الرئيسية » المرأة والأسرة » تمكين المرأة … ضرورة لا تقبل او تتحمل التأجيل

تمكين المرأة … ضرورة لا تقبل او تتحمل التأجيل

تمثل المرأة عنصرا” أساسيا” في المجتمع كونها تكمل الجزء الثاني الذي لا يمكنه الظهور والمواصلة بدون الجزء الأول. ولاشك ان الشعوب غير المتطورة تحاول جاهدة” عدم تمكين المرأة او السماح لها بتمثيل نفسها في المحافل والمواقع والأماكن كافة لكبح طاقاتها ومهاراتها ومواهبها وإمكانياتها التي هي هبة ممنوحة لها بدون مقابل من قبل صانع وواهب لا يقبل المساومة او المماطلة في هذا الموضوع. فالحرية والمساواة عنصران يضمنان للخليقة كافة الحقوق والواجبات بصورة عادلة … فبدون الحرية تصبح الكلمة والتعبير والرأي الأخر مقيدا” بسلاسل وأقفال لا يمكن فتح شفراتها. وبالنسبة الى المساواة عرفها علماء الاجتماع الغرب بالقول: “أعطاء حق الأخر مثل عملية توزيع او تقسيم الإرث عند وفاة المالك، فلا يمكن ان تعطى الحصص لفرد والأخر ينظر بانتظار لا يحدد بوقت …” ونفهم من هذا ان يكون للأخر نصيبا” كونه يمتلك مقومات تأهله على اكتسابها والحصول عليها.

فاستخدام أسلوب الاضطهاد او التسقيط، الذي ظهر بعد رياح التغيير في البلدان العربية، للأخر ما هو الا دليلا” على فشل تلك الشعوب وبقائها عند نقطة ثابتة دون تغيرها نحو التقدم الى الأمام ومواكبة التطورات العلمية والإنسانية في البلدان المتطورة بحجة ان تمكين المرأة وإعطائها المكانة والمنزلة الاجتماعية المرموقة، والتي تستحقها، يمثل تشويه الى المجتمع والصورة المرسومة من قبل تلك الشعوب كما تفعل بعضها في حرمانها من حق التمثيل، قيادة السيارة، الحجاب، ممارسة مهنة الأعلام، تمثيل نفسها في المناصب القيادية او التنفيذية او التشريعية، …الخ. هذه الصورة بالحقيقة صورة معتمة وخالية من الرقة والشفافية من حيث التقديرات والحسابات الرياضية الموجودة على ارض الواقع. ولنقف لبرهة ونسأل أنفسنا السؤال الآتي: “كيف تكونت الخليقة والشعوب؟” والجواب واضحا” للجميع بتعاون القطبين الموجب والسالب وليس بفردية الرجل او ذكوريته! وبالتالي، لابد ان نحقق مبدأ التمكين والمساواة لان الرجل لوحده لا يستطيع أكمال مشوار الحياة خصوصا” الاجتماعية، الثقافية، الاقتصادية، السياسية وغيرها من مرافق الحياة المعقدة التي يكون جوهرها ذلك العنصر، المرأة، لان الرجل لا يمكنه نسيان حنان الأم، عطف الزوجة، مهارة المرأة، غذاء الزوجة، ولطف الحبيبة، …فلماذا نلبس الوجه الأخر عندما يصبح مصير تمكين المأة بأيدنا ونستخدم أفضل التعابير وأجمل العبارات وأروع المصطلحات عندما نريد كسب ود المرأة او الشابة كوننا بحاجة لها. لابد ان نضع حدا” لهذا … كون المرأة هي العمود الفقري للمجتمع وتمثل العامل الساند والمطور والمحفز لانجاز الأعمال والواجبات والمساعد الى الجزء الأخر، الرجل، فلماذا لا نشركها ونهملها او نتجاهلها! وبعبارة أخرى، يجب ان نعمل جميعا” بشعار: “شراكة لمواجهة التحديات على الأصعدة كافة.” كي نتخلص من سياسة التسقيط والتهميش.

