهي الذي يمثل المستند الشرعي والمقدس، وقد وضعه كوكبة من الأشخاص لغرض تنظيم الأعمال وتوفير البيئة اللازمة لحماية الإنسان من ناحية الحقوق والواجبات وتسير الوظائف والبرامج والمشاريع وفق آلية الضوابط والتعليمات والقواعد القانونية لكن المشكلة هي عدم وجود معلومات معرفية وعلمية حول القضايا القانونية تاريخيا” لان التاريخ هو توثيق زمني لحقبة معينة. فلهذا يمثل التاريخ مرجعا” للأعمال والمهام والواجبات والقواعد القانونية القديمة التي كانت تنفذ وتتبع سابقا”. وقد نحتاج في كثير من أعمالنا للرجوع الى الآليات والطرق التي كانت تنفذ من قبل الأسلاف لان القانون هو ليس خليقة او أبداع يوم، وإنما سنين وحقب سابقة واكبتها أجيال وخضعت لها ضمن مفهوم قانوني وقواعد ثابتة في تلك الحقب كانت تطبق وتعدل بناء” على معطيات ومخرجات طارئة. فيكون المفهوم الحقيقي للقانون عبر نافذة التاريخ والحقب الزمنية لان المدارس القانونية تمثلت في: الكلاسيكية، الطبيعية، الوضعية، التاريخية، الاجتماعية، الواقعية، المنطقية، والحديثة التي تتطلب المعرفة بها بصورة دقيقة ومشاهدة التطورات التي طرأت على تلك الحقب من حيث: المحتوى، المضمون، المعيارية، الكفاءة، التغيرات، التعديلات المتكررة، الرؤى، والمنهجية وفي النهاية اخذ فكرة عامة ومحاولة اتخاذ القرار فيما اذا كان الاكتساب المعرفي والتعلم الأولي لدراسة القانون نمطية ام ايجابية لان الثقافة العامة في دراسة القانون تعني الاطلاع والمواصلة في كافة الحقب التاريخية.

وهناك ضرورة الى فهم وأدراك ان القانون دراسة على مدى الحياة وتتضمن تعديلات وإضافات وحذف من اجل النمو والازدهار والمواكبة، فلا يمكن ان يبقى نظاما” قانونيا” قديما” سائدا” في مجتمع يسوده التطور الهائل في المنهج والتقدم العلمي والحضاري. ويقال ان “حمورابي” (1750-1792) هو أول من وضع مشروع أسس القانون الوضعي؛ لكن هذا الرأي غير مقبول من علماء واختصاصين ومستشرقين في مجال التاريخ حيث أكدوا العكس وقالوا ان هناك آخرون سبقوا “حمواربي” من حيث وضع اسس القانون أمثال “اورنمكينا” 300 قبل الميلاد الذي وضع إصلاحات قانونية و “أور نمو” و “لمت عشتار”. والفرق الحقيقي من الناحية القانونية بين “حمورابي” و “أور نمو” هو ان الأول استخدام مبدأ القصاص؛ بينما الثاني استخدام مبدأ الكهنة والإله والأجور وعلاقتها بالمجتمع.

وبالتالي، يمكن القول بأن القانون يمكن دراسته من خلال دراسة الماضي لان القانون كان وما يزال جزءا” من التاريخ العام للمجتمع بصورة تتابعية من حيث الأحداث والأزمنة والحقب. وكذلك، يظهر التاريخ التغيرات التي حدثت في العلاقات والأفكار الاجتماعية. فهناك بيئة متنوعة ومناهج مختلفة وتوثيق غير دقيق وقيم وأعراف وتقاليد متوارثة، والجميع تلتزم وتحتكم الى لغة القانون والقاعدة القانونية. فلا يمكن ان يسود بلدا” ما فوضى او اضطراب او مشكلة اجتماعية ما لم يكن هناك قاعدة قانونية او تشريع او لائحة تقوم بتنظيم وإيجاد الصيغة المنطقية والمعيارية والنموذجية لحلها وفق مبدأ العدالة.

