الرئيسية » مقالات » جمعة بغداد .. بين المطيرجية والكتب !!

جمعة بغداد .. بين المطيرجية والكتب !!

كان طريقي في السابق وقت صباحات الجمع نحو ساحة التحرير , حيث الهايدبارك المستحدث النشط لأفراد وجماعات من مختلف المشارب والنحل تتجمع داخل حديقة الأمة وخارجها يضللها تاريخ العراق المنحوت لوحة رائعة جامعة لجواد سليم , وبين الحديث والصراخ , الشكوى والضجيج , كنت احاول الابتعاد قليلا من وسط المركز لأرى واقرأ , والمهم افهم , المدى القادم ودرجة التمرد بين التمثيل والواقع , والأهم الوعي المكتسب لضرورة التعبير الانساني للرأي والحاجة الفردية وتنسيقها ضمن الجماعة , والخروج من مرحلة الببغاء المردد المستنسخ الى ال (أنا) الضائعة عندنا والتي هي اساس , الأنتخاب , حق الاختيار , المجتمع الديمقراطي المنشود , والسائد حكما في الدول المتقدمة .
كان غيري يراقب ايضا , بعدد اكبر وعيون مفتوحة اكثر , كنا ننادي نتحرك نتضاهر نتشاجر , كبار وصغار نساء ورجال , للوطن , للحرية , للحقوق , للعدالة , لمستقبل خال من الفساد والمفسدين , ولكن الأخر تواجد سريعا واصبح جزء فاعل من الساحة قبل ان يتحول الى اللاعب الرئيسي صاحب الصوت الأعلى , سمهم ماشئت , أزلام سلطة , بلطجية , شبيحة , يهتفون لأشخاص مسؤولين لا يحتاجون الا لدعاية شخصية اولا , وقطع دابر اي تحرك مستقل خارج اطار مسيرات الببغاوات المتحركة , شخصيات حاكمة طفيلية ركبوا الموجة الامريكية الأيرانية واستقروا على كراسي المسؤولية , بتفكير شمولي وممارسات رجال المافيا تجاه الشعب الاعزل , ثم زادوا وقل عددنا , أموال النفط الحكومية تقدم مصرف الجيب للشبيحة ,سيارات الجيش والشرطة والاسعاف والمطافي تغطي ساحات التجمع بلا سبب غير التشويش ودفعنا بعيدا , الأسلاك الشائكة تمتد وتمتد وتتراكم يحرسها اهل الممنوع أخي شوفلك غير طريق !!؟؟ وخفتت اضائة شموع نهارية كان همها تحويل حديقة الأمة الى مايشبه هايدبارك الحرية في بغداد , حسنا انها جولة يا ارض دجلة والفرات .
تلك هي هواجسي واحلام يقضتي وأنا اعبر ساحة الطيران بأتجاه شارع الجمهورية هذه المرة متمثلا بقول ماو تسي تونغ وهو يتجرع مرارة هزيمة معركة مع جيش الكومنتانغ ….. حسنا انه فشل أخر …. ويواصل المسيرة صوب الشمال , وأنا كذلك كان يجب ان امشي المسافة كلها الى شارع المتنبي , عل من عزاء بلقاء الاصدقاء , فالشوارع الى هناك مقفله كلها على السيارا ت ويستوجب المرور بسوق الغزل حيث قرب الجامع وامام الكنيسة وقبل الشورجة ترى مايشبه يوم الحشر من الناس والحيوانات طيور ودواب واسماك وثعابين وقطط وكلاب وحشرات ماجمعت مثلها سفينة نوح , اضافة للعرباين المتحركة والجنابر الثابته ومطاعم الهواء الطلق والنظافة من الأيمان !! وما ادهشني هو العدد أولا , ألاف مؤلفة من ابناء العراق العظيم ذكور فتية بأغلبية ساحقة لم اشاهد غير بعض بائعات الأكل جالسات متلفعات بالعباءة والملابس السوداء , يعني تلكي ابنية تمشي لو سافرة مستحيل , الجماهير المتواجدة تعاملها الرئيسي هو بالطيور (مطيرجية ) بيع وشراء , انواعها , مأكولاتها , أدوات شربها واطعامها , اقفاصها