الرئيسية » شؤون كوردستانية » هل الكرد حرّاس لمن يستعمرهم؟!

هل الكرد حرّاس لمن يستعمرهم؟!

بعد وصول الرحّالة الفرنسي جيرار دو نِرْڤال إلى القاهرة، في القرن (19)، حنّ إلى المرأة، لكنه رجل متنقّل، والزواج يكلّفه المال والمسؤوليات الأسرية، ووجد الحل في شراء جارية من سوق الجواري (الإماء/العَبدات) بسعر زهيد، تقوم بدور الزوجة والخادمة معاً، ويمكنه بيعها حينما يشاء.
واشترى جيرار جارية زنجية، وبعد مدة قرر منحها الحرية، معتقداً أنها ستكون سعيدة بقراره، وهل أروع من أن يتحرر المرء من العبودية؟ لكن ما أثار دهشة جيرار هو أن الجارية حزنت بقرار تحريرها، وتوسّلت إلى جيرار أن يُبقيها عبدة، وعلّق جيرار على هذا الموقف قائلاً: ” لَعَمْري! إنه لَبلد غريب ذلك الذي ترفض الجواري فيه الحرية”! (جيرار دو نِرْڤال: رحلة إلى الشرق، ج1، ص 97).
والغريب أن بعض الكردا يفكّرون بالذهنية ذاتها (ذهنية العبودية)، ذهنية رفض تحرير كردستان، ورفض تأسيس دولة كردستان، وذات مرة سئل أحد ساستنا في إحدى الفضائيات: أنتم- الكرد- تريدون الانفصال، وإقامة كردستان الكبرى، فما رأيك؟ فقال وكأنه يتناول رشفة شاي، ولا يبتّ في مصير أمة: لا، لا، هذا حُلم! ومنذ حوالي شهر صرّح سياسي آخر: “الكرد لا يريدون تغيير حدود الدول”؛ ألا يعني ذلك أنه يعطي صكاً مفتوحاً للمحتلين بعدم قيام (دولة كردستان)؟
ولا يخفى أن أكثر ما يُقلق سلالات الاستعمار الفارسي والتركي والاستعرابي هو تأسيس (دولة كردستان)، لذلك لا يكفيهم أن يمارسوا على الكرد أبشع أنواع الاحتلال، وأسوأ السياسات العنصرية، ولا يكتفون بتشغيل آلتهم الإعلامية الأخطبوطية لاستكمال مشروع (أبلسة الكرد) الذي دشّنه أسلافهم، وإنما يحرصون على أن يبصم لهم الكرد بأصابع اليدين، وعلى الملأ، بأنهم لا يفكّرون أصلاً لا في إقامة (كردستان الصغرى)، ولا في (كردستان الكبرى).
واسمحوا أن أذكر بالمناسبة هذا الخبر: في سنة (5 هـ) حاصرت قُرَيش المدينة (يَثْرِب) بقيادة أبي سُفيان (في غزوة الأحزاب/الخندق)، وذات ليلة أمر النبي محمد الصحابيَّ حُذَيفة بن اليَمان بالتسلّل ليلاً إلى معسكر قريش، للتجسس عليهم، فدخل حُذيفة المعسكر، وجلس مع جماعة يستمع إليهم، فقال أبو سفيان: “يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ: لِيَنْظُرْ امْرُؤٌ مَنْ جَلِيسُهُ؟ قالَ حُذَيْفَةُ: فأَخَذْت بِيَدِ الرّجُلِ الّذِي كَانَ إلَى جَنْبِي، فَقُلْت: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ فُلانُ بْنُ فُلانٍ” (سيرة ابن هشام، ج 2، ص 231).
وهذا يعني أن حُذيفة طبّق مبدأ “الحربُ خُدْعَة”( سيرة ابن هشام، ج 2، ص 228)، ووضع جليسه في موقف الاتهام، كي لا يسأله، فينكشف أمره، وهذا ما يمارسه سلالات المحتلين معنا، إنهم يضعوننا على الدوام في قفص الاتهام بجرم (الانفصال) و(الشوفينية)، بدل أن نضعهم نحن في قفص الاتهام بجرم (الاحتلال الشوفيني والاستعمار الفاشي الاستيطاني)، وبدل أن نقول لهم: نحن نريد (الاستقلال) من المحتلين والمستعمرين، وأما (الانفصال) فلا شأن لنا به، لأننا لسنا منكم أصلاً.
وما زال بعض الكرد يقعون في هذا الفخ العنصري، ويبادرون إلى تبرئة ذمة الكرد من تهمة (الانفصال)، ويؤكّدون أن الكرد لا يريدون تقسيم الدول، وإنما يطمحون فقط إلى نيل حقوقهم ضمن حدود كل دولة، وما هي تلك الحقوق؟ هنا تتعدّد (الاجتهادات)، فبعضهم يريد (الحكم الفدرالي)، وبعضهم أكثر كرماً مع المحتلين، فيطالبون بـ (الإدارة الذاتية) فقط، وقد سمعت أحد المستعربين من زعماء هيئة التنسيق السورية المعارضة، خلال مؤتمرهم بدمشق في نهاية شهر أيلول (2012) يفسّر (الإدارة الذاتية) للكرد في سوريا بأنها (الإدارة المحلية).
وعلى أية حال فالعتب ليس على هذا المستعرب وغيره من سلالات المحتلين، وإنما العتب علينا عندما نتخلّى عن إرادة تحرير كردستان. إن المحتلين يُخيفوننا بتهمة (الانفصال)، فنُقسم لهم أننا لسنا انفصاليين، حسناً، ماذا يعني أننا لسنا انفصاليين؟ وماذا يعني أننا لا نريد تقسيم إيران والعراق وتركيا وسوريا؟ ألا يعني ذلك أننا راضون بالاستعمار الفارسي والتركي والعراقي والسوري دستورياً؟ ألا يعني أننا نتخلّى عن حقنا في تأسيس دولتنا المستقلة في وطننا كردستان؟
وبعبارة أخرى: ألا يعني ذلك أننا حرّاس أوفياء لكيانات سياسية تحتل كردستان بالقهر والمكر؟ وما الفرق بيننا وبين تلك الجارية التي رفضت الحرية وطالبت بالبقاء في العبودية؟ وإذا كان لتلك الجارية عذرها، باعتبارها ضعيفة بعيدة عن أهلها ووطنها، وقد تصبح فريسة في أيدي المتوحشين، فما عذرنا ونحن شعب لا يقل بأيّ حال عن 40 مليوناً من البشر، ولنا تراثنا النضالي العريق؟
أجل، لماذا علينا نحن- دون بقية الشعوب- أن نكون حرّاساً أوفياء لدول تحتل وطننا، وحماةً لمستعمرين متوحّشين ومتخلّفين إنسانياً؟ ألا يحق لمن يتأمل حالنا أن يقول: ” لَعَمْري! إنه لَشعب غريب هذا الذي يرفض الحرية والاستقلال”!
ومهما يكن، فلا بدّ من تحرير كردستان!

20 – 11 – 2012