الرئيسية » مقالات » متى نبكي على رؤسائنا؟

متى نبكي على رؤسائنا؟

الشعوب العربية اصبح يوم رحيل ملوكها و رؤساؤها عن مناصبهم يوم فرح وسرور لها، فهؤلاء القوم لا يخرجهم عن تلك المناصب الا القوة العسكرية المشابه لما جاء بهم من انقلاب او غيره او الموت الذي فرض على عباد الله جميعا، والطامة الكبرى سريان هذا الداء حتى الى من وصل عن طريق الانتخابات فاصبحوا اليوم اشبه بمن سبقهم بالتعلق بكرسي الرئاسة بشتى السبل.
فالشعوب لا تفرح لرحيل شخصا كان يمثل تطلعاتها وآلامها وامالها ولكن الفرحة تغمرها بعد ان يروا ذلك الشخص الذي اصبح متخما على حساب جوعهم وفقرهم وسبّب لهم ولغيرهم الكثير من الدمار والخراب قد ولى عن كرسي ترأسه بطريقة سلمية او عسكرية.
هذا الحال تكرر كثيرا في بلادنا العربية ولدى البعض منها صار يوما وطنيا يتم الاحتفال به للخلاص من كابوس الطاغوتية والدكتاتورية، غير انه وعند بعض الشعوب اصبح يوم حزن ومأساة لانهم فارقوا من كان لهم خير ناصر ورئيس ومنها على سبيل المثال لا الحصر (لويس إيناسيو لولا دا سيلفا) مؤسس دولة البرازيل.
ف(لولا دا) الطفل السابع وسط ثمان أطفال لأسرته الفقيرة الساكنة في كوخ بسيط جدا في أكثر الأحياء فقرا في البرازيل، ولوضع عائلته المأساوي ترك دراسته الابتدائية وانصرف للعمل في شتى الصنوف، منها ملمع احذية في ضواحي (ساوباولو)، ثم ليتنقل من الخراطة الى مكننة السيارات، وبائع خضار، لينتهي به الحال كمتخصص في التعدين، بعد التحاقه بمعمل (فيس ماترا) وحصوله على دورة لمدة ثلاث سنوات، وفي سن الـتاسعة عشر، خسر لولا أصبعه الصغير في يده اليسرى في حادث أثناء العمل في مصنع قطع غيار للسيارات.
في عام 1980 وفي فترة سيطرة الجيش على الحكومة وأثناء إضراب للمصانع في أطراف مدينة ساو باولو بالبرازيل ترأس خطاب لنقابات العمال الصناعيين، وكانت خطاباته مشجعة ضد الحكومة فأدى ذلك إلى احتجازه لشهر كامل، وفي 1981 حكمت علية المحكمة العسكرية بالسجن لمدة 3 سنوات ونصف بتهمة التحريض، ولكن أطلق سراحه في 1982.
خسر (سيلفا) ترشحه للرئاسة في ثلاث محاولات اولى وبالرغم من ذلك بقي قوي في المعارضة وكان حزبه (حزب العمل) ينمو باستمرار إلى أن نجح في الانتخابات الرئاسية عام 2003 وتولى الرئاسة دورتين متتاليتين حتى سنه 2011.
ما يهمنا في الامر ان هذا الرجل ذو الاصابع الاربع او ملمع الاحذية او بائع الخضار (ما شئت) فعبر، استطاع ان ينتقل بالبرازيل الى مرحلة مغايرة تماما لما كانت عليه حيث اخذ بها الى مصاف الدول الناجحة اقتصاديا، وسجل نصرا كبيرا في تسديد الديون المتبقية بذمة البرازيل في سجلات صندوق النقد الدولي قبل عامين من الموعد المحدد للتسديد، وبذل قصارى جهده لتحرير البرازيل من وطأة الديون الخارجية حتى انهى ذلك الملف، ثم اطلق في ولايته الثانية مشاريع تسريع النمو والحملة الوطنية للقضاء على البطالة، وكان من اشد اعداء الفقر ومحبوبا لدى الفقراء لرفقه بهم وبمن يعيلهم، وقبل كل هذا فقد كانا ابا حنونا ورمزا لكل مواطني البرازيل واستطاع ان يستحوذ على قلوبهم التي كانت تنظر اليه بعاطفة كبيرة لما قدم في سبيل بلده وشعبه.
لقد بكت الجماهير البرازيلية على (سيلفا) بحرقة في اليوم الذي غادر فيه القصر الجمهوري، ورغم مطالبتها له بالبقاء في منصبه حتى لو تطلب الامر تعديل الدستور البرازيلي الا انه رفض ذلك، ليعطي مثالا على الايثار والتفاني في خدمة الانسان والبلاد دون الالتفات الى مآرب اخرى وجسد واقعا حيا على بناء الدولة المدنية وتداول السلطة سلميا وكون هدفه الاسمى بناء البلد ورفاهية شعبه بغض النظر عمن يقود او يترأس.
وهنا بيت القصيد، فمتى يعي حكامنا ورؤساؤنا الدرس؟
وهل سنصل الى ذلك اليوم الذي نبكي نحن العرب على رؤساؤنا ونطالبهم بالبقاء وهم يرفضون؟.
نرجو ان يكون ذلك قريبا… وان كان البعض يجدها من أفلام الخيال العلمي!