الرئيسية » مقالات » المالكي والدعاة وتقسيم العراق

المالكي والدعاة وتقسيم العراق

اصبح عرفا ان تكون هناك صحف مقربة من الحكومات في جميع بلدان العالم، وتقوم هذه الصحف عادة باطلاق بعض الاخبار التي تتعلق بالسياسة الداخلية او الخارجية للبلد من تلك التي لا تستطيع تلك الحكومات من التصريح بها للوهلة الاولى بشكل علني. اذ تعتبر تصريحات هذه الصحف بمثابة بالون اختبار للرأي العام ومدى تجاوبه سلبا او ايجابا مع تلك الطروحات، كي تتخذ الحكومة على ضوئها الخطوات التي تراها مناسبة للسير قدما في ما تريد الاقدام عليه. وتعتبر افتتاحيات هذه الصحف وخصوصا ان كانت بقلم رئيس تحريرها هي مقدمة لما تريد الحكومة ان تتناوله من قضايا على الصعيد الداخلي او تلك التي تتعلق بالسياسة الخارجية للبلد. ولو اخدنا بعض الصحف كمثال على ذلك نرى ان الواشنطن بوست واللوفيجارو مقربتان من البيت الابيض والاليزيه – عند حكم اليمين – وتلعبان دورا بارزا في رسم السياسة الداخلية والخارجية للبلدين، وكذلك كيهان الايرانية المقربة من ولي الفقيه على الصعيد الاقليمي، وفي العراق البعثي المنهار كانت صحيفة الثورة العراقية مقربة من الحكومة والحزب الحاكم وكانت افتتاحياتها تنطق بلسان رئيس ما يسمى بمجلس قيادة الثورة المنحل.

اما اليوم فان صحيفة الصباح البغدادية الممولة من الحكومة العراقية تعتبر من الصحف المقربة من المالكي ان لم تكن ناطقة باسمه، ويعتبر رئيس تحريرها السيد الشبوط وهو في نفس الوقت رئيس شبكة الاعلام العراقي الرسمية المقربة “المملوكة” من الاسلاميين، قريبا جدا من المالكي الذي منحه هذين المنصبين المهمين جدا. وعليه فان ما يفكر به المالكي وحزبه وتحالفه الشيعي والذي تترجمه جريدة الصباح الى مقال، ليس اكثر من بالون اختبار يطلق وسط هذا الضجيج الاعلامي الذي يترافق مع المشاكل الكبيرة وشبه المستعصية التي يمر بها العراق.

من الممكن القول ان شهر العسل الشيعي – الكردي قد بدأ يلفظ انفاسه الاخيرة منذ موت اللجنة المكلفة بادارة المادة 140 التي ماطلت فيه الحكومة المركزية وعملت على تسويفه، ولتدخل العلاقات بين الطرفين انفاقا عديدة انتهت جميعها الى ما يريده المالكي من جهة وسلطات الاقليم من الجهة الاخرى وهو فض الشراكة بين الشعبين العربي والكردي في وطن لازال لليوم يحمل اسم العراق.

واذا كان الكرد يريدون تطوير الفدرالية الى انفصال او اتحاد كونفدرالي مع العراق او غيره على الرغم من عدم نضوج الظروف الموضوعية التي يجب ان تتوفر لانجاح مسعاهم هذا لليوم، نتيجة لعدم حل مشاكل الشعب الكردي القومية في ايران وتركيا – سوريا مرشحة لفدراليات او التقسيم بعد انهيار نظام الاسد- وعدم نضوج الدور الدولي او بصورة ادق الدور الامريكي تجاه حق الاكراد المشروع في بناء وطن خاص بهم ضمن خارطة جديدة للمنطقة. فعلى الحكومة العراقية ان تعمل المستحيل ان كانت حريصة على البلد من اجل تأخير هذا الانفصال بمنح الاكراد شعورا بالثقة بها “الحكومة” والبدء بحل المشاكل العالقة بين الطرفين كمقدمة لحل حزمة المشاكل التي تعصف بالبلد والتي فشل السيد المالكي وطاقمه من حلها لليوم، بدلا عن استخدام لغة التهديد باستخدام القوة لحل الخلافات وتأزيم الاوضاع السياسية. ومن نافل القول ايضا الاشارة الى تصريحات مقابلة من الجانب الكردي في تأزيم المواقف من الحكومة المركزية، وعدم التفاتهم مبكرا الى محاولة المالكي تحويل الصراع الطائفي الذي استفاد منه لليوم ببراعة الى صراع قومي هذه المرّة، نتيجة لفشله في ادارة الازمات العديدة التي يمر بها العراق وتحضيرا لانتخابات مجالس المحافظات العام القادم، واستخدام الصراع مع الاكراد ووحدة التراب العراقي!! كدعاية انتخابية.

