الرئيسية » مقالات » تطور الأعلام العراقي … بين الماضي والحاضر

تطور الأعلام العراقي … بين الماضي والحاضر

يعتبر الاعلام وسيلة فعالة للتاثير في الانسان وتوجيه افكاره وايضاح الامور له وقد عرف الانسان تاثير الاعلام منذ اقدم العصور وقد تطورت اساليب الاعلام بتطور الحضارة حتى اصبح الاعلام فنا” له قواعده واسسه. تختلف اساليب الاعلام باختلاف الجهة المعلنة وغايتها وكذلك من مجتمع لاخر.

الاعلام في مجال العلاقات العامة يختلف عن الاعلام في المجالات التجارية والفرق يكمن في ان الهدف من الاعلام في العلاقات العامة هو اعطاء الجمهور توجيها صادقا” مع تجنب المبالغة او مجانية الصدق واعطاء المعلومات الصريحة عن المؤسسة ونشاطاتها واوضاعها لكسب ثقة الجمهور واحترامه وليس غاية الاعلام في العلاقات العامة كسب المستهلكين لاستهلاك بضاعة معينة كما تفعل المحلات والشركات التجارية وانما ايضاح مركز المؤسسة وواقعها للجمهور دون مبالغة او تهويل.

ويعرف الاعلام على انه: “تزويد الناس بالاخبار او المعلومات الصحيحة والسليمة بالاضافة الى الحقائق الثابتة التي تساهم على تكوين رأي سليم لواقعة من الواقع او مشكلة من المشاكل بحيث يعبر هذا الراي السليم تعبيرا” موضوعيا” عن عقلية الجماهير وميولهم.” ويقول عبد اللطيف في الاعلام الاتي: “الاعلام وسيلة من الوسائل الديمقراطية تستخدم في توعية الناس وتبصيرهم.”

ان غاية الاعلام هو الاقناع بنشر الحقائق الثابتة عن طريق المعلومات والحقائق الاخرى بحيث تقدم الارقام والاحصاءات كاملة غير منقوصة فان كان فيها نقصا” او عيبا” او تحيزا” خرجت عن نطاق الاعلام لتدخل في نطاق اخر كالتبشير او الاشاعات خدمة او ايذاء. ولهذا، فان الاعلام ليس تعبيرا” ذاتيا” من جانب رجل الاعلام او الصحفي او الناطق الرسمي لمؤسسة معينة وانما هو تعبيرا” موضوعيا” خالصا” وقائما” على الحقائق في بعض الاحيان وعلى الأرقام والاحصاءات في احيان اخرى كما في بحثي ودراستي هذه.

للاعلام ثلاث عناصر اساسية هي: المرسل، المستقبل، والادارة او الوسيلة. ويعتبر عنصر المرسل صاحب الرسالة الاعلامية او تلك الجهة التي تصدر منها هذه الرسالة سواء كانت جهة حكومية او اهلية او جماعة. اما عنصر المستقبل فهو الجهة التي توجه اليه الرسالة الاعلامية سواء كان فردا” او جماعة. والعنصر الثالث هو الادارة او الوسيلة التي بواسطتها تؤدى الرسائل الاعلامية. والرسائل الاعلامية يمكن ان تكون صحيفة، مجلة، اذاعة، تلفاز، خطبة، ندوة، مؤتمرات، او وكالات خاصة بنشر الاخبار.

وتشير اخر الابحاث بان الدول المتقدمة بذلت جهودا” مكثفة لإزالة العوائق عن طريق الاعلام ووضعت تحت تصرفها امكانات كبيرة لتسريع تطورها في النواحي الفكرية والبشرية وجعلها قطاعا” مبدعا” ومتطورا” ومتقدما” في مجتمعاتهم وفي عملية التغير. ولو نظرنا كيف حقق الرئيس الامريكي “اوباما” نجاحا” كبيرا” في حملته الانتخابية التي قام بها قبل الانتخابات وظهوره اعلاميا”؛ ودور الاعلام في ترويج فكرة “التغيير” له. نتوصل الى حقيقة مفادها ان الاعلام اداة نشيطة وفعالة من ادوات نشر الافكار بحيث اصبح العمل الاعلامي الصحيح صورة مشرقة عن الجماهير.

