الرئيسية » مقالات » أبو الهول في مواجهة الأهوال

أبو الهول في مواجهة الأهوال



صار واضحا إن فقهاء (تورا بورا) في طريقهم إلى شن حرب جديدة على تاريخ مصر وتراثها وحضارتها, فكل ما يعود إلى العصر الفرعوني ابتداء من أبي الهول وامتدادا إلى الأهرامات مرورا بمحتويات المتاحف المصرية كلها من نفائس وقطع نادرة, صار هدفا للتنظيمات المعادية, التي عقدت العزم على تدمير كل ما هو جميل وثمين ووطني وتراثي. .


فهل ثمة مفر لأبي الهول من مواجهة الأهوال التي تنتظره ؟, وهل ثمة أمل لصموده في مواجهة المعاول والعبوات الناسفة ؟, وهل سيكون مصيره مثل مصير تمثال بوذا في وادي (باميان) بأفغانستان حينما نسفته أصابع الديناميت بأمر من الملا عمر في الثاني عشر من آذار (مايس) 2001 ؟. .

http://www.youtube.com/watch?v=GEuGtJBe4Uo

يقول العقلاء: ليس من الحكمة في شيء التقليل من حجم وجدية الأخطار المحدقة بأهرامات الجيزة ومعالمها الفرعونية الضاربة في عمق التاريخ, ولا من الحكمة في شيء التقليل من شأن الجماعات المشفرة لنسف تاريخ الأجداد, فما بالك إذا كانت فتوى الهدم جاءت هذه المرة على لسان أحد قادة الحركات السلفية الجهادية الشيخ مرجان سالم الجوهري, الذي كان من ضمن العائدين من أفغانستان, ومن ضمن الذين اشتركوا ميدانياً في تحطيم تمثال بوذا, وهو الذي قال: لقد حطمنا تمثال بوذا وسنحطم أبو الهول, في حين دعا الشيخ محمد حسان إلى طمس وجوه التماثيل بالشمع الأبيض شريطة أن يكون الشمع من منتجات المعامل الإسلامية. .

http://www.youtube.com/watch?v=9n5P9NeStoU&feature=related

ما يعني إننا سنسمع ونشاهد أخبار البلاوي التي سيحذفها علينا فلاسفة العبوات الناسفة وفقهاء المتفجرات اللاصقة وعباقرة الألغام الجاهزة, وسنستيقظ ذات يوم على أخبار نسف تمثال (أوبيس), أو تمثال (أتون), وسنشاهد أشلاء (أحميس), و(أمنو حوتب), و(آمون رع), و(رمسيس) مبعثرة على ضفاف النيل, وربما تتوسع دائرة الأفكار الناسفة فتتساقط شظاياها فوق الثور البابلي المجنح, وزقورة (أورنمو) في ذي قار, وكل الآثار الفينيقية والأكدية والآرامية, والمعابد الإغريقية في الشام ابتداءً من معبد تل المتسلم, وانتهاءً بمعبد بيسان, مروراً بمعابد تل القدح وأبو الخرز, وثماثيل (حصن ذي مرمر) في اليمن, وتماثيل أوتيك وتابسوس في تونس, وقد تكون تماثيل أطلال المدينة الوردية (البتراء) من ضمن التماثيل المهددة بالتخريب والتدمير, فهي أيضا مشمولة بفتوى الشيخ مرجان. .


من المفارقات العجيبة في البلاد العربية أنها تحرص كل الحرص على إنزال العقوبات المشددة ضد المتورطين بسرقة الأكفان الفرعونية, وضد المتلبسين بتهريب الأختام السومرية, وضد سراق الاسطوانات البابلية, والتيجان الآشورية, وقد تصل بعض الأحكام إلى عقوبة الإعدام, لكنها لم تفعل شيئا ضد القوات الأمريكية النظامية التي عبثت بآثارنا السومرية في (أور), ولم تفعل شيئا عندما اختفى كنز النمرود من الخزانات الحصينة المخبأة تحت دجلة, ولم تفعل شيئا ضد الذين انتهكوا حرمة المواقع البابلية فنبشوها بالخنادق العميقة ثم دفنوا فيها شبكة أنابيب البترول, ولم تفعل شيئا ضد الذين نسفوا تمثال (أسد بابل) في البصرة, وها نحن نسمع اليوم قعقعة الفتاوى الجهادية, التي أعطت الضوء الأخضر لعناصر ميلشياتها المسلحة, وأمرتهم بنسف أهرامات الجيزة, وأوصتهم بتدمير معالم الحضارة المصرية القديمة بذريعة تطبيق الشريعة, وبذريعة تحطيم الأصنام والأوثان والمعابد, من دون أن يُلقى عليهم القبض, ومن دون أن يُساقوا إلى المحاكم لينالوا الجزاء العادل. .

لقد نهبوا المتحف العراقي كله, وحطموا كل ما وقع تحت معاولهم, ثم سرقوا النسخة الأصلية للتوراة والنسخة الأصلية للتلمود, واستعرضوها (عيني عينك) في احتفال كبير عند حائط المبكى بمشاركة حاخامات الأشكناز والسفارديم والفلاشا والصباريم, فالهدف الأساس هو طمس آثار الحضارة في البلدان العربية كلها, وتوجيه أصابع الاتهام إلى العرب أنفسهم. .

نحن اليوم على مشارف صفحة انتقامية جديدة من الصفحات السود, التي كتبوها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر, صفحة ترتفع فيها أصوات المجانين فوق أصوات البقية الباقية من العقلاء, صفحة يراد منها إعلاء صوت السلاح على صوت المنطق, صفحة تعاقدت فيها القوى الغاشمة مع قوى الإرهاب الشريرة, وتعاطفت مع تنظيماتها السرية والعلنية لغايات مريبة لا علم لنا بها. .


يزعم المجاملون والمتحذلقون أن دعوات الجوهري وشلته لا وزن لها, ولا يمكن الاقتناع بما يقولونه, ولكنهم لا يعلمون إن مثل هذه الدعوات ستداعب نفوس المتطرفين السذج, وتحرضهم على ارتكاب كل الحماقات التي تراودهم, وهناك من يزعم أن الرجل مصاب بلوثة دماغية وينبغي إدخاله المصحات العقلية حتى يبرأ. ونرى أنها مجرد مزاعم يراد منها التقليل من أهمية النوايا الخطيرة, التي يضمرها الجوهري وجماعته. .

ختاما نقول أن مهندس التدمير والتخريب (مرجان) لا يمزح ولا يحب (الهزار), فهو ينطلق من تكليفه الشرعي, ويعبر عن رأيه العقائدي بصراحة ووضوح, من دون خوف أو تردد, في الوقت الذي يصر فيه على تحطيم رموز الحضارة المصرية ومعالمها جملة وتفصيلا, لذا يتعين علينا أن نأخذ تصريحاته على محمل الجد, وأن لا نتلمس له الأعذار, خاصة أنه شارك في تحطيم الآثار المتبقية من حضارة شبه القارة الهندية. .

والله يستر من الجايات






جريدة المستقبل العراقي