الرئيسية » مقالات » المالكي، والسير على الحبل المشدود

المالكي، والسير على الحبل المشدود

كلمة و تساؤل موجه للشعب قبل أن توجه إلى أعضاء مجلس النواب و السياسيين والمفكرين والكتاب الأفاضل في العراق. لا نعرف عن أي قيادي أو سياسي حصل على أعلى نسبة من الأصوات في الانتخابات لنفسه، و في اية ديمقراطية في العالم يعاني ما يعاني منه السيد المالكي اليوم من تحديد و انتقاد و اتهام و تصغير؟ و ليس لنا علم عن اي قائد وطني عانى كما عانى المرحوم الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم، و في ظروف مماثلة كما يعاني المالكي منه اليوم، و من أكثر من جهة وكتلة و من كتاب و صحفيين منتفعين ماديا من ممولي الداخل و الخارج؟؟
لذا أشبه الرجل كمن يسير على حبل مشدود عالي،
Walking the tightrope
و لا يحمل معه حتى عصى التوازن، ولا توجد تحته شبكة الأمان (safety net)، وهو ينظر إلى الأمام لا يأبه و لا ينظر إلى الأسفل، لان هدفه الوصول بالشعب الذي صوت له إلى اول مراحل إنشاء دولة المواطنة والقانون و الدستور و حرية الرأي و المعتقد، دولة المواطنة التي لا تفرق بين الناس لاختلاف ديانتهم أو معتقداتهم و لا طائفتهم أو عنصرهم القومي، يسير بدون عصى التوازن وهو قد ترك خلفه حاسة تميز الألوان أو حاسة التفريق القومي أو الطائفي أو الديني.
يتحمل نقداً عظيما مخربا بصبر أيوب، و يكاد يكون موجهاً من أصحابه اكثر من أعداءه، فيحاسبونه و كأن العراق قد تعمقت فيه الحياة الديمقراطية التي أسسها المقبور صدام، ولا يحسب حساب التدمير الذي زرعه الطاغية و البعثيون في هيكل وأخلاق المجتمع العراقي منذ اكثر من أربعون عاما. و لا نرى اليوم حتى بعض النقد البناء ولا حتى بصفة عتاب ممن يدعون الإخلاص للوطن.
لماذا؟ و نحن نرى ما تصرفه السعودية و دول الخليج بقيادة قطر من بذخ بالمليارات على النفاق و التخريب و تشتري قيادات الدول كما حصل في تونس و مصر و اليمن وليبيا؟

