الرئيسية » دراسات » الديانة الزردشتية الكوردية أقدم ديانة توحيدية

الديانة الزردشتية الكوردية أقدم ديانة توحيدية

في بلاد ميديا ظهر المصلح او ( النبي ) زردشت سنة ( 606 قبل الميلاد ) ليجد العبادة موزعة بين ( هرمز ) أله الخير و ( أهرمن ) أله الشر فأدخل التوحيد لأول مرة في الفكر الديني ودعا الى عبادة آله واحد أحد ، والله عند زردشت موصوف بأكمل الصفات ، ويقول ان الله خلق الدنيا على ست مراحل :

( السماء ثم الماء ثم الأرض ثم النبات ثم الحيوان واخيراً الأنسان ) وكان يؤمن بالبعث بعد الموت وبالحساب والعقاب والثواب . فكان يقول ان الأخيار يرفعون الى السماء والاشرار يقذفون الى الهاوية .. اي الجنة والنار


وكانت النار تقدس عند زردشت بأعتبارها أطهر المخلوقات لا باعتبارها ألهاً يعبد ، وكان يؤمن بالروح وانها تخلق لكل انسان قبل ان يخلق جسده وهو الذي حطم الأصنام والأوثان بالنسبة للديانة الأرية ورفع راية التوحيد في ربوعها . ولد زارا فوشترا بوروزهازيو في سنة (660 ق.م ) من قبيلة ميدية أسمها ( أسبيمان ) في أذربيجان وامه من مدينة راكس ( الري ) واسمها ( دو غدوما ) وهناك روايات اخرى حول تأريخ ميلاده حيث يقول العالم المستر ( جاكسون ) الأختصاصي الشهير في العقيدة الزرادشتية ، ان ( زردشت ) ولد في النصف الثاني من القرن السابع (ق.م ) والروايات الزردشتية نفسها تفيد ان هذا النبي او المصلح ولد في القرن السابع قبل الميلاد . ، وشرع في بث تعاليمه ونشر دعوته على شواطئ بحيرة (آرومية ) حتى مات في أواسط النصف الأول من القرن السادس ( ق.م ) .يقول المستر (همل ) في كتابه انه يستفاد من الروايات القديمة ان ( زردشت ) ولد سنة ( 599 ق.م ) تقريبا ً.

عند ولادته لم يبك مثل سائر الاطفال وانما قهقهة بصوت عال اهتزت له اركان البيت وأرتعد حتى أن ( أنسرون ) كبير كهنة وسحرة الميديين والنائب عن الملك في المقاطعة تنبأ عند ولادته بانه عندما يكبر سيقضي على السحر وعلى عبادة الاصنام ويطرد السحرة والكهنة من البلاد لذا اخذ يدبر له المكائد لقتله فارسل ثلاثة من سحرته لخطف الطفل وأحضاره اليه وقام باعداد النار على المذبح ووضع الطفل في وسطه وانطلق مع سحرته خارج المعبد ولكن ارادة الله حفظته من النار.. فعندما رجعت ام الطفل الى البيت ولم تجده انطلقت الى المعبد لتصلي وتدعو الالهة ان ترده اليها فوجدته يلعب بابتهاج وسط اللهب فتاكد كبير السحرة بان زارا ليس طفلاً عادياً ، وحاول مرة اخرى قتله بخطفه ووضعه وسط الطريق العام حيث يمر قطيع من الماشية ولكن اول بقرة من القطيع اسرعت نحو الطفل ووقفت تغطيه بجسمها وظلت في مكانها حتى مر القطيع كله ومرة اخرى سرقه ووضعه في وكر للذئاب وقال في نفسه حتى اذا لم تاكله الذئاب فلا شك بانه سيموت جوعاً ولكن الذئاب عندما عادت الى وكرها شمت رائحة الطفل فاقتربت لتنهشه ولكنها تسمرت فجاة في مكانها وعجزت عن الحركة بينما دخلت عنزتان الوكر بغير خوف وراحتا ترضعان الطفل ثم سحبت الذئاب الطفل ووضتعه على الطريق العام حتى عثر والداه عليه وايقنوا بانه سيصبح عظيم الشان لذا قررا تعليمه احسن تعليم في البلاد فتعلم القراءة والكتابة والكثير من العلوم واحب الطب وكرس اعواما كثيرة للتطوع لخدمة الناس في التطبيب ثم ترك أهله وزوجته وكان اسمها ( هافويه ) واعتكف في جبل ( سايلان ) حتى اكتشف سر الحكمة في خلق الله قوى الخير والشر في الارض ، لما بلغ ( زردشت ) من العمر عشرين ربيعا ً، أعتزل الناس وأنزوى عنهم في محل مهجور وأخذ يمارس الرياضة الروحية وحيداً فريداً ، وفي الثلاثين من عمره هجر وطنه وبحيرته وسار الى جبل وأقام عشر سنوات أخرى يتمتع بعزلته وتفكيره الى أن تبدلت سريرته فنهض يوماً من رقاده مع أنبثاق الفجر ودعا الناس الى شواطئ نهر (دائيتيا ) الذي يقال انه نهر الرس ( يراكس ) الى معرفة وعبادة الله الخالد المقدس ( جاودان مقدس – الخالد والباقي ) وأخذ بعد ذلك يقوم بالدعوة والأرشاد بين بلاد ( توران ) ( سكستان – سجستان ) ولكن لم يجد في ذلك نفعاً لأن رجال الدين في ذلك العهد حالوا بينه وبين مبتغاه . وبعد ذلك ذهب ( زردشت ) الى ( ديشتاسب ) حاكم ( بافتر ) فتمكن هنالك في خلال سنتين وبعد جهد جهيد من هداية الحاكم المذكور الى دينه وحمله على الأيمان برسالته ، كما ان وزير الحاكم المذكور واسمه ( جاماسب ) عضده في ذلك تعضيداً كبيرا ً ، حتى تزوج اخيراً بأبنته ، الأمر الذي أفضى الى أنتشار الديانة الزردشتية انتشاراً كبيراً ، ولاسيما بعد أعتناق الحاكم ديشتاسب في جميع الأمبراطورية الميدية والتي كانت تشمل البلاد الأيرانية والتورانية وبلاد الهند وآسيا الصغرى .

