الرئيسية » مقالات » الدراسات العليا … صراع زمني ام معرفي

الدراسات العليا … صراع زمني ام معرفي

يعتقد الكثيرون ان العلم والمعرفة مسألة سهلة المنال بمجرد الحصول على الشهادة الجامعية الاولية؛ لكنهم عند ولوجهم في ذلك العالم الغريب (العمل الميداني والواقعي) بجوانبه، المذهل في فهمه، المتطور في معرفته، والمتقدم في اشكاله وافكاره ومعارفه وفق معادلة الزمن. وعند تلك النقطة الصعبة او المحطة المؤقتة يدرك ذلك الطبيب، المدرس، القاضي، المهندس، المحامي، الاستاذ، …الخ ان ما حصل عليه هو مجرد معرفة اولية وسطحية لعدة اسباب: محدودية التوسع والاطلاع، ندرة القراءة، قلة الادراك الذهني، ندرة المصادر والمواضيع العلمية، قدم المناهج والمقررات او المفردات الدراسية، عدم امكانية الموجه او المرشد وكذلك مشاكل الدنيا وهموم الحياة.

فيرى ذلك المتعلم انه ليس مثقفا” وانما انسانا” هامشيا” في حياته ذو نفوذ على ابناء جلدته فقط، لان ما يملكه لايفيد الجميع ولاينفعهم لقصور معلوماته ومحدودية افكاره. فيلجأ لما يعرف لدينا “بالتكامل الشخصي” اي الحصول على شهادة جامعية، وهذا ليس كافيا”؛ وانما بذل الجهود البدنية والمالية في كسب شهادة عليا تمكنه من سد الفجوات الداخلية كون صاحبنا يعاني من عقدة الكمال. فالهدف هنا هو شخصي وذاتي وليس لفائدة البلد والمجتمع بما كسبه وليس تعلمه، الفرق كبير بين الاكتساب والتعلم، ذهنيا” واصبح ملما” بكل جوانب ذلك العلم والمعرفة.

فنرى الكثيرون من حملة الشهادات العليا يفتقر الى ثقافة اللغة، المحادثة، المشاورة، المعايير الاخلاقية، المنهج الواضح، والتنويع. وهناك نظرة المجتمع الذي يريد ان يسمعه، ليس كمثقف، ويقدره ويميزه على بني جنسه! بعبارة اخرى، كان ذلك المتعلم يريد الحصول على شهادة ليتفاخر بها امام قومه وابناء جلدته ويقول: “انا اصبحت استاذا” او بروفيسورا””؛ لكنه لايجيد صاحبنا الطبيب او الاستاذ او البروفيسور اللغة الانجليزية، اللغة العربية الفصحى، فن الخطابة والالقاء، التوازن الاجتماعي والثقافي، القيادة والاتصال، التأثير بالاخرين، ويبقى ضحية الزمن في تطوير مهاراته وادواته الذاتية لانه يدرك ان المجتمع لن يعترض على ما يقوله كونه قد حصل على الشهادة العليا، وتميز عنهم ولا اهمية لما يملكه من العلم والمعرفة.

السبب في ذلك هو ان الاساليب والطرق والمناهج المتبعة في الدراسات العليا هي بالية وقديمة وكلاسيكية، ويجعلون الطالب، في كل الاختصاصات، مصارعا” بارعا” ومحنكا” مع معادلة الزمن في انجاز الواجب او الاختبار او الامتحان؛ لكنه ضعيفا” ولا يدرك مما تعلمه سوى السرد، التنظير، المحاكاة، والحفظ الببغاوي الذي يتلاشى بمرور الزمن وهموم الحياة. فالغرب جلب وطور وحسن وعدل وغير مما يملك ليماشي التطور والمعرفة والعلم والتقدم والتغير لديهم بالثانية وليس بالسنين!

وقام الغرب بتشجيع الرجل الكبير على التعلم واكمال دراسته العليا الذي بلغ عمره ثمانون عاما”، ونحن باقون بأرسال الطلبة الى الخارج (وفق المحسوبية والعلاقات والوساطة) ومحدودية المقاعد وقلة التطور والمتابعة المعدومة لما يجري والزيارات الميدانية التي تنتهي بأفخر المطاعم والفنادق ولقاء الجهات العليا وذات الشأن … وندرة المكتبات العامة التي يتواجد فيها كتبا” منذ اسلافنا القدماء والعالم اليوم يجد الكتاب في جهاز IPhone قبل وصوله الى المكتبات ليباع! وجعل الغرب الطالب باحثا” منذ نعومة اظافره وليس ان يلجأ الى مصحح لغوي ومدقق معرفي وايجاد استاذ مشرف من محافظة تبعد عن جامعته عشرة ساعات. والافضل ان تكون الدراسات العليا مدارس مفتوحة للجميع وتمدد سنواتها الى الاربعة والعشرة وتقدم ثلاثة بحوث على الاقل من قبل الطالب في الدراسات الاولية وخمسة بحوث وثلاثة اطاريح في الدراسات العليا ليكون متطورا” فكريا” ومعرفيا” ومهيئا” لمواجهة الاجيال ويقوم بتطويرها وتنميتها كما حصل معه، وليس ان يحاربها كما حدث معه! الطالب اليوم ضحية الزمن ويصارع دون جدوى معرفية وعلمية وفكرية. وهناك حاجة الى اعادة النظر بالقب العلمي (م.) ، (م. م.) ، (أ. م.) ، (أ. م. د.) ، (أ. د.) ، (أ.) واستاذ مشترك واستاذ متمرس واستاذ خبير وخبير وعلامة ومستشار وغيرها كون الحاصلين عليها اليوم اعمارهم وانجازاتهم … مع ما حصلوا عليه وضرورة زيادة وتنوع عدد الابحاث التي يقدمها حملة تلك الالقاب.