و لا نفرق عندما يتبرع العراق بأموال بسيطة كعشرة ملايين دولار فقط ثمن مئة الف برميل نفط للأردن في شدته وهو البلد الوحيد الذي بقى للعراق مجاوراً محايداً ومنفذاً لبضائع العراقية لتتنقل بأمان كالتصدير وألاستيراد، أو اقلها كما يتحمل العراق من نفقات على المشردين من الشعب السوري في مخيماتهم في العراق؟ أين المؤازرة و الإنصاف و أين المنطق و الحنكة عندما نحاسب الرجل في كل صغيرة و كبيرة في نفس الوقت الذي يحوم حوله كل من هبط الحس الوطني عندهم إلى اسفله و كل من يمول من الخارج و الداخل و كل من يعمل على ثلاث جبهات في اليوم الواحد فهو سياسي أو وزير في النهار وحزبي عند العصر في كتلته، ومرتزق و ممول من الخارج في الليل؟ هذا إن لم يكن يعمل مع الإرهاب كوظيفة رابعة ينتفع منها مادياً على حساب الشعب والوطن؟ هل حقا نحن أضحينا ملوكاً اكثر من الملك؟ أما لأننا نسير وفق مصالحنا الشخصية و طموحاتنا غير المتحققة وأهواءنا و اتجاهاتنا السياسية و بأفكار متشبعة مؤد لجة بالمبادئ التي أكل عليها الدهر وشرب، و تناستها شعوب العالم، فاصبح واحدنا يتدخل في الاقتصاد و التجارة و المشاريع الضخمة والتسليح والسياسات النفطية والعسكرية و السياسات النقدية وحتى في العلاقات الدولة التي تكون عادة متشابكة ومتشعبة وتحتاج إلى إمعان و دراسة لواقع الحال و المحيط. هل فكرنا مليا فيما نقوم به من تشكيك و بماذا نشير إلى الخبراء العراقيين في الخارج و كيف سيفكرون اكثر من مئة مرة قبل الأقدام بالعودة للعمل في العراق، عندما نصنع اليوم من الشاهد متهم، كما تهتر و تهستر النائب من كتله مقتدى على البغدادية امس فاتهم كل الناس الذين طلبتهم لجنه النزاهة كشهود اتهمهم بالخيانة في قضية وعقد لم يوقع بعد ولم تسدد اي مبالغ وهو يحمل ورقة واحدة يهش و يشير بها لكل موضوع يتفوه به و كانها شاملة كاملة كقميص عثمان أو ككرش مقتدى الذي يتهدل مع خطواته أن كانت إلى الأمام أم إلى الخلف؟
ننتقد المالكي عندما يشتري السلاح من الغرب، و ننتقده عندما يشتري السلاح من الشرق، و ننتقده عند تواجد الخبراء و المدربين في العراق، وننتقده عندما يرفض تواجدهم أيضاً، وننتقده عندما يعلن هو و بعد العودة من سفرته الأخيرة بأن الصفقة مع الروس لم توقع بعد وننتقده عندما يشعر باحتمال وجود فساد في الصفقة فيوقفها بنفسه، و يوعز بالتحقيق، و ننتقده عندما يعلن على الملأ تخوفه من وجود سماسرة صفقات فيعلنها ولا يتخوف ممن هم المساهمون بها، و من ورائها من الأحزاب الأخرى، ولا ننتظر التحقيق من باب الإنصاف لمن قد يكون متهم وهو بريء فنصنع من انفسنا محققين و حكام و منفذين في نفس الوقت، و إن كنا أبعد ما نكون عن معرفة الموضوع، و أن القضية ما زالت عند التحقيق ولا نتحفظ من اتهام الناس زورا قبل صدور قرارات الاتهام حتى لا نهتم لسمعة اهلهم وعوائلهم بين الناس.
كم من القادة العراقيين الآخرين يظهرون باستمرار على القنوات يتكلمون بكل صراحة عن المشاكل التي تدور في العراق اليوم ؟ فلماذا لا نطالب منهم بالتحدث للناس كما يصنع الرجل؟ أما نحن من ندعي الوطنية والإخلاص فنسمع كلامه وتمر الكلمات علي مسامعنا ولا نمحص فيما قد قاله الرجل لنعرف اقلها إن كان الرجل كاذبا أم صادقا فنحكم عليه مسبقا كما نحكم على من هم مجرد شهود و متهمون فقط و قبل صدور الإحكام، هل نحن حقا مع الرجل أم ضده فنضره و نسقطه بدون أن نفقه أو نعلم ما تجني أيدينا من ظلم أو عندما نتركه لقمة سائغة بأيدي كل الأعداء. ولا نزن أعماله بميزان صدق وإنصاف لنتعرف على إخلاصه ككل، أم على إخفاقه. ولا نؤازره عندما تكون القضية مصيرية كما يساند الأعضاء الآخرون في الجهة المقابلة قياداتهم على الرغم من زورها وبهتانها كما لو كنا مثل يهود النبي موسى (ع) “قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ”.

