الرئيسية » مقالات » المنحرفون في العوّامة الخضراء

المنحرفون في العوّامة الخضراء

العوامّة ( قبل ان تنقرض اليوم تقريبا ) اسم يطلق في مصر على نوعين من البيوت احداهما ثابتة تقام على سطح الماء قريبا من ضفاف النيل، والثانية متنقلة تتحرك بواسطة المحركات. وللعوّامة تاريخ طويل وشهرة كبيرة حتى بداية سبعينات القرن الماضي، ولم تكن هذه العوامّات مكانا لسكن الطبقة الارستقراطية ولهوها ومجونها، ولا مكانا لبعض الفنانات والفنانين ولياليهم الحمراء فقط (واشهرها عوّامة منيرة المهدية التي كانت مقرا لاجتماعات غيرت مسار العديد من الاحداث في مصر حينها)، بل كانت وكرا لبعض اشهر الجواسيس وخصوصا اثناء الحرب العالمية الثانية. وقصة الراقصة الجاسوسة حكمت فهمي تعتبر من اشهر قصص الجاسوسية في مصر سنوات تلك الحرب. ومن وحي العوامّات كتب الروائي نجيب محفوظ روايته الشهيرة ثرثرة فوق النيل، والتي تدور احداثهاعن هروب البعض من الواقع المر للحياة، وفضاءات الخوف والرعب من السلطات التي تقرر كل شيء. باتخاذهم قرارهم السلبي تجاه تغيير واقع اكثر من مرّ في حياة مجتمعهم وبلدهم بهروبهم من تحمّل المسؤولية لان (السفينة تسير دون حاجة الى رأينا او معاونتنا، وان التفكير بعد ذلك لن يجدي شيئا *). وهذا النوع من التفكير مارسه الكثير من ابناء العراق في فترة طغيان القتلة البعثيين عن طريق جملة مستخدمة لليوم غيرت مسار الاحداث في العراق الى ما نحن عليه الان، والقادم من الايام سيكون اسوأ ان لم يتجاوزها ابناءه وهي جملة (آني شعليه)، التي استفاد منها البعثيون ويروج لها الطائفيون اليوم ان لم يكن في البلد بأكمله فبين طوائفهم وقومياتهم او مدنهم وقراهم على اقل تقدير .