ولنعود الان الى مقالة “الخطة باء كرديا” التي نشرتها صحيفة الصباح بتاريخ 4/12/2012 وبقلم رئيس تحريرها السيد الشبوط، الذي تناول فيها تاريخ الصراع الكردي مع الحكومات المركزية في العراق وفشل الطرفين في تجاوز المشاكل العالقة بينهما منذ زمن طويل وفشلهم في حلّها كذلك، على الرغم من جولات المفاوضات العديدة بينهما حسب وصفه. وكوصفة لعدم الاصطدام بين الطرفين ولابعاد شبح الحرب بينهما لم يتوصل الكاتب الاّ الى طرح وجهة نظره والتي هي وجهة نظر السيد المالكي وحزبه وكل التحالف الشيعي، الذي ينتقد المالكي ودولة قانونه ويتهمهما بالانفراد بالقرارات ويتحالفون معه وقائمته في قوائم انتخابية واحدة كما في صلاح الدين وديالى وغيرها “انتخابات مجالس المحافظات”، هذه الوصفة هي الخطة باء والتي تعني وفق ما جاء به الكاتب في مقالته، تقسيم العراق اولا الى دولتين قوميتين عربية وكردية وقد يكون ثانيا ولخجل المالكي من قولها اليوم هي فض الشراكة بين العرب الشيعة والعرب السنة.

وقد اقترح الشبوط المقرب من المالكي خطة من 5 نقاط لتشييع العراق الى مثواه الاخير بعد ان اكد ان هذه الخطة ” تتطلب اجراء مفاوضات بين الكرد والعرب ليس لحل المشكلات العالقة، ولا لكيفية البقاء في اطار دولة واحدة، انما تستهدف بصريح القول البحث عن طريق ممكن للانفصال السلمي، لفض الشراكة العربية الكردية بطريقة سلمية وودية” ولم يوضح الكاتب هنا معنى العرب هل هم العرب الشيعة ام العرب السنة، ونحن نعرف جيدا ان المالكي لا يمتلك اي رصيد او شعبية وسط المناطق العربية السنية الا بعد ان لوح بالصراع العربي الكردي عاليا مستخدما اياها كورقة لدغدغة مشاعر القوميين العرب، الذي يبدو انه يلتقي معهم في اكثر من نقطة ان لم يكن قد تجاوزهم في حسّه العنصري كما الطائفي. ومن اعطاه الحق للتحدث باسم العرب السنة وهو الذي يعتبر اية مواقف سياسية صادرة من اي نائب سني حول اي موضوع، باعتبارها معادية للعملية السياسية اذا لم تكن تصب في مصلحته. ويضيف السيد الشبوط قائلا ” اذا تعذر حل المشكلات الراهنة والبقاء معا، فلا داعي للاحتراب والانزلاق الى الحرب الاهلية، انما لا بأس من فض الشراكة وتمهيد الطريق لقيام الدولة الكردية الجديدة، التي لن تكون اول دولة تنبثق من رحم دولة ثانية، وأقرب مثال نسوقه الى ذلك دولة جنوب السودان، بغض النظر عن المشاعر الرومانسية حول مفهوم وحدة الدولة العراقية”، نعم ايها السيد الشبوط لا داعي للاحتراب وهدر طاقات الطرفين فلنجنح الى السلم في تشييع العراق، اما مثالكم حول انفصال السودان فهو المثال الافضل للبلدان التي يحكمها الاسلاميون وطريقتهم في ضياع بلدانهم فشكرا لكم على هذا المثال البائس، كبؤس سياسة الاسلاميين الذي بعد عقد على وصولهم للسلطة بواسطة ” الشيطان الاكبر” الذي كنتم تدبجون المقالات ضده وانتم في ايران، اوصلوا البلد الى مفرق طرق احدهما يتجه الى الهاوية والاخر يتجه الى الهاوية!!

ويستمر السيد الشبوط في مقالته ليكتب ” مثل هذه المفاوضات التي تدور حول الانفصال/ الاستقلال سوف تتمحور حول امور تختلف عن القضايا التي يجري بحثها حاليا في اطار حل المشاكل العالقة بين الطرفين. ومن هذه الامور الجديدة”

اولا، كيفية تحقيق الاستقلال او الانفصال، ولم يعطينا جوابا عن طريقة التحقيق هل هي الحرب مثلما يهدد المالكي اليوم ام المفاوضات، علما انه قال في اول مقالته ان المفاوضات بين الطرفين ستكون في الوسيلة لفض الشراكة بينهما.