نتباكى كلنا عندما تهطل الأمطار بغزارة فتمتلئ الشوارع و الأزقة بالمياه وهذه تحدث في اكثر الدول تقدما عندما تمطر أمطار موسمية غزيرة و مركزة في بقعة جغرافية محددة و في وقت قصير. فحتى في لندن واعرف عن سعة وأمكانية مجاريها و قدمها مع ذلك تحدث هذه الحالات لأنه لا يوجد بلد يبني مجاري تتسع لكل حالات ألطوارئ التي قد تحدث كل خمسين سنة أو كل مئة سنة مرة، لانها ستكون إسرافاً و غير مفيد لعدم إمكانية التكهن والتنبؤ بالأنواء الجوية لأكثر من 48 ساعة والتي تتغير باستمرار. فعندما تسقط أمطاربحجم عشرة سم مكعب على الانج المربع الواحد و باستمرار مع رياح عاصفة تساعد في سرعة الجريان لن تتحمل و لا اي شبكة قنوات مجاري في العالم، ولن تتمكن فتحات المجاري عند الأرصفة من تصريف المياه بسرعة هطولها، ما جري في غرب و جنوب و جنوب غربي المملكة المتحدة في الأسبوع الماضي كما حدث في أمريكا و الصين و اليابان و إيران رأينا مثل ما رأينا في العراق هطول أمطار و فيضانات اكثر بكثير مما حدث في العراق و كيف كانت الناس تغرق بمياه الأمطار و رأينا نفس المشاهد المصورة كما شاهدناها في العراق و كما شاهدناها في السليمانية من قبل، هذا إذا تناسينا متعمدين من اسقط مشروع قانون البني التحتية وماذا حدث من تخريب وعدم صيانة شبكة المجاري في العراق منذ الحرب العراقية الإيرانية. و نعترف بان البلد غير متطور في هذا المجال و لا ندعي الكمال ولا حتى عشرة بالمائة منه إلا أن الإنصاف لا يجيب أن يغيب عن بالنا واهم شيء هو يجب الحفاظ على سمعة الناس و الأشخاص الذين طلبوا للشهادة فحولناهم نحن و الإعلام إلى متهمين وحكمنا عليهم مسبقا كما كان يحدث أيام محاكم التفتيش الأسبانية. فلمصلحة من هذا التسقيط للعراق، و لمصلحة من ما يحدث في العراق اليوم؟؟؟

لماذا لا نفرق بين من يعمل للإصلاح والإعمار، وبين من ينتقد للتهديم فقط في هذه الفترة الانتخابية، ينتقد كثير من الناس الحكومة عندما تعد العدة للمحافظة على الأمن أيام عاشوراء و لكن لا يلتفت احدنا إلى أن هذه الجموع الفقيرة تعتز بهذا اليوم كتعويض عن تعاستها و دعاء مستحب لمن تحب، و ليس مسيرة بطرا كما تصور و تنتقد، و إنما هو حب صادق عفوي بمن تؤمن به.

في المملكة المتحدة، تقام بمعدل ثلاثة أيام في الأسبوع مباريات لكرة القدم المغرم بها الشعب البريطاني، وبمعدل خمسين مباراة في كل يوم من تلك الأيام ويحضرها نحو خمسة و ثلاثون ألف مشاهد في كل مباراة، و تقوم الشرطة الوطنية البريطانية و المحلية بعمل كل جهدها و تستغل كل طاقاتها لتأمين الأمن و تنظيم مسيرة المشاهدين من محطات المترو إلى الملعب و بالعكس، و تكلف المملكة نحو خمسة ملايين جنيه استرليني لكل يوم مباراة، ولا ينتقد الناس هذا البذخ و الصرف ولا يسمونه تخلفاً، فلماذا نحاسب العراقيين لأنهم شعروا اليوم بحرية المعتقد، وتحاول الحكومة السيطرة على الأمن في المسيرات العاشورائية؟ أين الإنصاف هنا و اين حرية المعتقد و ماذا لو حدث لا سامح الله اي تفجير اضر بالزوار فماذا سنقول لنتهم و نشتم الحكومة لتقصيرها.

