الرئيسية » مقالات » ألا يقدم (الأخوان المسلمون) في مصر النموذج الاستبدادي المحتمل في سوريا؟

ألا يقدم (الأخوان المسلمون) في مصر النموذج الاستبدادي المحتمل في سوريا؟

منذ أن بدأت حركة الأخوان المسلمين في مصر في النصف الأول من القرن العشرين وانتشرت تدريجياً في أعقاب الحرب العالمية الثانية , بالارتباط مع القضية الفلسطينية وقرار التقسيم ونشوء دولة إسرائيل في بقية الدول العربية وبدعم مباشر وفعال ومتنوع , وخاصة الجانب المالي , من المملكة العربية السعودية ومن قوى الإسلام السياسي على الصعيد العالمي , تبنت إقامة الدولة الدينية –الثيوقراطية- وشعار الحاكمية لله” وحده و “الإسلام هو الحل” ..الخ , كما تبنت هذه الحركة ممارسة العنف والقوة والانقلاب للوصول إلى السلطة. وعرفت بعض الدول العربية فترة نهوض واسع لحركة الأخوان المسلمين واندمج بعض شعاراتها وممارساتها بالجانب القومي العربي اليميني الشوفينيالمتطرف. واشتد هذه الاتجاه وتنامى نسبياً بسبب السياسات غير الديمقراطية والاستبدادية التي مارستها حكومات الدول العربية في الأربعينيات والخمسينيات وما بعدها إزاء الشعب والقوى السياسية المختلفة. ولكن الجماهير ذاتها والقوى السياسية الديمقراطية عاشت تجارب مريرة مع حركة الأخوان المسلمين التي مارست العنف الفكري والسياسي في التعامل مع الرأي الآخر والأحزاب والقوى الفكرية والسياسية الأخرى. وتقدم دراسات أكثر الباحثين المصريين , ومنها دراسات الدكتور رفعت السعيد , صورة واقعية عن سياسات وممارسات العنف التي تبنتها ومارستها هذه الحركة منذ نشوئها في مصر حتى الوقت الحاضر. وما تزال في الذاكرة الأساليب القمعية التي مارستها حركة الأخوان المسلمين في العراق ضد القوى الديمقراطية والتقدمية في فترة الوثبة 1948 وما بعدها في العراق.
إن حركة الأخوان المسلمين تريد العودة بالمجتمعات إلى القرون السالفة لتفرض على المجتمع حكم “المرشد” باسم “حاكمية الله” وتطبيق الشريعة الحنبلية أو الوهابية على المسلمات والمسلمين كافة باسم “الإسلام هو الحل”, وفرض الجزية والخراج على أتباع الديانات الأخرى في الدول العربية واعتبارهم رعايا من الدرجة الثانية أو الثالثة , وهي من حيث الجوهر لا تختلف عن “ولاية الفقيه” بالنسبة لأتباع المذهب الشيعي الصفوي في إيران وفي القوى المماثلة لها , كما في حزب الله الإيراني في لبنان. فولاء حزب الله ليس للبنان , بل لولاية الفقيه في إيران. فأمور الدين والدنيا , أمور الدين والدولة في إيران بيد المرشد الأعلى للثورة الإسلامية , وبالتالي ليس هناك من فصل بين السلطات ولا استقلال القضاء ولا هم يحنون , بل إن المرشد هو “الكل في الكل” , وكفى الله المؤمنين شر القتال!!
