الرئيسية » مقالات » غزة. . لا ناصر ولا معين

غزة. . لا ناصر ولا معين

لست مغاليا إذا قلت إن المظاهرات التي خرجت في الولايات الأمريكية وكوريا, وفي إسرائيل نفسها دعما لأهلنا في غزة كانت أضعاف أضعاف الفئات العربية الضئيلة التي, أبدت تذمرها واستيائها من القصف الصهيوني على أحياء غزة وضواحيها, كان المترفون والمتخاذلون من الساسة  العرب يدخنون الأركيلة في قصورهم المنيفة, ويرشفون أقداح القهوة البرازيلية المنقوعة بالنبيذ, بينما انصرفت الملايين العربية لمشاهدة ما تنقله قنوات الجزيرة الرياضية من مباريات حية لكرة القدم. .



فغزة ليست من المدن الخاضعة لبرامج الربيع البترولي, ولا من المدن المشمولة بتعاطف الفضائيات المشفرة لحساب الناتو. كان بود الفضائية المضللة أن تتهجم عليها, فتقول: أنها تخوض حرباً طائفية لا دخل لنا فيها, فما الذي يقولونه الآن عن مدينة مسجلة منذ ولادتها باسم العرب السنة ؟. كان بودهم أن يقولوا: أنها متعاونة مع إيران وتتلقى منها المساعدات, فما الذي يقولونه الآن عن مدينة ضربت حولها أطواق الحصار, وأغلقت بوجهها المنافذ والمعابر والقناطر والأنفاق, كان بودهم أن يقولوا: أنها من المدن المارقة حتى يتنكروا لها ويتجاهلوا أمرها, فما الذي يقولونه عن مدينة تحفظ القرآن الكريم على ظهر القلب وتعبد الله الواحد الأحد الفرد الصمد ؟. .


لكنهم تجاهلوها في النهاية وانصرفوا لمشاهدة وقائع تصفيات كرة القدم, بينما خرج الفيلسوف الأمريكي الكبير واليهودي المنصف (نعوم تشومسكي) بمظاهرة عارمة جابت شوارع القدس, في الليل والنهار, منددة بالهمجية الصهيونية, فاقترب منه مدير شرطتها (نيسو شوحم), وهمس في إذنه باللغة العبرية: أهدأ يا عم تشومسكي, وعد إلى ديارك, وكن مثل العرب الهادئة, أو مثل العرب المهدئة (بفتح الدال أو كسرها لا فرق), هؤلاء أناس ليس لهم من يدعمهم من العرب, وليس لهم من يؤازرهم من المسلمين, انهم من القبائل المحذوفة من ذاكرة الشيخ برميل, ولا مكان لهم في أجندة وعاظ السلاطين. .



مما يؤسف له إن المنظمات (الجهادية) التي كانت تتظاهر بمؤزرتها الكلامية لمنظمة (حماس) انشغلت هذه الأيام بمناقشة فتوى تهديم (أبو الهول), بينما توافد وزراء خارجية أوربا على تل أبيب لتأييدها ومشايعتها ضد غزة, في حين سجل وزراء الخارجية العرب رقما قياسيا جديدا في التخاذل. .


استدعت إسرائيل (75) ألفا من جنود الاحتياط استعدادا لاقتحامها, ومواصلة الهجوم عليها من كل الجبهات, لكنها ترددت قليلا خوفا من غضبة حماس, وتحسبا للانجرار إلى حلبة الاستنزاف, التي قد تفرضها صولات كتائب القسام. .


ربما كان (عفيف كوخافي) رئيس جهاز (أمان) الإسرائيلي أعلم من غيره بقدرات الكتائب الاستثنائية على تغيير معادلة الحشود الإسرائيلية لصالحها, وهو أعلم من غيره بقدرات صواريخ (الفجر) على دك حصون (ديمونة), وكان من الطبيعي أن يقف في طليعة المعترضين على عمليات (عامود سحاب). .


نجح الغزيون بإسقاط طائرة حربية من طائرات الغزاة, في الوقت الذي سقطت فيه المليشيات العربية المتجحفلة مع الناتو, وظهرت على حقيقتها البنتاغونية المزيفة. وفقد الصهاينة زمام الأمور, ولم تعد لديهم القدرة على استعادة قوة الردع. .



ازدحمت المشاهد الدامية بصور الجهاد الحقيقي في مواجهة العدو الحقيقي, فتيان يقاتلون في الشوارع, وآخرون يسددون ضرباتهم من فوق سطوح المنازل, وشباب يشتبكون مباشرة مع العدو, وشيوخ يجمعون المساعدات ويقدمون الدعم. .


كان من السهل سماع صراخ جنود العدو وعويلهم في الملاجئ التي اخترقتها الضربات الصاروخية المباشرة. .


ضربات قاصمة سددها جند الحق ضد جند الباطل, شجاعة ما بعدها شجاعة, وصمود لا يعرف الذل ولا التخاذل ولا الاستسلام, ليس فيه استنجاد بقوات التحالف التي تحالفت معها دول الغدر والخيانة, فالغزيون يواجهون الموت بصدورهم العارية, فمن ساند الحق سلم وغنم, ومن عارضه اندحر وندم, لم يهربوا من مصيرهم المحتوم بعد أن رسموا طريق العزة بإيمانهم وإرادتهم وشجاعتهم, فوقفوا وحدهم بإزاء الباطل كله, لم تدعمهم قطر, ولا دول البطر, ولا الفارين من الخطر. .



الغزيون أقلية مجاهدة لا تنتسب إلى الأكثرية القاعدة, ولا إلى القاعدة. حملوا كتاب الله في قلوبهم, وساروا بثبات نحو المجد الحقيقي, فهنيئا لهم الشهادة دفاعا عن أرضهم وعرضهم وكرامتهم, وهنيئا للذين ضمدوا جراحهم بأكفان شهدائهم, هنيئا لهم هذا الصمود وهذا التحدي, وهنيئا لهنية على شجاعته الفائقة وبسالته الرائعة, فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله. . . .





جريدة المستقبل العراقي في 20/11/2012