“Secondly, legal studies involve a discussion of problems common to other sciences of human conduct. Law is a body of rules regulating human conduct for the purpose of achieving certain ends. A scientific study of law should therefore be related to all other sciences which concern conduct, like psychology, ethics, economics, and politics.”

تمثل الدراسة، التي هي عبارة عن جهدا” كبيرا” يبذله الباحث او المؤلف في مجال معين هدفه تقديم الأشياء الجديدة والابتكارات والإبداعات المميزة، ما توصل أليه البحث او المقال او الموضوع ، وبالتالي، يكون المضمون والمحتوى عبارة عن مخرجات فكرية وعلمية جديدة مقدمة مجانا” للآخرين للاستفادة منها، باستثناء الدول المتقدمة التي تبحث عن قيمة وسعر الشيء المقدم لان كل شيء مقابل ثمن، على الصعيد الشخصي والمجتمع. فوجد القانون من اجل الإنسان ويسعى الى أيجاد سبل حياة كريمة وعادلة من حيث الحقوق، الالتزام، الواجبات، الضوابط، المعايير، القواعد، الشرائع، … الخ. ويمثل حل المشاكل إنعاش الحياة والاقتصاد والإنسان بصورة خاصة في معادلة التقلبات، لان الحياة الخالية من ألازمات والنكبات والصراعات يعني رفاهية البشر تكون موجودة الذين يشكلون تلك الحياة ويعيشون على أرضها. فالواقع ان وجود النظام لتجنب حدوث المشاكل التي هي من صنيعة الإنسان وسلوكه. والسلوك السيء هو شذوذ يرتكبه الإنسان نتيجة لدافع الحاجة او الرغبة او الاندفاع او القوة او التسلط او النفوذ او الطلب او العوز المادي او الانحراف الأخلاقي او مرض معين يعانيه الإنسان مما يدفعه لارتكاب خطأ او جرم او ذنب او حالة ما تسبب عدم رضا الآخرين في مجتمعه أولا” والقانون ثانيا” وتدفع الى حاجة تطبيق القانون لجعل ذلك السلوك الإنساني قويما” يردع الآخرين بفعل القوة والنفوذ والسيطرة وبسط العدالة ونبذ التميز والاضطهاد. وفي حالة ترك ذلك الجرم او الذنب او الخطأ او الحالة دون معالجة قانونية يعني زيادة التسلط والنفوذ للشيء داخل المجتمع او البيئة المجتمعية. أذن، وجود مشاكل يعني خلل في سلوك الإنسان مما يستدعي تطبيق القانون.

وبالواقع، يمثل القانون هيكل القواعد التي تنظم سلوك الإنسان لان بدون قاعدة قانونية لا يمكن كبح ولجم السلوك الإنساني الذي يزداد بحدته وقوته بمجرد تركه وفي المقولة: “من آمن العقاب أساء الأدب …” وعندما تقوم بضبط السلوك الإنساني والبشري يولد نتائجه قيمة ومثمرة على صعيد كسب الأرباح والفوائد ليست المادية وإنما الأخلاقية وبسط قوة القانون وقواعده العامة التي وجدت لخدمة الإنسان وليس للقضاء عليه. ويجب ان يكون هناك اطلاعا” واسعا” وكبيرا” على العلوم الإنسانية والعلمية الأخرى كونها تكون وتشكل ثقافة عامة جديدة ولا يمكن فصل دراسة القانون عن دراسة العلوم الأخرى والآراء التي تعزز وتقوي النظريات والفرضيات القانونية؛ ولابد من أعطاء العلوم التي تختص بدراسة الإنسان كعلم الاجتماع وعلم النفس وعلم الأخلاق وعلم السياسة وعلم الاقتصاد، والتي بأجمالها تشكل القضية العامة للإنسان من ناحية السلوك والتصرف وطرق المعيشة وحتى الأمراض التي تواكب الإنسان قد تكون عائقا” في تكوين شخصية سليمة في تلك البيئة او المجتمع. وبالحقيقة، البيئة هي المحيط الذي نعيش فيه.