مبادئ وتعاليم زرادشت

يؤخذ من كتاب الابستاق ( آفستا ) والذي كتبه زردشت بنفسه وبخط يده وبماء الذهب على (12000 ) قطعة من جلد الأبقار المدبوغة التي أهديت له من قبل الملك الميدي ( كوشتاسير ) في عام 628 ق.م ، وتشير بعض الكتب البهلوية الى ان تعاليم زردشت ترجع الى هذا المبدأ : خلق العالم من شيئين ( النور والظلام ) فهاتان القوتان دائبتان على الحرب والخصام تغلب هذه مرة وتغلب الاخرى مرة اخرى ، وهكذا العالم منقسم الى معسكرين مختلفين في احدهما جيوش النور وفي الثاني جيوش الظلام ، فقائد الجيش الاول يدعى ( هرمز- اهورامزد ) وكبير الجيش الثاني يسمى ( آهريمن- ئيكريمينو ) ( فهرمز) له ستة من المعاونين يطلق عليهم ( ئيمشبنتان – الخالدون – المقدسون ) يقفون في حضرة هرمز منتظرين أوامره ، فمثلا ان ( بهمن ) من هؤلاء موكل للنار و ( أسفندرمز ) للأرض . وهناك جماعة الخالدين المقدسين ، تأتي جماعة أخرى من الأرواح المجردة يطلق عليهم أسم ( يزد- ايزد ) وهؤلاء عددهم كثير وكل واحد منهم موكل بيوم من ايام الشهر وينقسمون الى قسمين ، سماوي وأرضي ( فهرمز ) في أعلى طبقة السماويين و ( زردشت ) في مقدمة الأرضيين ، وكل واحد من هؤلاء الزندين موكل بأمر من الأمور الكونية ، وهناك ايضاً جماعة من الأرواح المجردة غير هؤلاء . كما ان لـ( هرمز ) جنداً ومعاونيين ، ولقوى الشر ( أهريمن ) ايضاً جند ومعاونين يطلق عليهم أسم ( ديو- دشو ) حيث يكون ( أهريمن ) في مقدمتهم ويقابل ( الخالدين المقدسين ) ستة من الديوات . فأهريمن ومعاونوه من الديوات موكلون لمنع الخير وعمل الشر ، فالظلام والشرور والكذب والطغيان… الخ من صفات وتحريض ( أهريمن ) .

الخلاصة ان لكل من هاتين القوتين من التشكيلات والأنظمة والعناصر الفعالة ما للثانية تماماً سواء بسواء في الخير والشر .

