الرئيسية » مقالات » التسويق … خطة ام برنامج ام مشروع

التسويق … خطة ام برنامج ام مشروع

تمر البلدان بأزمة كبيرة في معرفة معنى الانتاج المحلي واهميته للبلد والمجتمع من حيث توفير واردات اضافية، ورفع قدرات الموارد البشرية واستثمارها، ودعم للصناعات المحلية التي باتت بأمس الحاجة الى تفعيل دورها وعدم الاعتماد على موارد او مصادر او منتوجات خارجية كوننا نؤمن بأن الانتاج الخارجي لايكون ذو متانة وجودة كالانتاج المحلي. لكن في نفس الوقت لانرعي اهتماما” كبيرا” بمصانعنا ومعاملنا ومواردنا البشرية التي باتت بضاعة لايستفاد منها، وانما اللجوء الى جلب العمالة الخارجية التي هي في الواقع ارخص بكثير من المحلية من ناحية الاجور. وسعينا للبحث عن الاجود والافضل والاحسن على الصعيد الوظيفي والمهني والفني من حيث المبدأ، وتعلمنا الاحتكار وخلق الازمات دون ايجاد الحلول لها. فنجد المسؤول يوظف المقربين بحجة الاكفأ، ويترك الاخرين بحجة المعدل!

لابد من ان تكون هناك سياسات واضحة وهادفة وسريعة للنهوض بالواقع المهني، الفني، الحرفي، الهندسي من اجل تقديم ابداعاتهم لبلدهم. فأذا كان هناك اشرافا” مباشرا” من قبل الحكومات على هذه الجوانب، سنحصل على ثمرة ذلك الجهد والفكر على ارض الواقع دون ان نكون ضحية كمستهلكين للبضاعة الصينية والاوربية والاجنبية التي باتت لاتقبل في البلدان المتقدمة والمتطورة حضاريا”، فكريا”، صناعيا”، زراعيا”، وانتاجيا”؛ ولكن نحن نستهلكها دون وعي وادراك واضحين كونها زهيدة او رخيصة الثمن.

وللاسف الشديد نلاحظ ان الفتيات يقلدن الاسلوب الغربي في اللبس والتصرف والسلوك والافكار علما” انهن يدركن ان المجتمع الذي يعيش فيه لايوافق على تقليد ونقل الافكار الاوربية والغربية في الشكل والمظهر، وترك الجوهر، واصبحن يتسابقن في شراء الزي الفاضح وغير المحتشم، ويسعين في جعل انفسهن خارجيا” اجمل وافضل وارقى من الداخل، العقل والفكر والثقافة والعلم والمعرفة، لانهن فهمن معنى التسويق يكمن في المظاهر الخارجية التي تعتمد على التبرج ومواكبة الموضة!

وتشهد البلدان شرق اوسطية ازمات وصرعات متواصلة بسبب تفشي ظاهرة الفساد، عشوائية القوانين والتطبيق، محدودية التفكير والحلول، انفرادية الرأي والقرار، تسلط البشر على بعضهم، قلة الشفافية والمسألة، قلة الثقافة المدنية لدى المواطن، عدم الشعور بالمسؤولية تجاه المواطنة والوطن، سردية وتنظيرية مواضيع الحقوق والواجبات وحقوق الانسان وتجاهل قضايا الفقر والبطالة والمبدعين. فنجد الانسان الذي يعيش في بلد من بلدان الدول النامية لايجد من يهتم به كأنسان ويلبي طموحاته التي هي في النهاية تصب في مصلحة البلد الذي يعيش فيه. فنرى مبادرات وبحوث ودراسات حول التنمية البشرية دون تطبيق يذكر، كونها تقتصر على فئات محددة، وتطور قطاعات معينة مستفيدة او مقربة، دون علم الشعب او المواطن بها، وتمكين لمعامل او مصانع قليلة، بعدم احقية على حساب الاخرى. كل هذه المسائل تولد انسانا” عدائيا” لبلده، لايكترث لما يحدث فيه، ويقضي يومه بسلام، وليس مستعدا” لبذل دقيقة من وقته طوعيا” لخدمة البلد لانه يشعر بأن مخرجاته تبوب وتجير للغير! كذلك لايؤمن بالتطبيق الحقيقي لان الاشياء تسوق له بصورة خاطئة! فنرى الاعلام يلعب دورا” كبيرا” في عملية نقل البضاعة من بضاعة متروكة الى بضاعة يتم الطلب عليها بكثرة نتيجة لما جرى من دعاية، ترويج، اعلام، اعلان، تسويق صحيح وعمل جدي.