ثانيا، حدود الدولة الكردية الجديدة، واحسب انها حدود يوم 9 نيسان عام 2009 . اعتقد ان هناك سهوا او خطأ مطبعيا في هذه المعلومة التي قالها المالكي – وليس انتم – الذي تتحدث باسمه كرئيس لتحرير جريدة الصباح البغدادية في مؤتمر صحفي عقده في مجلس الوزراء حول الفساد الذي رافق صفقة الاسلحة الروسية “بأن حدود اقليم كردستان حددها مجلس الحكم ولم تختلف عما كانت عليه قبل العام 2003 ” . واذا كانت حدود الاقليم مثلما تقولون فعلى ماذا تريدون التفاوض؟

ثالثا، مصير العرب الموجودين في كردستان المستقلة، ومصير الكرد الموجودين في دولة العراق العربية. السيد الشبوط ساختصر لكم التفكير بهذه المشكلة، عن طريق منح العرب والكرد في البلدين اللذين يقترحهما المالكي كمرحلة اولى لتقسيم العراق، مقاطعات على غرار” ناگورنا قرباخ” بين آذربيجان وارمينيا، ليستخدمهما المالكي كورقة في صراعه القادم ضد خصوم جدد قد يكونون من نفس حزبه ليطيح بهم كما اطاح بالجعفري والدباغ والقائمة ستطول.

رابعا، مصير المناطق المتنازع عليها (اي كركوك، المذكورة في الدستور) والمناطق المختلطة (التي لم يسمها القانون). وانا اقترح اللجوء الى الامم المتحدة لحل هذه المشكلة، حيث لا تبقى قيمة للمادة 140 من الدستور. السيد الشبوط اذا كان اقتراحك ” اقتراح المالكي” هو عرض المشكلة على الامم المتخدة لحلها فلم تقسيم البلد اذا، دعونا ان نطلب مساعدة الامم المتحدة لتحديد عائدية كركوك والمناطق المتنازع عليها بعد تقديم الطرفين ضمانات مكتوبة ” لانعدام الثقة بين الطرفين” في قبول ما ستحكم به الامم المتحدة. وسؤال آخر قبل الانتقال الى النقاط الاخرى هل بقت للمادة 140 قيمة لليوم!؟

خامسا، فك الترابط الاداري بين الدولتين، في وزارات ومؤسسات وسفارات وممثليات الدولة العراقية الراهنة. سوف اتجاوز هذه النقطة لانها من البديهيات.


سادسا، مستقبل العلاقات بين الدولتين. وانا اقترح ان يبادر العراق الى الاعتراف فورا بالدولة الكردية الجديدة، وتبادل السفراء فورا، واقامة علاقات طبيعية معها على مختلف الاصعدة، وان يساعدها على الانضمام الى الامم المتحدة ومنظمة المؤتمر الاسلامي، ولا احسب ان الانضمام الى الجامعة العربية وارد.
شكرا على الاعتراف المبكر بالدولة الكردية ولكن اذا تم تقسيم العراق الى ثلاث بلدان، فهل ستطلقون اسم العراق على دولتكم الشيعية! وماذا عن سنة العراق ؟ اقترح عليكم وعودة على ضربكم للسودان كمثل يحتذى به!! ان تكون دولتكم باسم العراق الشرقي الجنوبي الشيعي ودولة السنة باسم العراق الغربي السني، ما رأيكم؟

وينهي السيد الشبوط مقالته قائلا ” طبعا بعد اتمام الانفصال سوف يتعين على الدولة العراقية ان تلتفت الى نفسها وتجري التعديلات الضرورية في دستورها ومؤسساتها وممثلياتها تبعا لتغير طبيعتها وهويتها القومية”
السيد الشبوط هل الحكومة العراقية والسيد المالكي ينتظرون انفصال كردستان العراق اولا، كي تلتفت بعدها دولتكم الى نفسها!!!؟؟؟ اظنكم تريدون ذلك وليكون العراق – او اي اسم تختارونه – في دستوركم الذي تريدون تغييره، جمهورية اسلامية على غرار دولة الفقيه في الشقيقة ايران.


الى احد اصدقائي الشيعة اتمنى منك عند الاعياد ان تضع زهرة حمراء على قبر ابي في وادي السلام الذي لن استطيع زيارته بعد تقسيم العراق.

الدنمارك
6/12/2012