على رأي كتاب ( البرسيون ) ان هذا الكتاب الزردشتي المقدس كتب في عهد الساسانيين وهو عبارة عن ( 21 ) سورة لم يصلنا منها سوى سورة واحدة وبضع آيات من بعض السور الاخرى ، وأن الأسم الصحيح لهذا الكتاب او السور الزردشتية هو ( زند- وآفستا ) ومعناه ( قانون وتفسير ) و ( زند ) هو التفسير فهذا الكتاب قد الف وجمع بمختلف اللهجات الأيرانية في عهود مختلفة وفي مناطق عدة ، فمن هنا كانت تسمية هذا الكتاب بلفظة ( آفيستا ) فبناء على هذه النظرية وما يؤخذ من الأثارالمكتشفة الايرانية التي يرجع تأريخها الى القرون الوسطى يجب ان يكون لفظ ( زند ) الذي معناه التفسير من الالفاظ البهلوية .

اقسام الأفستا :

كاث : – عبارة عن مجموعة أوراد وأدعية ، ويظهر ان لغة هذا القسم اقدم من (آفستا) نفسه ، وانه كتب بلهجة عامة لجميع البلاد الأيرانية (الآرية) ، فهو منظوم واقدم من جميع الكتب ويحتوي على مباحث دينية بسيطة أولية تتضمن ماعدا الأوراد والأدعية والمناجاة بعضاً من الفقرات الأدبية التي تبحث عن (زردشت) وأسرته وعشيرته ، أما (خورده آفيستا) أي (الابستاق الصغير) فيبحث عن الملائكة واقسام الأدعية .

نديداد : – يبحث عن طرق مطاردة الشياطين .

يسبري د : – يبحث عن الأدعية التي ترفع الى الأله الذي هو خالق الكائنات جميعاً.

القربان بس : – هي الأدعية التي تتلى في الصلوات وعند تقديم الضحايا .

هذا وفي عهد الفتوحات الأسلامية عامل المسلمون ( وبأمر من سيدنا عمر رضي الله عنه ) الزردشتيين معاملة اهل الكتاب ، مما يدل على ان (الأبستاق) كان يعد في نظر المسلمين كتاباً سماوياً .

ترى العقيدة الزرادشتية : ان الروح باقية خالدة بحيث تشعر بالألم والسرور بعد ثلاثة ايام من مفارقتها للجسد ثم تصل بهذه الحالة الى جسر ( جينويت ) وهناك تحاكم أمام ثلاثة من القضاة الذين يزنون أعمال صاحب الروح بالقسطاس المستقيم ، ان خيراً فخير وان شراً فشر ، فيصدرون الحكم بموجب ذلك الميزان ، وعلى هذه الروح بعد ذلك ان تجتاز جسراً اخر يمتد من قمة جبل ( البرز ) الى ما واء ( دائيتيا ) فأذا كانت أعمال الروح خيرة وطيبة يتسع لها الجسر الدقيق والمعبر المخيف فيسهل لها المرور بسرعة هائلة ، واذا كانت أعمالها شريرة وقبيحة فيضيق لها الجسر ويتضاءل تضاؤلاً كبيراً فتضطرب وتسقط في الظلمات .

خلاصة القول ان الروح اذا كانت خيرة أي حائزة لصفات ثلاث ، تصل ولاشك الى عالم أرقى مما هي فيه والصفات الثلاث هي ، ( النية الحسنة ، والكلام الطيب ، العمل الصالح ) والعالم الراقي التي تدخل فيه تلك الروح هو مايسمى في اللغات الآرية القديمة والحديثة ( ئينوه هيشت -بهشت اي الجنة ) ، والروح التي تكون شريرة او مذنبة تدخل عالم الألام والمشاق أي (جهنم ) وهناك منزلة ثالثة تسمى (هيمستيكان ) بين الجنة والنار مخصصة للذين تتساوى أعمالهم الطيبة والرديئة وزناً ومقدارا فيبقون فيها منتظرين يوم التناد .

ثم يذكر الأبستاق شخصاً ثالثاً يدعى ( سا أوشيان ) يظهر قرب قيام الساعة فينقذ الناس مما هم فيه من الألام والمتاعب حيث يحيي جميع الأرواح ويأخذ في محاكمتهم وجزائهم الاخير . بعد ذلك كله تهب ريح عاتية ذراتها كذرات الرصاص الدقيق فتغطي وجه الأرض كله .