كارتونات حفظها حتى شبكات صيدها من فوك التيغة , الدهشة الثانية هي في الملابس , دشاديش , شراويل, بجايم , تراكسوتات , قليل من العكل كثير من الغتر والجراويات تلف رؤوس شياب لاتملك افواههم أي بلك او سن سالم من الاعوجاج والكسر أن وجد , يرتدون نعل طكاكيات كيوات تسحل تحت اقدامهم حيث يختلط ويغطي الطين واكوام القاذورات الشارع والرصيف وانا اتطلع محاولا ايجاد ولو متر مربع واحد خال من أقدام مطيرجية العراق العظيم في المسافة من ساحة الوثبة حتى الوصول لجسر العبور عند راس الشورجة , وتسائلت مع نفسي ترى لمن سينتخب هؤلاء المواطنين من السادة المسؤولين او النواب المحترمين ؟ وكيف ستقع الطيور على اشكالها يوم الحساب ؟ ولم اسمع جواب لأني وصلت الى ساحة الرصافي وسلمت عليه ولم يجب كالعادة , واقفا شامخا شاخصا بنظره الى جسر الشهداء ودجلة الخير , وربما عصبيا منزعجا من رائحة القاذورات الممتلئة بها ساحته دوما خانقة وكاتمة عليه انفاسه , ويبقى صامدا لايهاجر .
اتجهت يمينا نحو شارع الرشيد ومدخل المتنبي لأتنفس الحضارة والمدنية وما تبقى منها في جنة الأمين والمأمون , وقصدي هنا حبهما للكتب والترجمة واكتساب المعرفة , وصباح جمعة المتنبي مزدحم مختلف تماما , ومن بدايته حتى نهايتة بين مقهى الشابندر وكبة ابو علي , ملحق بهما اللسان الواصل الى نهر دجلة , وعند هذا الشارع وهذه المساحة الضيقة تتبدل الطقوس ويتغير وجه بغداد , حيث لا (ضروك) وباقي مخلفات الطيور بل كتب , تتكوم تتكدس في الشارع والرصيف والمحلات وايدي الناس المختلفين شكلا ومضهرا , اول ملاحظة انك تشاهد تقريبا مجتمع طبيعي بمعنى مختلط ذكور واناث , شابات ونسوان , سافرات ومحجبات , باسمات لايشعرن غالبا بحرج كونهن بين الرجال , لاتسيرهن ثقافة (الدونية) الانثوية السائدة حاليا , بل ان بعضهن يسرن وحيدات , تصوروا دون محرم !! غير وجلات من حرشة اوكلمة جارحة , هو شعور بالمساواة والامان لأن من يتواجد من حولهم رجال بمعنى الكلمة , يتغلب فيهم وعندهم الوعي الانساني على غريزة الكبت والحرمان الحيوانية , قد لاتشاهد في كل الشارع على زحمته يوم الجمعة اكثر من الف او الفين من العراقيين وبعض الاجانب , وستجد حتما من تعرفه سابقا وافترقتم وسيكون حديث الكتاب ثالثكم وستلاحظ حتما ان كبار السن هم الأكثرية , وقد تأسف لفقدان اغلب الجيل الجديد عادة الألفة العراقية مع الكتب ولكنه الطريق الذي لايمكن ألا السير فيه , ستجد المارين والجالسين والواقفين , افندية غالبا , يطبع هندامهم النظافة وحسن الذوق والترتيب والقوط والباينباغات واحذية مصبوغة ملمعة , وبدل حديث الطويرني والشعلة بحمر , سيصل اذنك السياب وشكسبير وماركس والجواهري وقاسم وصدام وفيصل الاول متواصلين مع رغبة الامل بحياة افضل , وتنقضي الساعات في شارع نظيف واحاديث مشوقة , وندوات ادبية , وشرطة مسترخية , وكأنها تعلم أن هذا الهايدبارك غير ذاك في ساحة التحرير , فهو الأن تحت السيطرة ولا اشعر بالخيبة فالمهم التواصل , واخيرا ساعةالعودة المفضلة بالبلم والماطور مخترقا مياه دجلة الخير المنعشة على قلتها الى الضفة الاخرى الكرخ .