ما هكذا تحاسب الشعوب في معتقداتها. في موسم الصيف و في كل سنة تسير مسيرة في كل ألمانيا و بالأخص في مدينة برلين مسيرة يسمونها بالتكنو، و هي مسيرات لأصحاب الشذوذ الجنسي ( لن اذكر الملابس الخلاعيةاو عدمها في الشوارع ) و تستمر لأكثر من يوم و تقدم الشرطة ألمانية كل استعداداتها للمحافظة على الأمن وعلى المسيرة و بالسير ملاصقة مع المحتفلون خوفا من غضب من يرفض هذا النهج الشاذ ولا تنتقد الحكومة بانها تبذخ و تشل الشوارع والمدن من اجل حرية بعض الناس ذو الميول الخاصة.
أما نحن فكلنا ينتنمر على العراق وعلى حكومته وعلى شعبه وقواته وفي نفس الوقت نتصرف كأبطال مؤسسين للديمقراطية و لحرية الرأي والمعتقد.
يقوم كرنفال فني شعبي غنائي يحضره جمهور يقدر بمليونين في السنة، ومسيرات استعراضية في لندن في نهاية الشهر الثامن في منطقة (نتنكهل). يستمر لمدة يومين تغلق الشوارع المؤدية منه و إليه و تستعد الشرطة البريطانية قبل شهر للمحافظة على الأمن وتقول شرطة لندن أن كلفة الحفاظ على الأمن تتعدى سبعة ملايين باون لكل كرنفال. أما نحن فنتفلسف، ويخلق من كل منا فيلسوفاً و باحثاً اجتماعياً ذا باع ينتظر استلامه لجائز نوبل في الاقتصاد والاجتماع و النقود والتسليح والأمن ومحاربة النازية في غابات ألامزون. ألا نكون نحن من يسيء لأهل العراق مثل ما يسيء المتخلفون من وراء الحدود من أهل الظلام في مصر و تونس و اليمن و في ليبيا؟

يجب على كل من يحب العراق أن يعرف كيف ومتى يتوجب النقد والانتقاد وما هو نوعه و ما هي جديته، مع ملاحظة من سيستفاد منه إعلاميا لكي لا نقف مع أعداء العراق ولا يجب أن يكون من يقف مع المالكي من اجل العراق أن يتهم بحبه للعبودية والتحيز والانتماء له أو لقائمته بل يجب أن نفرق أولا وقبل كل شيء أن الوقوف مع الحكومة إذا كانت على حق ليس انتماءاً أعمى أو طائفي أو حزبي بل هو واجب وطني يحتمه علينا ضميرنا و حبنا لهذا البلد وشعبه إن كنا صادقين. وقفنا و ما زلنا نقف مع حزب العمال البريطاني ليس حبا بالحزب بل بمصلحة الشعب البريطاني حسب ما نعتقد.
ولا يجب أن تتهم الناس جزافا عندما تعبر عن موقف مؤيد للحكومة فيتهمون بأنهم منافقون أو انهم يركضون وراء المال والمنصب أو الجاه، الإنسان بريء دائما إلى أن تثبت جريمته. أليس هذا هو من اول مبادئ حقوق الإنسان فلماذا ندعي الاعتزاز بها ولا نطبقها؟
أتعجب و لا أجد تفسيراً ممن ينتقد السيد مسعود البرزاني ومواقفه غير العراقية و يكتب بقلم أنيق ولا يشعر عندما يتهم المالكي بالباطل وعن عدم وجود شواهد و ثوابت ، لانه بهذا يقف مع السيد مسعود شاء ذلك أم أبى، لو يحدث هذا من بعض مرتزقة التيار الصدري أو البعثيين المتخفين لقلت أنها الظروف، إلا إن ما يحدث من شخص لا لبس على وطنيته فهذه خسارة ستضر بالشعب العراقي قبل أن تضر بالمالكي أو تسقطه.
لاحظوا تذبذب السيد جلال الطلباني كيف كشر عن أنيابه التي نعرفها جيدا عندما وصل الحد يمس رفيقه السيد مسعود البرزاني أو القضية الكردية إن كانت على حق أم لا.
فمتي نقف مع الرجل و اقلها عندما تمس القضية كل العراق وكل الشعب العراقي بضمنهم أخوتنا من الشعب العراقي من الكرد.
هل حقا فقدنا الحس الوطني العراقي أو الوقوف متضامنين مع الشعب العراقي نكاية بالسيد المالكي، الم تنتخبه جموع اكثر من ستمائة وعشرين ألف مواطن في بغداد فقط؟ وهل يوجد ميزان اعظم من أصوات الناس الناخبة، و في بغداد وليس في المشخاب أو عند الأهوار، أو من مواطنين من بلدروز؟

عبد الصاحب الناصر
لندن
01.12.12