اذا كان الاعلام يقبل بوصفه الحالي ظاهرة فنية حديثة بل واكثر من ذلك ظاهرة من ظواهر هذا القرن فان جذوره تعود الى قرون قديمة ضاربة في اعماق الماضي، ولكن مفهوم الاعلام لم يتطور عربيا” بعد ان طورت الاختراعات الحديثة حياة الانسان. وان مفهوم الاعلام قديم بقدم الانسان ذاته؛ فالامثلة التالية التي عرفتها القبائل البدائية تظهر لنا قدم هذا المفهوم:

1. ) ابداء الرجال الكبار في القبيلة ارائهم في الامور التي لها علاقة وثيقة بحياة القبيلة بل وفي مصالحها ولذلك فانهم يزودون القبيلة بالاراء الصائبة السديدة والحلول الحكيمة لمشكلاتهم عن طريق تجمعهم في المضايف والدواوين.
2. ) ما يقدمه المعلم الذي يتول تربية الاطفال ليجعل منهم افرادا” صالحين.
3. ) ما يقدمه العراف الى القبيلة عن حالة الطقس والجو لمعرفة ما اذا كان يسمح بالزراعة ام لا. ان الشكل البسيط ل للاعلام والذي كان مستعملا” في قديم الزمان كاستخدام الشائعات كما حدث ذلك لدى اليونان القدامى. اما لدى الفراعنة او البابلين نلاحظ انهم سلكوا طريقا” اخر لنشر الافكار او الانباء وذلك بحفر الاوامر والتعليمات الدينية في المعابد والاحجار التي تنصب في الميادين ولم يكن الامر مقصورا” على الامور الفنية فقط. حيث تجاوزت ذلك الى نشر الاخبار الرياضية والعسكرية وخاصة تلك التي تتعلق بالفتوحات وغير ذلك من الامور الاخرى، ولعل ما ابتدعه الانسان في مجال الاتصال الجماهيري هو الكلمة التي ظلت تتطور مع تطور الانسان واتساع مفاهيمه ومعارفه كما ظل الانسان يتفنن في انتقائها والقائها فكون الانسان منها نظرة الاعلام المباشر او الاتصال الجماهيري. كما ان ايقاد النار وقرع الطبور واستعمال الرايات والاعلام والمشاعل والحمام الزاجل تمثل وسائل اعلامية بدائية سخرها الانسان لايصال الكلمة.
4. ) وخلال القرون الوسطى ظهرت طبقة التجار لها اهداف ودوافع معينة. فقد كانوا هؤلاء التجار ينقلون الاخبار والبضائع بين البلاد التي ينتقلون بينها وبذلك اعتبروا محررين للاخبار وينقلونها بين بلد واخر نتيجة تنقلاتهم. وهكذا استمر الحال لحين ظهور المطبعة عام (1436م) على يد غرتبزغ وبتقديم الطباعة خرجت وسائل الاعلام من حالة الفوضى الى اعتباره حرفة او صناعة فنية بعد ذلك قام الأصحاب بجمع الاخبار وطبعها ونشرها بواسطة النشرات الاخبارية.
5. ) وقد مهدت الاختراعات الواسعة الطريق امام الطباعة لكي تحقق تقدما” ملموسا” في بدايات القرن التاسع عشر حيث استخدمت الطباعة الالية عام (1840م) كما وان ظهور التصوير وعمل الكلائش المحفورة ادى الى ازدهار الطباعة وتطوير الصحافة وتعددها حيث بلغ عدد الصحف التي تصدر في فرنسا عام (1891م) حوالي (400) صحيفة، وفي بريطانيا عام (1910م) حوالي (58) صحيفة. وتطورت الطباعة ووصلت الى مرحلة (طباعة الاوفسيت) الحديثة الملونة ذات القدرة على انتاج ألوف النسخ المطبوعة من الصحف والكتب خلال وقت قصير الامر الذي خلق نهضة فكرية في العالم ساعدت على تقريب الثقافات مع بعضها بين شعوب العالم. وخلال القرن التاسع عشر نفسه ظهرت وكالات اخبار التي طورت وسائل الاعلام تطورا” كبيرا” نحو الامام ومن اوائل هذه الوكالات هي وكالة (الاسوشيستدبرس) عام (1848م) و (اليونايتدبرس) التي طورت النواحي الفنية في الصحافة خلال تلك الفترة حيث استخدمت الرسوم والصور الفوتغرافية التي احدثت تقدما” هائلا” في عالم الاخبار … وقد ظهرت وسيلة اعلامية جديدة بظهور الراديو والسينما والتلفزيون التي احدثت ثورة في وسائل الاعلام الحديث اذ افتتحت اول دار للسينما في باريس عام (1895م) وبعد الحرب العالمية الاولى سمعت الاذاعات في كل من انكلترا والولايات المتحدة الامريكية وبعدها فرنسا ثم تطورت الامور بظهور اول صحيفة تلفزيونية التي اعتبرت وسيلة حديثة من وسائل الاعلام المتطورة.

