الرئيسية » دراسات » الكورد في العصر العباسي حتى مجيء البويهيين (132-334هـ / 749-946م) 23

الكورد في العصر العباسي حتى مجيء البويهيين (132-334هـ / 749-946م) 23

الكورد قبيل استيلاء البويهيين على بغداد

اخبار اخرى للكورد :

استغلت بعض القبائل الكوردية القاطنة في المناطق الجبلية المتاخمة لحدود اقليم العراق من جهة الشرق ، حالة ضعف الخليفة وفقدان الامن وتعدد الحكام ، فأستأثرت بالوضع القائم في مناطق نفوذها ، وقامت باعمال مضادة لمصالح حكام الاتراك ، فنجد افرادها في سنة ( 325هـ / 937 م ) مستحوذين مع بعض الاعراب على نواحي الدسكرة (94) ، وفي هذه الاثناء تولى بنال البكراني اقليم الجبال ، فجرد معه حوالي خمسمئة من الغلمان الحجرية (95) ، مع صاحبه هنكره الى الجبال ، فلما وصلوا الدسكرة جرت معركة بينهم وبين القبائل الكوردية والعربية المتغلبة هناك وذلك في ربيع الاول من سنة ( 325هـ / 937 م ) ، فغنمت الحجرية ” غنيمة عظيمة ” ( 96) . وتعرض رجال بعض القبائل الكوردية في شوال سنة ( 327 هـ / 939 م ) لقافلة تجارية قادمة من خراسان وقطعوا الطريق عليها ونهبوها ( 97) . ويذكر الصولي ان اول حادثة هامة وقعت في خلافة المتقي ( ربيع الاول 329 ـ صفر 333هـ / اواخر 940 ـ 944 م ) هي قيام الكورد الشاذنجانية (98) بقطع الطريق على قافلة تجارية متجهة من بغداد الى خراسان ونهبها ، وكان معظم . اموال القافلة لاصحاب امير الامراء بجكم (99) ، وكان الغلام لؤلؤ الذى عين واليا على طريق خراسان يحمي القافلة ومعه جماعة من الاتراك ، وكان قسي الاتراك قد تعطل بسبب هطول الامطار ، ولم يكن لديهم عدة اخر ، فاستولت الشاذنجانية على اموال القافلة بالرماح والسيوف ، وكانت بها ما مقداره ثلاثة ملايين دينار من العين والورق ونحوه من الامتعة الاخرى (100) .

الكورد وامير الامراء :

استحدث الخليفة الراضي في سنة ( 324هـ / 936 م ) منصباً سماه “امير الامراء ” ، وكان قد اطلق على من يستأثر بالخليفة ويستبد بالامور في مقر الخلافة العباسية ويأمر وينهي فيها ، وتقلد منصب امير الامراء اشخاص عدة اغلبهم من الاتراك خلال عشر سنوات ( 324 ـ 334 هـ / 936 ـ 946 م ) (101) .

1ـ محمد بن يزداد الكوردي وعلاقته مع امير الامراء ابن رائق :

كان محمد بن يزداد من كورد شهرزور فنسب اليها (102) ونائبا لاول امير للامراء ابن رائق على البصرة سنة ( 325هـ / 937 م ) (103) ولعب دورا بارزا في الحوادث التي شهدتها البصرة وغيرها في عصر امرة الامراء وابلى بلاء حسنا في الدفاع عن مصالح ابن رائق في البصرة والشام ، وبرز دوره اثناء اشتداد الصراع بين ابن رائق والبريديين ، نتيجة لتأخر ابي عبدالله البريدي عن ارسال مال الاهواز الى بغداد والاستئثار بها (104) . ضمن ابو يوسف البريدى ( اخ ابا عبدالله ) خراج البصرة وولايتها ، واستعد للتوجه اليها وهي من ممتلكات ابن رائق مستخلفا بها نائبه محمد بن يزداد الشهرزوري (105) . كان ابن يزداد قد اساء السيرة بالبصرة واستبد بالامور فيها وظلم اهلها ظلما مفرطا ، لذلك خرج اهل البصرة واعيانها باجمعهم الى سوق الاهواز لاستقبال ابي عبدالله واخيه ابي يوسف ، وهنأوه ورحبوا بضمانه البصرة واخراجها من يد ابن رائق ونائبه ابن يزداد ، فوعدهم ابو عبد الله برفع ظلم ابن يزداد عنهم ودفع شر القرامطة عن البصرة مع التعهد لهم بالقيام باصلاحات اقتصادية وامنية فيها (106)