فالانسان يحتاج ان يعرف ويدرك ويؤمن ويساهم في العمليات الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية والعلمية لانه من سيقوم بتحريكها وتسويقها واستخدامها؛ فأذا كان مغيبا” سيقوم بعد ذلك بتجاهلها جميعا”، ولانحصل على اسجابة وتعاون وتفاعل من قبله في خططنا وبرامجنا ومشاريعنا التسويقية. اذن التسويق هو: “خطة وبرنامج ومشروع يهدف لاستمالة الانسان علقليا” وعاطفيا” لكسب رضاه عن شيء ما.” فعندما نبني بدون تسويق ناجح وصحيح لانكسب رضا الزبون الذي سيكون مسوقا” لبضاعتنا التي بنيناها كون لم نعي اهمية التسويق الحقيقي. ويدخل التسويق في كل مرافق الحياة ففي حالة وجود خطة وبرنامج ومشروع صحيا” او تربويا” او تعليميا” او ثقافيا” او سياسيا” او اقتصاديا” يجب ان نضع في اولويات خططنا الانسان والمواطن والمجتمع والبيئة والبلد لأنهم المحرك والمساهم والداعم الاول لتلك المشاريع والبرامج. انما اذا تعندنا تجاهله، بحجة او ذريعة، فستكون نتائج البرامج والمشاريع مقنعة للمشاركين واصحاب القرار وواضعي الخطط ومصممي الاهداف والاستراتيجيات وهم في الغالب يمثلون ويشكلون القلة بالمقارنة الى المجتمع، وستكون الفائدة محدودة. ويعود السبب في ذلك، لعدم وجود خطط وبرامج تسويقية داخلية وخارجية تهدف الى التوعية والارشاد والمساهمة والترويج هدفها اعطاء الرأي العام دورا” مهما”، ويجب ان يكون التسويق ادة في انجاح المشروع وتفعيل مفرداته ومقرراته أكان صغيرا” ام كبيرا”. ويشهد العالم اليوم ثورة تسويقية للربيع العربي او لاخراج منتوج او رجل او بضاعة جديدة للعالم عبر وسيلة الاعلام والدعاية والترويج والاعلان.

لابد ان يكون المسوق واعيا” لثقتفة وتاريخ وحضارة وتقاليد واعراف البلدان التي يتم فيها الترويج والدعاية والاعلان والاعلام لبضاعة معينة لان البلدان تختلف والاوطان تعتمد وتستمد الالهام والرؤيا من بيئتها الداخلية، وقد نرى انحافا” في بعض منها عن القاعدة العامة او السائدة في تللك البلدان، وتعتبرها المحرك الاول. فهنا نحتاج الى التسويق الداخلي اولا” ومن ثم الخارجي الذي بالامكان نجاحه في بلدا” واخفاقه في اخر. والغالب، في البلدان النامية، يؤمن بأن رخص البضاعة عاملا” مهما” واساسيا” في انجذابهم نحوها من حيث العرض والطلب في علم الاقتصاد الكلي، بدون مراعاة الجودة والكفاءة والنوعية. فنجد من يقع في فخ الاسعار الرخيصة وجمالية الشكل الخارجي، دون الولوج في الجوهر والمحتوى والمضمون، يستوعب خطئة عبر نافذة الزمن وليس الانسان! ويبدأ بعد ذلك بتصحيح مسار سلوكه وخطئه بأيجاد مادة او سلعة او بضاعة او خطة او برنامج تسويقي جديد رغم هدر المال، الجهد والوقت. يجب ان تكون هناك ثقافة تسمى “ثقافة التسويق الداخلي” و “ثقافة التسويق الخارجي”. وبالحقيقة، تسعى كل واحدة الى ابراز المظاهر والاشكال والانواع الايجابية والسعي للحد من المظاهر السلبية. عناصر التسويق يجب ان تخاطب العقل العاطفة البشرية. فالعقل يعني الاقناع والموافقة والاستعداد الكامل؛ بينما العاطفة تعني المشاعر الاحاسيس والاتجاهات والميول والرغبات لذلك المرء. فوجود استعداد فكري ونفسي وبدني ينتج لنا قناعة تامة نلمس نتائجها عند كسب الارباح العالية، والثقافة تكون متقدمة ومتنوعة وناجحة، والانتاج يكون غزيرا” وهائلا” واخيرا” التسويق يحقق اهدافه بنجاح ساحق.

فلهذا لابد من وجود عامل التسويق كخطة وبرنامج ومشروع في كل اعمال الحياة. فالمرأة الشابة تسعى لتسويق نفسها عبر نافذة المظاهر والتزين والملابس والكلام. بينما البضاعة يتم تسويقها من خلال الدعاية والاعلان والاعلام والترويج والتغليف والتعبئة والنوعية والجودة. وكذا الحال لبرنامج او مشروع يحتاج الى سياسة تسويقية من اجل ان يكون ناجحا” ومثمرا” بأهدافه وغايته خصوصا” اذا كانت ثقافة المجتمع متدنية. فأذا اردنا تسويق برنامج او مشروع صحي يعتمد على مشاركة المواطن في تنفيذه وهو لايعي معنى البرنامج فستكون نتائجه غير مفيدة ومثمرة ومحدودة، وكذلك الحال الى تبني نهج محو الامية في بلد ما ويكون الانسان المشارك في البرنامج هدفه الحصة المقررة من الاموال التي يجنيها في نهاية محطة البرنامج غير المثمر، فتكون النتيجة معروفة بسبب عدم وجود وسائل تسويقية صحيحة ونموذجية ومعيارية. فنحن بحاجة الى خطة وبرنامج ومشروع تسوق لنا فيه الثقافة لنكون ناضجين ومنتجين ومثقيفين وليس متعلمين ومستهلكين. فنجد مبدعا” او باحثا” او مؤلفا” او مترجما” او كاتبا” او قاصا” يلجأ الى دول الجوار لنشر ما لديه من ابداع وتميز علمي وفكري دون ان تكون هناك جهات لرعايته والاستفادة من ابداعاته وتميزه الفكري والعلمي.