إن قوى الإسلام السياسي , سواء أكانت سنية أم شيعية , تمارس ذات النهج وذات الأساليب وذات الأدوات , فهي تريد إقامة دولة دينية ثيوقراطية متخلفة غير متنورة وبعيدة كل البعد عن عصرنا الحاضر وحضارته وعن المدنية الحديثة وحقوق الإنسان , وهي تسير بالضد مما يحتاجه الشعب ويسعى إليه وتسير على وفق المذهب الذي تدين به الأكثرية الحاكمة وتمارس الشريعة التي تلتزم بها وتفرضها على المجتمع بأسره دون اعتبار لأتباع الديانات والمذاهب الدينية والاتجاهات الفكرية والسياسية الأخرى. إنها تسعى إلى إقامة دولة استبدادية شرقية تعيش الظلمتين , ظلمة الاستبداد وظلمة التخلف والتحريم والتكفير , وتتشوق لحاكم مستبد لا يمكن أن يكون مثل هذا الحاكم إلا ظالماً وغير عادل.
ورغم إن الأخوان المسلمين قد وصلوا لتوهم إلى السلطة في مصر (ستة شهور تقريباً) ولم يكونوا من المشاركين الأوائل في الثورة المناهضة لنظام محمد حسني مبارك ورهطه التي انطلقت في الخامس والعشرين من شهر كانون الثاني/يناير 2011 , وانتظروا ليتبينوا مدى قدرة الثوار على فرض الانتصار , عندها ركبوا الموجة بفضل عاملين هما: التنظيم الجيد الذي يمتلكوه ووحدة قواهم الأساسية والغنى المالي الذي يصلهم من جهة , وضعف وتشرذم القوى الديمقراطية والعلمانية واللبرالية واليسارية وضعف قدراتهم المالية عموماً من جهة أخرى , واستولوا على السلطة بغفلة وجهل بهم من المجتمع والزمن في آن. ولم يمض وقت طويل حتى كشف محمد مرسي الأهداف الحقيقية التي يسعى إليها , منها فرض الدستور الإسلامي الذي يريده الأخوان وفرض الشريعة الإسلامية الحنبلية ذات النكهة الوهابية على المجتمع المصري ومؤسسات الدولة المصرية والهيمنة الكاملة على الدولة والمجتمع ومحاربة تدريجية للقوى السياسية الأخرى. وكشف عن ذلك بمضمون وفقرات “الإعلان الدستوري” السيئ الصيت والمناهض لمبادئ الحرية والرأي الآخر والديمقراطية والحياة الدستورية. فمحاولة حصر السلطات الثلاث بيده بشكل مطلق حتى ينتهي من وضع الدستور الذي يريده وفرض المجلس التشريعي الذي يريده وإجراء الانتخابات التي تأتي بأكثرية “إخوانية” يريدها.
لقد كان الرجل متعجلاً جداً واعتقد بأن موقفه ضد العدوان على غزة ووساطته لإيقاف القتال كافية لتسمح له بفرض إرادته الفردية على المجتمع ولم يدرك بإن الشعب المصري لم يفقد ثوريته ولم يفقد حسه الثوري بما يريده محمد مرسي ويعرف جيداً من يقف خلفه وخلف قوى الأخوان المسلمين والسلفيين من قوى ودول في منطقة الشرق الأوسط وخاصة السعودية وقطر. ولم يكن الإعلان الدستوري سوى طبخة إخوانية سيئة بلباس حزب الحرية والعدالة. لقد كان الإعلان الدستوري بداية لاستبداد ديني مريع وفتل عضلات الأخوان المسلمين أمام الشعب المصري. ولكن الشعب الذي عرف الحكم الفردي وسوءاته , كما يبدو الآن واضحاً , يقف له بالمرصاد ولن يسمح له بالمرور وتمرير أفكار ونوايا الأخوان المسلمين.
والسؤال الكبير الذي يواجه من يعرف واقع الحال في سوريا في الوقت الحاضر ويعرف واقع المعارضة السورية هو: هل يمكن أن يسرق الأخوان المسلمون الثورة السورية ايضاً ويمارسون السياسة التي يسعى إلى ممارستها محمد مرسي ورهطه في مصر؟ وهل يعاد ما حصل في إيران من سرقة الخميني للثورة الشعبية الإيرانية لفرض ولاية الفقيه؟
نعم , إن هذا الاحتمال وارد , إذ أن الفرقة والصراع كانا وما زالا السمة المميزة للعلاقة بين القوى السياسية المعارضة للحكم الدكتاتوري المتوحش في سوريا , رغم وجود أكثر من سبب يدعوها إلى الوحدة والتفاعل والتكاتف. ولا شك في أن العامل الإقليمي والدولي يلعب دوره البارز في كل ذلك , إضافة إلى التباين الموجود في طبيعة وفكر وسياسة قوى المعارضة السورية.