كانت الخطوة التالية لابي عبد الله البريدي هو التخطيط للسيطرة على البصرة وطرد ابن يزداد منها ، فبعد ضمن ولاء اهلها لنفسه ، جهز احد غلمانه المدعو اقبال في الفي رجل من اتباعه وسيره نحو البصرة ، وامرهم بالاقامة في حصن مهدي (107) الى ان تأتيهم الأوامر بالمسير نحو البصرة ، فلما وصل الخبر الى ابن يزداد قامت قيامته (108) ، ثم امر البريدي باسقاط بعض الضرائب والاموال التي كان يأخذها ابن يزداد من اهل البصرة ليطمئنهم ويجعلهم يقاتلون معه ضد ابن رائق ونائبه بالبصرة (109) . راسل ابن رائق البريدي ودعاه للتخلي عن فكرة احتلال البصرة الى جانب مطاليب اخرى ، وكان جواب البريدي بالرفض ويبرر عناده بان اهل البصرة يخشون القرامطة الذين دخلوا الكوفة ، وان ابن يزداد عاجز عن حمايتهم ، وعن منع دخول القرامطة الى البصرة ، وادعى بان اهل البصرة طالبوا اصحابه بالسير اليهم لسوء سياسة ابن يزداد معهم ، فخرج ابن رائق حالاً من بغداد ونزل قصر ابن هبيرة (110) ومنها كاتب ابا طاهر القرمطي وطالبه بالكف عن هجماته على البصرة ليزيل بذلك مزاعم البريدي ، فعاد القرمطي وأوقف هجماته ، وعندها عطف ابن رائق نحو واسط ونزلها وجاهر البريدي بالخلاف (111) امر البريدي فور سماعه بنزول ابن رائق في واسط اصحابه المقيمين بحصن مهدي بالزحف نحو البصرة ، فدخلوها بدعم مباشر من الغلمان الحجرية الفارين من ظلم ابن رائق ، واخرج ابن يزيداد مكان الصغدى وتكبن التركيين على رأس جماعة من جند البصرة لردع البريديين ومنعهم من دخول المدينة ، فجرت معركة بينهم واسفرت عن هزيمة جند البصرة ، فعززهم ابن يزداد بقوات اخرى من غلمانه الخاصة ، فاقتتلا للمرة الثانية ، فكانت الهزيمة من نصيب جند البصرة ايضاً فدخل اقبال وجماعته الى البصرة وقبضوا على جميع اموال ابن يزداد فيها ، اما ابن يزداد ففتح باب البصرة وهرب الى نواحي الكوفة سالكاً طريق البر ، وتفرق قادته واصحابه (112) . نكث البريديون بجميع العهود التي قطعها رئيسهم ابو عبد الله لأهل البصرة فاعملوا بهم اعمالاً تمنوا ايام ابن رائق ونائبه ابن يزداد وعدوها اعياداً (113) ورد خبر دخول البريديين الى البصرة الى ابن رائق ، فشخص رسولاً الى البريدي برسالة فيها ترغيب وترهيب ووعد ووعيد ، غير ان البريدي اصر على البقاء بالبصرة وعدم الرحيل عنها ، خوفاً من تجدد العلاقات بين ابن يزداد واهل البصرة النادمين من حملاتهم للبريديين (114) . لا يدلى مسكويه بمعلومات عن مصير ابن يزداد بعد خروجه من البصرة ويظهر ان البريديين قد القوا القبض عليه فيما بعد وأودعوه السجن بالبصرة ، وبقي فيها حتى السنة التالية ، حيث يذكر صاحب العيون ان ابن يزداد هرب من سجن البصرة سنة (326هـ/938م) بمساعدة بعض اصحابه الثقاة ، وذلك بعد ان خدع حراس السجن (115) . اكرم ابن رائق نائبه ابن يزداد وولاه منصب صاحب الشرطة ببغداد سنة (327هـ/939م) (116) ، ويروي الصولي انه عندما عظم امر العياريين (117) ببغداد واساءوا الى الناس لاحقهم ابن يزداد وهو صاحب الشرطة واعتقل جماعة منهم وضربهم بالسياط (118) . قلد الخليفة الراضي بالله بشرى الا؟؟ شرطة بغداد وذلك في شهر ربيع الاخرة من سنة (327هـ / 938م) (119) ، وهذا يعني ان ابن يزداد قد عزل عن منصبه قبل هذا التاريخ او فيه كما يرى البعض ذلك (120).