6. ) وشهد القرن العشرون احدث اساليب وسائل الاعلام باستعمال التلكس وارسال الصور بالراديو حتى تصل المعلومات الى مراكز صدورها بنفس المواعيد التي تصل فيه الى المدن وكذلك استعمال التلستار والتلفزيون الملون ونقل الاخبار بالصورة حال حدوثها في اماكنها مما جعل العالم متقاربا” مع بعضه البعض بحيث اصبح الاعلام في الوقت الحاضر جزاءا” من حياة الناس ودخل حياة المواطنين اليومية والسياسية والتربوية والتوجيهية، واصبح من الركائز الاساسية التي تعتمدها الدول في عمليات التقنية الاقتصادية والاجتماعية كما قدر له ان يكون اساس التفاهم الدولي والاحترام بين الدول والامم لما يقوم به من دور رئيسي في نشوء المعلومات في عصر مازالت الأمية تشكل فيه احدى السمات البارزة … ويشير الدليل الوطني العراقي لحال التنمية البشرية لعام (2008م) الى البطالة والفقر بالقول: “ان الفقر يرتبط ارتباطا” وثيقا” بازدياد مستويات البطالة، وتشكل العلاقة بينهما تحديا” كبيرا” للتنمية البشرية في العراق، واظهرت نتائج مستوى التشغيل والبطالة لسنة (2008م) ان معدل البطالة للفئة العمرية (15-45) هو ((30,0% بمعدل (30,1%) للرجال و (29,7%) للنساء والبطالة العام تشكل نسبة (15%).

ويمكن القول ان الاعلام السليم والجيد يسهم ويساعد في توطيد دعائم الامن والسلم.

وهكذا نرى ان الاعلام قد مر بمراحل متعددة منذ نشأته حتى عصرنا هذا أي منذ استعمال الطرق الإعلامية البدائية حتى مرحلة تسخير الاقمار الصناعية واستخدام الانترنيت واجهزة الهواتف النقالة، ويعزى السبب الى هذا التطور في وسائل الاعلام الى ايجاد وساطة سريعة للاتصال بالآخرين والتفاهم معهم ونقل المعلومات اليهم يضاف الى ايجاد وساطة سريعة للاتصال بالاخرين والتفاهم معهم ونقل المعلومات اليهم يضاف الى هذا النزعة الانسانية المتمثلة في الابتكار والكشف عن المجهول وتسخير الطبقة وطاقاتها الحديثة.