وظهرت حديثا” معادلة القيم الحديثة التي تبنتها مجموعة من الناشطات من دول نامية هدفها نشر مفاهيم التمكين، النوعية، الشمولية، التداخل، المشاركة، الإسناد، الأنصاف، … الخ وهي كلها مصطلحات مشتقة من المفهوم العام: “التنمية البشرية المستدامة”. لم يطلق عليها الغرب عندما تبناها في السبعينيات التنمية الرجولية او الذكورية ، وإنما التنمية المستدامة او البشرية والعمل على مبدأ التمكين الذي عرفه علماء الغرب على انه: “توفير الدعم والإسناد اللازمين الى الجنسين دون تميز بين الاثنين.” فلابد ان نسعى الى نشر ثقافة الدعم للمرأة والسعي لتطوير مهاراتها وقابلياتها لأنها جوهرة المجتمع، ولؤلؤة البيئة والبحر والمحيط، وياسمين وجوري الجو بعطره الخلاب الدائم، وجمال الطبيعة بخضارها وصفاء سمائها الرائعين، والقليل بحقها ما يقال: هي الأم التي أنجبت الأجيال، الأخت التي وقفت في الشدائد، والراعية عند المحن والغيظ، والمربية التي خرجت بفضل الدرس القيم الذي تلقته مهندسة التصميم لتشيد أجمل البنايات وأروع المشاريع الذي شبه بالخيال، وهي القائد او المدير الذي توقف على قراره دول عظمى وكبرى، وهي الشاعرة التي تنظم وتنشد الشعر بقوافي ورموز وإيقاعات فنان تخفف من وطأة الذئب الجائر والنسر الكاسر والقاطور الهائج (شعر يقرأه عاشق ولهان، وحزين وبطران، وسعيد وحيران)، وهي الساهر بدون اجر على رضيع أصبح قائدا”، مديرا”، وزيرا”، كاتبا”، مهندسا”، معلما”، فلاحا”، سائقا”…الخ ونرى المرأة في الغرب تمكن بصورة لا توصف بحث تركت بصمة لا تنسى، فنرى “امارتياسن” قد أدخلت الأخلاق الى علم الاقتصاد الذي يستند على الجزء الأخر عند قراءة على الاقتصاد.

ولنعود بالتاريخ الى الوراء لنرى أننا أصحاب أقدم الحضارات عندما نشأة الحضارات القديمة التي اكتشفت قبل (5000) سنة. ونحن أصحاب “ملحمة كلكامش” المكتوبة في العراق حوالي (2000) سنة قبل الميلاد اذ سطرت على ارض العراق أولى القوانين التشريعية المعروفة في العالم، وأكثرها شهرة، قوانين حمورابي (1792 – 1750 ق. ب.) التي تمثل اوسع واشمل شريعة طبقت في أرجاء مملكة بابل الواسعة، وأرست النظام القانوني الذي نشر العدالة في البلاد. أذن الإنسان خليفة الله على أرضه ولم يقل الرجل او الذكر، فلماذا لا تكون المرأة وزيرة او مديرة او مستشارة … والعراق (7000) سنة من الحضارة. فالكلمة الصادقة وقول الحق مطلوب على كل إنسان في شعوب العالم وكما ذكر الله (عز وجل) في محكم كتابه الكريم: “ولقد كرمنا بني ادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا”.” (سورة الإسراء: 70).

والرأي الإسلامي نراه في مقدمة كتاب “الثقافة الإسلامية -4، حوار عن الأسرة وقضايا المرأة” عندما يصف مؤلف الكتاب المرأة قائلا”: “المرأة نصف المجتمع، وقد تتجاوز النصف في بعض الحالات والظروف. ودورها وتأثيرها في الحياة لا يقلان أهمية وخطورة من دور النصف الثاني (هو الرجل) ان لم يزدادا أهمية في بعض الوظائف والمسؤوليات. وبالرغم من ذلك؛ فقد جنى عليها فريقان، الأول: الذين كبلوا المرأة بأنواع الأحبار والأغلال التي ابتدعوها والصقوها – أحيانا”- بالدين ظلما” وتجاوزا”؛ فدفنوا طاقاتها؛ ومنعوها عن التعلم، وقيدوها عن تحمل مسؤولياتها في الحياة كمخلوق فضله الله على كثير ممن خلق، وجردوا المجتمع من نصفه الأخر الذي كان من المفروض ان يتحول الى وقود فعال للمساهمة في تحريك عجلة البناء والتطوير والتغيير في الحياة. والثاني: الذين تصدوا لقضيتها في العصر الراهن، ورفعوا شعارات الدفاع عن حقوقها، وزعموا العمل من اجل تحريرها من القيود والأغلال التي رسفت فيها ردحا” طويلا” من الزمن. ولاشك ان جناية الفريق الثاني لم تكن اقل تخريبا” وعذابا” للمرأة والمجتمع من جناية الفريق الأول.”