كان يردد زردشت بأستمرار ( ليكن سلام بينك وبين ربك وبين الأقربين ، فلا نوم هنيء بدون هذا السلام ، ويل للرجل الذي يهدم بيديه سعادته وسعادة أبنائه ، وويل للمرأة التي تدنس منبت أطفالها ، انني لم أجد أمرأة تصلح أماً لأطفالي الا المرأة التي أحبها ) ومن أسس ومبادئ هذه الديانة تقديس العناصر الأربعة ( الهواء ، الماء ، النار ، التراب ) . فلم يكن يسوغ تدنيس هذه العناصر بوجه من الوجوه ، فلهذا كانت النار شعاراً ورمزاً لـ( زردشت ) نفسه . ولم يكن يجوز ايضاً تدنيس المياه الجارية والراكدة ، وكان يتم دفن الموتى في التراب . كما كانت من مبادئ الديانة الزردشتية الأساسية : ان احسن عمل يقوم به المرء في حياته هو الأشتغال بالامور الزراعية والأقتصادية والعمل على توفير المال الذي هو عصب الحياة ، لهذا كان ( زردشت ) يحرم الصوم على الزراع لئلا يكونوا ضعافاً خائري القوى .

يرى معتنقو هذا الدين ان زردشت كان نبياً يكلمه الله سبحانه وتعالى ويوحي اليه كسائر الانبياء ( كتاب فجر الاسلام ) . ويظهر انه في عهد الملك ( داريوس ) الكبير قد تلاشت آثار وشعائر وطقوس الديانة القديمة السابقة للزردشتية وحلت محلها ديانة ( مخ – موخ – مجوس ) التي توطد نفوذها في عهد هذا الملك الكبير وصارت ديناً رسمياً للدولة والأمة الأيرانية جمعاء . ليس لدينا معلومات قاطعة عن عقائد الشعب الميدي قبل زردشت غير ان بعض الأختصاصيين يقولون ان دينهم كان يقض بعبادة ( هرمز ) الا ان الموبذين ( مغان ) أي رجال الدين كانوا قد حشوا هذا الدين بالخرافات وأعمال السحر والكهانة فلما اراد ( زردشت )الذي كان من أفراد هذا الشعب أصلاح الحال وتطهير الدين من الخرافات والعادات السيئة حال هؤلاء الموبذين بينه وبين ما أراد فأضطر لمغادرة وطنه والهجرة الى ( باختر- خراسان وتركستان الحاليتين ) ولكنه بعد أنتصاره ونجاح دعوته الدينية وصيرورة دينه ديناً رسمياً عاماً في عهد الملوك الميديين والأخمينيين بعدهم ، دخل الشعب الميدي وغيره من الشعوب الميدية المجاورة هذا الدين الجديد شيئاً فشيئاً على مدى الأيام والسنين .

يظهر ان مذهب كل من ( ماني ) و ( مزدك ) اللذين ظهرا بعد زردشت لم يؤثر في أهالي كوردستان قط ، لأنهم وجدوا حتى صدر الأسلام محتفظين بالديانة الزرادشتية .هذا وان تحقيقات وأبحاث بعض من العلماء ، تثبت وجود وبقاء بعض عقائد اخرى قديمة جداً في كوردستان ردحاً طويلاً من الزمن مثل عبادة الأصنام ، وعبادة الأشجار . كما ان الديانة المسيحية لم تلق نجاحاً كبيراً في كوردستان .

يقول السيو ( هوفمان ) في مؤلفه القيم ان ( المارماريين ) بمدينة ( الرها ) أنتشروا في القرن الثالث الميلادي في مدينة ( شاهكرد ) الواقعة بين ( أربل والداقوق ) ، وكان سكان هذه البلاد وملكها قبل ذلك من الذين يعبدون الأشجار ويقدمون الضحايا لصنم مصنوع من النحاس . وان قسيساً يدعى ( أيشوياب ) قد بنى ديراً بجوار قرية ( الثمانين ) الشهيرة ( على مقربة من جزيرة ابن عمر ) في نفس المحل الذي كان قدماء الكورد يقدمون فيه ضحاياهم وقرابينهم للنبي نوح عليه السلام .

قتل ( زرادشت ) وهو في سن الشيخوخة في حرب دينية كان قد أثارها ضد الشعب الهيوني ، وكان قائد جيوش الهيونيين يدعى ( آرجاسب ) .

ـــــــــــــ

1- المستر همل ، تأريخ أيران القديم .

2- المستر هوفمان ، تأريخ الشرق الأدنى القديم .

3- كتاب فجر الاسلام .

4-علي خيون ، الديانات العراقية القديمة .

Taakhi