اما في العراق الحديث، عراق التغيير، فقد تطورت وسائل الأعلام تطورا” كبيرا” وبسرعة مذهلة للغاية فالصحافة التي تعتبر وسيلة فعالة من وسائل الاعلام قد تطورت خلال النصف الثاني من هذا القرن وانتشرت انتشارا” هائلا” في نشر الاخبار والانباء الصحفية الشيقة التي تدفع الناس لقرأتها والاستماع لها.

اما الاذاعة العراقية فقد بثت اول برامجها عام (1936م) والتلفزيونم بث اول برامجه عام (1956م). ووكالة الانباء العراقية عام (1959م) وادخل التلفزيون الملون عام (1976م). ويود الباحث ان يبين ان وسائل الاعلام في الدول النامية ينحصر تاثيرها في المدن حيث ان محطات الاذاعة والصحف والمسارح تتجمع في المدن وخاصة المدن الكبيرة رغم ان نسبة عالية من السكان يعيشون في المناطق الريفية بمعنى ذلك ان وسائل الاعلام انحصر تاثيرها في المدن دون الارياف.

ان الدخول الى عصر الاعلام اصبح مهمة صعبة على بعض البلدان وسهلة على الاخرى فنلاحظ ان العراق بعد نيسان عام (2003م) اصبحت خدمة الانترنيت من (4500) مشترك قبل عام (2003م) الى (261,000) مشترك لغاية نيسان عام (2007م). وصدرت خلال الاشهر الاولى من عام (2003م) اكثر من (180) صحيفة بحيث تصدرت الموصل المحافظات ب(40) صحيفة خلال شهر واحد بعد ان لم تكن تعرف سوى صحيفة اسبوعية واحدة هي “الحدباء” التي كان يصدرها خلال ربع قرن قسم الاعلام في محافظة نينوى. وتوقف صدور اكثر من (130) صحيفة بعد مدة قصيرة من صدورها، ولم يبقى اليوم سوى نحو (30) صحيفة يومية واسبوعية منها (14) صحيفة يومية تصدر في العاصمة بغداد. ويوجد (140) موقع خدمي أي بنسبة (4%) وان عدد المنتديات (48) منتدى أي بنسبة (5%) وبلغ عدد المجلات والنشرا الدورية (40). وبالاضافة الى وجود (31) محطة فضائية حتى ايلول عام (2007م)؛ و (80) محطة حاصلة على اجازة رسمية وهنالك (8) وكالات للانباء مستقلة و (1100) موقع الكتروني عراقي بحيث (264) موقع تابع للمؤسسات أي بنسبة (24%) و (133) ذات طابع خبري أي بنسبة (12%) من العدد الكلي. اما الصحف العراقية الورقية بلغت (396) موقع أي بنسبة (36%) من العدد الكلي.

اخيرا” بلغ عدد المواقع الدينية (42) موقعا” أي بنسبة (%3,2) وان عدد المواقع الثقافية والفنية والادبية بلغ (162) أي بنسبة (15%). هذه الارقام حسب التقرير الوطني لحال التنمية في العراق لعام (2008م).

وفي الختام، يود الباحث ان يعطي مثالا” حيا” عن تعدد اللغات كون البعض يعتبر مشكلة تعدد اللغات في البلد الواحد من المشاكل المهمة التي تواجه انتشار الاخبار والمعلومات ويمكن ان نلاحظ ذلك في بلد مثل الهند حيث يضم (21) ولاية تتكلم ب(18) لغة معترف بها من قبل الحكومة؛ الى جانب اكثر من (30) لغة محلية غير معترف بها؛ وهذا يعني ان كل المعلومات التي تذاع من الردايو وتنشر في الصحف تترجم الى اللغات المحلية وهذه ظاهرة تنطبق على معظم اقطار اسيا وافريقيا المكتضة بالشعوب ذات اللغات المتعددة ومن حسن الحظ ان للوطن العربي لغة واحدة، وهذا مما يسهل المساعي الاعلامية ذلك ان الكلمة هي اداة الاعلام ووسيلة ايصال الكلمة غايته.

الاستاذ الباحث علي إسماعيل حمة الجاف