ونفهم من هذا ان المفهوم الإسلامي أيضا” يؤكد على التمكين والمساواة، ونرى البلدان المتطورة تنادي وتطبق شعار: “نحو مفهوم لآمن الإنسان” وتقول التنمية البشرية الدولية في عام (1994) الأتي في آمن الإنسان: “ان آمن الإنسان لا ياتي بالقوة او يعني السلاح، انه يعني بحياة الناس وكرامتهم.” وبالحقيقة، ان التنمية البشرية المستدامة التي تعتبر مسألة تمكين المرأة ضرورة لا تقبل التأجيل بمراعاة الأوضاع او المشكلات السياسية (محلية، إقليمية او دولية)؛ التركة الثقيلة (سلطات، حروب، نكبات، نزاعات او تدهور)؛ العنف او النزاع العرقي والطائفي (الحروب على الإرهاب، تواجد الأجانب، الفقر والتفاوت الاجتماعي او الفروق الفردية)؛ والتحول (الأسس الجديدة، التعايش المجتمعي السلمي، التقاليد والأعراف). ونقول يمكن حل اغلب هذه المشاكل بمشاركة المرأة والاستماع لأفكارها ولرائها.

ان آمن الإنسان يعني: “حماية الجوهر الحيوي لحياة جميع البشر بطرائق تعزز حريات الإنسان وتحقق الإنسان ذاته؛ تلك الحريات التي تمثل جوهر الحياة؛ وتعني حماية الناس من التهديدات والأوضاع الحرجة واسعة النطاق؛ وتعني استخدام العمليات التي تبنى على مواطن قوة الناس وتطلعاتهم. ويعني أيجاد النظم السياسية، الاجتماعية، البيئية، الاقتصادية، العسكرية، والثقافية، التي تمنح معا” الناس لبنات البقاء على قيد الحياة وكسب العيش والكرامة. فبدونها يموت احد الإطراف بعدم تحقيقها.

يشرح التقرير الوطني لحال التنمية البشرية العراقي لعام (2008، ص. 192) مقياس تمكين المرأة يحدد من خلال التركيز على فرص النساء بدلا” من قدراتهن، ويبرز مقياس تمكين المرأة عدم المساواة بين الجنسين في ثلاثة مجالات رئيسية:

1. ) المشاركة السياسية وسلطة صنع القرار: تقاس بالنسب المئوية لحصص النساء والرجال من مناصب المشرعين وكبار المسئولين والمديرين، وكذلك النسب المئوية لحصص النساء والرجال من المناصب المهنية والفنية.
2. ) المشاركة الاقتصادية وسلطة صنع القرار: تقاس بمؤشرين: النسب المئوية لحصص النساء والرجال من مناصب المشرعين وكبار المسئولين والمديرين. وكذلك النسب المئوية لحصص النساء والرجال من المناصب المهنية والفنية.
3. ) السيطرة على الموارد الاقتصادية: تقاس بالدخل المقدر المكتسب لكل من النساء والرجال.

في كل من هذه الأبعاد الثلاثة، يتم حساب نسبة مئوية معادلة موزعة بالتساوي، كمتوسط مرجح للسكان، طبقا” للمعادلة العامة الآتية: النسبة المئوية المعادلة الموزعة بالتساوي = (((نسبة الإناث من السكان) النسب المئوية للإناث -1)) + (نسبة الذكور من السكان -1)))-1

وبتوفير الأدلة الثلاثة: دليل التمثيل البرلماني، دليل النسبة المئوية للمشاركة الاقتصادية، ودليل النسبة المئوية المعادلة والموزعة بالتساوي للدخل، يتم حساب مقياس تمكين المرأة كمتوسط بسيط من الأدلة الثلاثة المذكورة.

وأخيرا”، نحتاج الى تفعيل النقاط أدناه لتمكين المرأة (نفس المصدر السابق، ص. 181)، وهي:

1. ) مواجهة ثقافة الهيمنة والتهميش والعنف بكل أشكاله ضد المرأة؛
2. ) تعديل القوانين (الدستور)؛
3. ) أطلاق الحرية للرأي العام لتشجيع الحوار والتوعية؛
4. ) تقسيم وتوزيع العمل بصورة عادلة؛
5. ) الالتزام بالتعليم الإلزامي وتمديده الى (9) سنوات (تعديل نص الدستور) سيوفر فرصة وقف التدهور في الالتحاق بالتعليم، اذ ليس من المعقول ان تزداد نسبة البنات في التعليم الجماعي في الوقت الذي تحجم فيه الأسر عن إرسال بناتها الى المدارس الابتدائية؛
6. ) ان أصلاح أنظمة ومناهج التعليم تنمح الفرصة لتغيير نظرة المجتمع الى التمييز ضد المرأة والشعور بالمسؤولية تجاهه، كما يمكن لمفاهيم حقوق الإنسان والمساواة وتكافؤ الفرص والترويج لها كثقافة مضادة للتميز والعنف السائد.

الاستاذ الباحث علي إسماعيل الجاف