وللعوامّات على ضفاف دجلة كما النيل تاريخ طويل انتهت تقريبا في سبعينيات القرن الماضي، اذ كانت في بغداد وعلى ضفاف دجلة ما يشبه العوّامات ويطلق عليها البغداديون (چراديغ ومفردها چرداغ) الذي هو عبارة عن عريشة من السعف والقصب والحبال كانت مأوى للهو والطرب والهروب من قيظ بغداد، قبل ان تنحسر تلك الشواطيء وتتحول تتدريجيا الى اماكن خاصة لعتاة المجرمين من ساقطي البعث. ومنذ دخول اول سادّي منهم الى القصر الجمهوري على ضفاف دجلة بعد نجاح ما تسمى بعاهرة ” الثورات ” وفق ادبيات هذا الحزب المنحرف ولليوم، حتى دارت الدوائر على دجلة الخير ليبكيها الشعراء والادباء والسياسيون الهاربون من جحيم الطاعون البعثي، او اولئك المناضلون الذين امتلأت بهم سجون ومعتقلات وملاعب العراق. ففي صبيحة ذلك اليوم المشؤوم من شباط 1963 تخلت دجلة عن خيرها عنوة لتكون وطيلة فترة حكم ابناء الازقة الخلفية عنوانا لنهر موت ورعب، ولتُختَصر من على ضفتيها مساحات الحياة البغدادية لصالح مساحات ابناء القرية القادمين من القرى المنسية المهملة او من عمق الصحراء، اولئك البدو المهووسون بثقافة القتل والسلب والنهب ، من الذين فرضوا الصمت والخوف على ابناء العراق ليثرثروا لوحدهم، بعد ان حولوا العراق الى عوّامة يمارسون من خلالها كل اشكال الخيانة والرذيلة. فمن ضفاف دجلة وبيوت الرعب المزروعة فيها انطلق قطار البعث الهمجي ليسحق الوطن والانسان العراقي، ليصل (القطار) بعد اربعة عقود تقريبا الى محطته الاخيرة والعراق حطام بلد ضاع في لجّة خيانة البعث والفكر العروبي ولم يبقى منه الا اطلال. ولتغيب من سماء العراق بوصول ذلك القطار الى محطته الاخيرة تلك الغيوم السوداء ليرى من خلالها الانسان العراقي او هكذا خيّل له، اوسع الفضاءات وليرسم زهرة الحرية بالوان زاهية وليحلم لاول مرة بعد نهاية عهد الكوابيس المرعبة، بغدّ افضل لابناءه ووطنه، حالما بدجلة بلا عوامات ولا رجال حالمون بالقتل والسلب والنهب. حالما برجال عاهدوا انفسهم وربهم وشعبهم عندما كانوا يقارعون سلطة الضباع البعثية، على اعادة العافية لوطنهم وبناءه ليكون وطنا لجميع العراقيين دون تمييز، كي يتمتعوا لاول مرة حالهم حال شعوب البلدان النفطية الاخرى بخيرات بلدهم، ومعاهدين جماهيرهم على الاقل بان لا عوّامات على ضفاف دجلة بعد الآن . فهل كان هؤلاء الرجال اوفياء لعهدهم الذي قطعوه على انفسهم بانهاء مواخير الخيانة والقتل وسرقة وتبديد الثروة الوطنية تلك التي مارسها فاشيو البعث طيلة فترة حكمهم للعراق؟ ام انهم ساروا على نهج البعث الساقط في عدائهم لوطنهم وحقدهم عليه، وسرقة ثروات شعبهم من خلال عمليات فساد تزكم الانوف، ليغتصبوا دجلة مرة اخرى ويجعلوا منها عوامة حيث العهر فيها هذه المرة شرعي. كشرعية المحاصصة وشرعية الاختلاسات وشرعية غياب الخدمات وشرعية سرقة قوت الفقراء وشرعية كاتم الصوت؟ وعلى عكس رواية محفوظ فان الذين هربوا الى العوّامات في عراق العجائب ليسوا من بسطاء الناس الذين اصابهم اليأس من تغيير واقعهم المعاش والحلم بتغييره، بل اولئك الرجال الذين ناضلوا و(جاهدوا) لسنوات طوال ضد اشرس نظام دكتاتوري عرفته بلادنا والمنطقة، ولتكن عوامتهم الخضراء هذه اشبه بماخور يُغتَصَب فيه البلد، وطاولة قمار يقامر فيه متحاصصوا السلطة بثرواته، واوكارا سرية لنشاطات مخابرات دول اجنبية يرتبطون بها.

ايها المتحاصصون من رواد العوامة الخضراء لقد ازكمت انوفنا روائح فسادكم الذي طال كل شيء، من مقاولات بناء المدارس والمستشفيات والملاعب وغيرها والتي تقودها مافياتكم، الى عقود وزارات التجارة والكهرباء والنفط والدفاع وغيرها، حتى وصل الامر بكم الى سرقة قوت الفقراء عن طريق الغاء البطاقة التموينية بحجة الفساد الذي يرافق توزيعها، وكأن الفساد غير مستشر في مفاصل البلد المختلفة. صدقوني ايتها السيدات والسادة من برلمانيين ووزراء ومسؤولي هذا البلد المبتلى بكم من انكم مفلسين، فهل من بينكم شخصا ما قادر على قول هذه الحقيقة التي نعرفها جميعا وهل لديكم الجرأة كي تعلنوا افلاسكم.

ان العراق وان الشام، مذ زمن ………. صفران، ما بهما للملك سلطان
ساس الانام شياطين مسلطة ………. في كل مصر، من الوالين شيطان
من ليس يحفل خمص الناس كلهم ………. ان بات يشرب خمرا، وهو مبطان **


* حوار من رواية ثرثرة فوق النيل لنجيب محفوظ.

** اللزوميات لابي العلاء المعري.

13/11/2012
الدنمارك