ولى ابن رائق اعمال الشام سنة (327هـ / 938م) ، فسار اليها ودخل مدينة حلب في السنة التالية (121) وبقي ابن يزداد مصاحباً له ، وكان يلازمه في حله وترحاله ، فعينه هذه المرة نائباً على مدينة حلب ، وسار هو الى دمشق لمواجهة الاخشيديين (122) الذين استولوا عليها وعلى نواحيها (123) . حقق ابن رائق انتصاراً باهراً في دمشق وطرد بدر بن عبد الله عاملهم عليها ، غير ان الاخشيديين لن يوقفوا حملاتهم على بلاد الشام فدامت المعارك بين الطرفين الى حقب لاحقة ، وكان الانتصار فيها بالتناوب (124) ، غير ان محمد بن طفج الاخشيدي اراد ان يحسم الموقف مع ابن ارئق ، فارسل قائده ، المعروف كافور الخادم على رأس جيش كبير نحو حلب ، فجعل كافور القائد مساور بن محمد الرومي في المقدمة ، ففتح مساور حلب واسر عاملها ابن يزداد ، فعينه كافور على حلب وعاد الى مصر (125) . والجدير بالذكر ان الشاعر المتنبي (303-354 هـ / 915-965م) قد مدح مساور الرومي في انتصاره على ابن يزداد بقوله :

اساور ام قرن شمس هذا

ام ليث غاب يقدم الاستاذا (*)

شيم ما انتضيت فقد تركت ذبابه

قطعاً وقد تراك العباد جذاذا

هبك ام يزداد حطمت وصحبه

اترى الورى اضحوا بنسبي يزداذا (126).

الحواشي :

(94) عن موقع الدسكرة ينظر : ص (24) .

(95) الغلمان الحجرية : هم ضرب من الحرس الخاص وجدوا في دار الخلافة ، وظهر هولاء في عصر الخليفة المعتضد ، وكانوا قد وضعوا في حجرات خاصة بهم ، لكل حجرة اسم يخصها ، وكانت عدتهم كاملة ومتى طلبوا لمهمة لم يجدوا عائقا .

حمدان عبد المجدي الكبيسي : عصر الخليفة المقتدر ، ص 281 ـ 283 . (96) الصولي : اخبار الراضي بالله ، ص 88 . (97) م . ن ، ص 136 .

(98) كانت تقطن مع قبيلة الجورقان في نواحي حلوان . (99) اخبار الراضي بالله ، ص 192 . ابن الجوزى : المنتظم ، 6/ 318 ابن كثير : البداية والنهاية ، 11/ 200 . (100) اخبار الراضي بالله ، ص 192 .

(101) الهمذاني : تكملة تاريخ الطبرى ، ص 303 ، 304 . الكامل ، 6/254 ـ 255 . وللمزيد من التفاصيل عن اسباب استحداث منصب امير الامراء وعصره والامراء الذين تقلدوه ينظر : تقي الدين عارف الدورى : عصر امرة الامراء ، بغداد 1975 م . (102) الكامل ، 6/294 . ابن العماد الجنبلي : شذرات الذهب ، 2/306.

