الرئيسية » شؤون كوردستانية » الحكومة الاتحادية و ممارسة التهويل الايديولوجي ضد إقليم كوردستان

الحكومة الاتحادية و ممارسة التهويل الايديولوجي ضد إقليم كوردستان

من المعلوم بأن ممارسة التهويل الإيديولوجي هي من مفاعيل التعامل الضدي والسلبي مع الآخر المختلف. هذا التعامل هو الوجه الآخر للداء السياسي في العراق، المتجسد في تجنيس الإعلام المدفوع من خلال أجندات خاصة تعمل لصالح أصحاب الدعوات الدينية القوموية، مدّعياً إمتلاك الحقيقة والعدالة والمثابرة في الدفاع عن مصالح “الجماهير” الشعب بالوسيلة و التمثل و العمل من أجل العراق الوحدوي، هذا يجلب معه التمترس وراء الهويات الدينية القوموية وعسكرة المجتمعات العراقية، علی نحو يعزز العداء القومي وصدام الثقافات المختلفة أصلاً بشكل سلبي.
صحيح بأن إستخدام سياسة التقسيم المنهجي يطوّل مدی حكم الذين يمارسون السلطة في العراق، السائر حسب قراءاتنا نحو المركزية، و يمهّد الطريق أمامهم للإستقواء علی الشعب العراقي بكياناته المختلفة بدافع الوصول الی الإستبدادية و إعلان الحرب علی المخالف والمعارض للمذهب الموالي والمطبّل للسلطة.
إن قاموس الحكومة الحالية في العراق الإتحادي لا يحتوي بعد الآن علی مفردات مثل التنمية والبناء والتطور والبحث عن حلول للمشاكل العالقة وتبادل أفكار و أخذ البنود الدستورية والإتفاقيات السياسية بجدية، واضعاً جلّ إهتماماتها في محاولات یائسة لإيجاد منافذ لتوجيه التهم الباطلة ضد حكومة إقليم كوردستان بكثير من السطحية و الديماغوغية و ملقيةً سبب فشل تجاربها علی عاتق الكوردستانيين، بعد أن حاولت إحراق دفاترها اليومية المليئة بأوصاف كالفساد والسرقة والإختلاس، كي لا يتمكن أية جهة معارضة لا الآن و لا في المستقبل من إستجوابها و معاقبتها و كي لا تُمارس هي التقی والتواضع الوجودي للإبتعاد عن دفة السلطة.
حكومة السيد نوري المالكي أعلنت نواياها في إحتكار المشروعية لممارسة الوكالة الحصرية علی شؤون الشعب العراقي، لأنها تعتقد بإمتلاك مفاتيح الحلول، التي تكمن في عسكرة المجتمع و رفض الآخر المختلف و إقصاءه و إلغائه بشكل رمزي و إستئصاله إن أمكن بشكل مادي، كي تنتهي دوره الإيجابي، الذي مارسه بشكل فعّال في بناء عراق ما بعد غياب العملة الدكتاتورية عام 2003 و أخيراً في مبادرته التاريخية في تشكيل الحكومة الإتحادية.
إن إستخدام سياسة القواقع الفكرية الخانقة و نشر فيروس المركزية من قبل حكومة السيد نوري المالكي من أجل تغليب الإعتبارات المذهبية أو القوموية علی الصناعة المفهومية والمشاغل المعرفية و سلب الهوية والإرادة بعد تشعب أذرع رأس تيار التفرّد كالأخطبوط لا يبشر للعراق والعراقيين بخير. و ما نلمسه اليوم في العراق هو مراكمة المشكلات المزمنة كالمماطلة في تطبيق بنود المادة 140 من الدستور، بهدف التهوّن لعدم إنجاز شيء إيجابي يذكر والتهوّل بالمشكلات للقعود عن المطالبة و الهروب من حمل المسؤولية. الحكومة الحالية متفق مع الأطراف السياسية الأخری فيما لا يحتاج الی تنفيذ، فكيف بالمطالب الإصلاحية والتحديثية.
إن العمل علی قتل الروحية المتحركة والفكر المتطور في الكيانات العراقية و إحاطة النفس بهالة من الحصانة والعصمة هي من مميزات هذه الحکومة، التي تقف حجر عثرة أمام التوجه نحو الديمقراطية و بناء الدولة وفق مؤسسات مستقلة و تضرب الفدرالية عرض الحائط. وإن الغفاء على أمجاد التاريخ المعتق بالأساطير والمخترق بالخرافات و عدم التجرأ علی كسر هذه النرجسية سوف يعيد العراق الی المركزية وإن التجارب السابقة برهنت بأن القوة العمياء والهيمنة الفئوية وإحتكار السلطة، کل ذلك لم يجلب أمناً أو يصنع تعايشاً سلمياً بين المكونات الأساسية في هذا البلد أو يصون حرية و كرامة الفرد.
فالسعي في تنفيذ الخطة الجهنمية و تحقيق الحلم المجنون مآله كسب حماقات تاريخية ترتد دوماً علی العراق خراباً و دماراً. المجتمعات العراقية اليوم بأشد الحاجة الی ساسة يعملون علی إنتاج ثقافة جديدة، منفتحة، مدنية و سلمية مبنية علی عقلية المداولة والشراكة الحقيقية، لا علی الدعوة و الترويج لعقلية الضد و منطق الإقصاء.
لقد ولیّ زمن سماح الشعب الكوردستاني للحكومات في العراق الإتحادي ببسط الهيمنة بعد لبس جلباب ديني كان أم قوموي و التعمد إلی تفتيت ديموغرافيته علی أساس أقوام لإستغلال نزاعاتها و طوائف لتوظيف صراعاتها أو قبائل لإستثمار نعراتها، بهدف إبقاءها خاضعة سياسياً وعليلة إجتماعياً، للترويض بإرادتها و نهب ثرواتها و توزيع أسلابها وتعطيل ديناميات الارتقاء الحضاري عندها، وكبح تطلعات التواصل الإنساني لديها.
ختاماً: من لا يعمل علی تحرير الوعي الثقافي السياسي من كل تصور دوغمائي قوموي، الذي يبقی دوماً حجر عثرة أمام الإنفتاح والتلاقح الخصب والمنتج، بعيداً عن كل وصاية مسبقة تمنع تطوره وارتقاءه نحو فضاءات أغنى وأرحب، لا يستطيع أن يستقبل كل ما هو جديد في مضامير الفكريات والثقافات والحضارات والديانات والهويات، فكيف ننتظر منه أن يقوم بإستدخال كل ما هو مستحدث في حقول المؤسسات والممارسات والعلاقات والتشريعات؟
الدكتور سامان سوراني