الرئيسية » مقالات » انهض أيها المثقف.. فهذا يومك

انهض أيها المثقف.. فهذا يومك

مع أحلامنا الكثيرة، التي ظنناها ستصبح واقعا بعد سقوط النظام السابق، كانت لنا آمال كثيرة أيضا. وكنا قد رسمنا، بثقة عالية، خارطة عريضة لكم من المستحيلات. قلنا، مستحيل أن تكون هناك انقلابات عسكرية للاستحواذ على السلطة بعد اليوم. ومستحيل أن يعود البعثيون للحكم. ومستحيل أن يسعى العراق إلى شن حرب داخلية أو خارجية بعد اليوم. ومستحيل أن تعود الدكتاتورية لبلدنا تحت أي ذريعة أو غطاء. وإن كنا قد حسبنا للحرب الطائفية حسابا، لكن ما كان يخطر في بال احد منا أن تلوح على أرضنا لوائح احتراب بين الشيعة والكرد. فطبيعة العلائق “الشيعية – الكردية” اتخذت أبعادا إستراتيجية، يطول الكلام في شرح أسبابها. كل تلك التي حسبناها من ضروب المستحيل ما عادت كذلك، عدا استحالة قيام انقلاب عسكري لاغتصاب السلطة ونتمنى أن يظل ذلك مستحيلا.
تحدثت عن تلك التوقعات بلغة الجمع لأنها كانت توقعات عند أكثر أبناء شعبنا أو كلهم تقريبا. مع هذا يبقى لكل منا أحلامه الخاصة التي راودته منذ اللحظة التي سقط بها نظام صدام. فشخصيا كنت متفائلا بأن سيكون للمثقفين والعلماء والمبدعين دور فاعل ومؤثر في رسم معالم الوجه الجديد للعراق. لكن ها هي السنين تمر وتمر، فتعلو أصوات الطائفيين والعنصريين والمفسدين، بينما صوت المثقف يخفت. لقد حاربت السلطة الجديدة المثقفين وهمشتهم بوسائل لا تقل عنجهية عن النظام السابق. لقد استثمرت الحكومة اليوم لعبة “المحاصصة” فجعلت الثقافة ومؤسساتها نهبا لأنصاف المثقفين والجهلة الذين ولوجوا أبوابها تحت عباءة الطائفية والتزلف للحاكم الجديد.
أعترف، بكل صدق، أني خائف من حرب تلوح لوائحها في بلدي، الذي لا يتحمل حرب ساعة وليس سنين. نذر كافية لإخافة كل عراقي حريص على دماء أهله التي هدرت منها انهار بفعل رعونة السياسيين من أيام صدام إلى اليوم. إني أرى البلد بحاجة إلى فعل من نوع آخر، فقد ثبت أن من يعول على الفعل السياسي لا “يقشمر” إلا نفسه.
فيا أيها المثقفون اعتبروه مني اقتراحا، أو توسلا من اجل هذا الوطن وحقن دماء أهله، أن تبادروا، بأنفسكم وليس بقرار من هذا السياسي أو ذاك، إلى مسيرة تنتهي بمؤتمر ثقافي عام يجمع بين المثقفين من كل الأعراق والطوائف العراقية. اسقطوا زمام المبادرة من يد السياسيين واصرخوا بوجوههم: إننا المثقفون العراقيين عرباً وكرداً وتركماناً، مسلمين ومسيحيين ومندائيين وايزيديين، سنة وشيعة، نقول لكم كفى أيها المتاجرون بدماء الوطن والناس. كفى وألف كفى. وعلى الخيّر فيكم، إن كان فيكم خيّر، أن يقول خيرا أو يصمت.
المدى