إن اللوحة السياسية التي تواجهنا في معسكر قوى المعارضة السورية تشير إلى وجود قوى ديمقراطية كثيرة ولكنها غير متحدة ومتصارعة على الموقف من عدد من الأمور بما في ذلك من موضوع التدخل الدولي ومن استخدام السلاح وكذلك الموقف من قوى الإسلام السياسي , قوى الأخوان المسلمين وما يمارسونه من عمليات التفجيرات الجارية في سوريا والمقترنة بتحالف مع قوى القاعدة المجرمة , إضافة غلى التباين في المواقف بين المعارضة في الخارج ومعارضة الداخل. أما الجانب الآخر الذي يضم جماعة الأخوان المسلمين وجمهرة السلفيين فهي ورغن التباين في مواقفها , ولكنها متحدة في ما تريد إقامته في سوريا , وهي تجد بينها وبين تنظيم القاعدة المجرم نقاط اتفاق ولقاء ونشاط مشترك.
واليوم بدأت قوى الإسلام السياسي (جماعة الأخوان المسلمين) تحاول تكريس وجودها في المناطق التي أجبر النظام السوري على التراجع عنها وفرض أساليبها المتسمة بالعنف على الناس , في حين لم تستطع القوى الديمقراطية فرض دورها الإنساني في التعامل مع الناس ومع الرأي الآخر في سوريا. إن التفجيرات الكبيرة التي تستهدف الناس الأبرياء ليست من أعمال القوى الديمقراطية , ولكنها من افعال قوى الإسلام السياسي.
إن التنبيه إلى مخاطر وصول وهيمنة قوى الإسلام السياسي على السلطة في سوريا والتحذير منها ضرورة ملحة بالنسبة للقوى الديمقراطية والعلمانية واللبرالية واليسارية المناهضة للنظام الدكتاتوري في سوريا والرافضة لأي دكتاتورية في البلاد تحت أي رداء تلفعت به ولا بد من الانتباه لذلك , إذ أن الأخوان المسلمين يملكون تنظيماً قوياً وقوى مسلحة وسلاح ومال كثير , إضافة إلى التأييد الواسع الذي يصل لهم من كل من السعودية وقطر وبعض دول الخليج الأخرى ودول المنطقة , في حين ما تزال الفرقة واضحة في معسكر القوى الديمقراطية.
إن الأخوان المسلمين في سوريا رفعوا راية “الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان” منذ أن بدأت الثورة في سوريا , ولكن يصعب علي وعلى الكثير من الناس أن يصدقوا من برهنت الحياة على عدم مصداقيته واستعداده للنفاق تحت شعار “التقية” ورغبته الجامحة غير المستورة للوصول إلى السلطة من أجل إقامة ما يدعيه من دولة دينية وتأمين مستلزمات ردة فكرية وسياسية واجتماعية وثقافية في سوريا.
إن مصر الراهنة برئاسة محمد مرسي , وهو زعيم إخواني , تقدم الدليل القاطع على عدم مصداقية الأخوان المسلمين وعدم صدقهم حين يرفعون ما لا يؤمنون به , إذ يبقى شعارهم الاستبدادي الأساسي هو “حاكمية الله” التي تعني حاكمية المرشد وشعار “الإسلام هو الحل” الذي يعني إسقاط ومحاربة اي فكر آخر غير فكرهم وأي سياسة أخرى غير سياستهم العدوانية!!

28/11/2012 كاظم حبيب