(103) تجارب الامم ، 1/ 364 . الكامل ، 6/259 . لايعرف بالضبط المنصب الذى تقلده ابن يزداد لابن رائق ، فمسكويه يذكر انه والي الحرب بها ، وفي الصفحة نفسها يذكر انه خليفة لابن رائق عليها ، اما الهمذاني فيقول انه كان متولي البصرة ، بينما يذكر ابن الاثير والاخرون انه كان نائبا لابن رائق على البصرة .

(104) تجارب الامم ، 1/ 358 . تكملة تاريخ الطبرى ، ص 305 ـ 306 . (105) تجارب الامم ، 1 / 364 . الكامل ، 6/ 259 . (106) تجارب الامم ، 1 / 364 . الكامل ، 6/ 259 . (107) حصن مهدي : بلدة في نواحي خوزستان في جنوبي الاهواز وعلى نهر السرقان معجم البلدان ، 2/266 . (108) تجارب الامم ، 1 / 365 . تكملة تاريخ الطبري ، ص 306 . الكامل ، 6/259 . (109) تكملة تاريخ الطبري ، ص 306 . الكامل ، 6/259. (110) قصر ابن هبيرة : ينسب الى يزيد بن عمر بن هبيرة الذي بناه على مقربة من نهر سورا ، ولما تولى ابو العباس السفاح الخلافة نزله وزاد في بنائه وسماه الهاشمية واتخذه عاصمة للدولة العباسية ، معجم البلدان ، 4 / 356 . (111) تجارب الامم ، 1 / 367 . تكملة تاريخ الطبري ، ص 307 الكامل ، 6/259 . (112) تجارب الامم ، 1 / 376 . الكامل ، 6/259 . (113) تجارب الامم ، 1 /270 ، تكملة تاريخ الطبري ، ص 309 . (114) تجارب الامم ، 1 / 370 ، الكامل ، 6/259 . (115) العيون والحدائق ، ج 4 ، ق2 ، ص 69 .

(116) الصولي : اخبار الراضي بالله ، ص 119 العيون والحدائق ، ج 4 ق 2 ، ص 76 . (117) العيارون : كانوا مجموعة من ابناء الطبقات الفقيرة ، مارسوا اسلوباً مستنكراً في سبيل العيش وقاموا بحركات تمرد غير واعية مستغلين ظروف الاضطرابات وغلاء الاسعار ، وكان امير الامراء وكبار موظفيهم مضطرين الى مداراتهم وتخصيص الرواتب لرؤسائهم ، ينظر حول اعمال العياريين : اخبار الراضي بالله ، ص 89 ، 104 ، 119 0 121 عصر امرة الامراء ، ص 319 – 320 . (118) اخبار الراضي بالله ، ص 120 (119) م . ن ص 171 . (120) تقي الدين عارف الدوري : عصر امرة الامراء ، ص 260 (121) ابن العديم زبدة الحلب في تاريخ حلب ، دمشق 1951 ، 1 / 100 الذهبي : العبر في خبر من غبر الكويت 1961 ، 2 / 207 (112) الاخشيديون : نسبة الى محمد بن طفج الاخشيدي الذي كان والياً على مصر منذ سنة (321هـ / 933 م) ، واعلن استقلاله سنة (323هـ / 925م) ، وكانت الامارة في صراع مستمر مع الخلافة العباسية بهدف ضم الشام الى ممتلكاتها ، الى ان تمكن الفاطميون من اسقاطها سنة (358هـ/969م) .

(123) زبدة الحلب ، 1 / 100 . (124) تجارب الامم ، 1 / 414 ، الكامل 6 / 274 ، زبدة الحلب ، 1/100-101 . (125) زبدة الحلب ، 1 / 101 . (*) يذكر ان ابن العديم ان المتنبي يقصد بالاستاذ كافور الخادم . زبدة الحلب ، 1 / 101 . (126) ديوان ابي الطيب المتنبي ، تصحيح وتعليق الدكتور عبد الله عزام القاهرة 1944 م ،ص 63 .


الأربعاء 11-07-2012
Taakhi