الرئيسية » مقالات » خوازيق السياسة الفلسطينية (3)

خوازيق السياسة الفلسطينية (3)




تفترض الحياة السياسية المعاصرة اعتماد الانتخابات طريقة للوصول إلى الحكم، نظرا لتعدد الأحزاب التي تشكل المناخ السياسي العام في المجتمعات البشرية الحديثة، ويعد تنافس الكوادر السياسية تنافسا منطقيا ومقبولا ضمن أبجدية مدروسة وواقعية تفرز قيادة موحدة يسير خلفها الشعب ويعمل الجميع من أجلها، تحقيقا لمصالح عليا.
وقد شهدت الساحة الفلسطينية انتخابات متعددة عام 1996 وأفرزت قيادات سياسية على مستوى رئيس السلطة الفلسطينية، فكان ياسر عرفات أول رئيس منتخب، وأوجد مجلس تشريعي منتخب، وتجاوزت تلك الإفرازات السياسية المدة القانونية وبقيت تحكم الواقع الفلسطيني حتى عام 2006، وقد غابت عن تلك الانتخابات حركات فلسطينية فاعلة، ولم تشارك فيها لاعتبارات سياسية وفكرية خاصة، على اعتبار أن تلك الانتخابات حينها هي متطلب من متطلبات اتفاق أوسلو المشئوم عام 1993.
لقد حدثت تقلبات دراماتيكية في الحياة السياسية الفلسطينية، وكان أبرزها اشتعال الانتفاضة المسلحة الثانية عام 2000 وما جرته على الشعب الفلسطيني من مآس كبيرة، أرجعته إلى نقطة الصفر، وتم محاصرة الفلسطينيين وملاحقتهم على كل الأصعدة، ولم يسلم من ذلك كبير ولا صغير، واستشرت الفوضى في الواقع الفلسطيني، وتم تخريب الحياة السياسية واستفحل الفساد السياسي والإداري وغابت المحاكمة لهؤلاء، وتمكن الاحتلال مرة أخرى، ولعق كل الاتفاقيات السابقة على هزال ما أعطت للفلسطينيين من فتات ومن وهم السلطة والسيطرة، ولم يتبق للشعب والقيادة سوى السراب.
لقد دخل الفلسطينيون نفقا أشد ظلمة من ذي قبل، وأصبحت الدوامة قاتلة، فجاءت التدخلات الدولية، وتم الاتفاق على خارطة طريق تحاول إرجاع الأوضاع إلى بعض ما كانت عليه، وتؤكد الاتفاقيات السابقة التي جاءت بالسلطة وبمؤسساتها الأمنية والسياسية، وتؤكد فعالية واستمرار اتفاقية أوسلو وتقسيم المناطق الفلسطينية إلى أ و ب و ج، وتطالب بإجراء انتخابات فلسطينية على المستويات الثلاثة التنفيذية والتشريعية والبلديات.
وتم الاتفاق على إجراء انتخابات فلسطينية شاملة عام 2006، بعد الخروج من معمعة الانتفاضة الثانية والشعب يقطر دما من مباضع الاحتلال الحادة، وكان من أوجاعها تقطيع أشلاء الجغرافيا الفلسطينية وانتشار الحواجز العسكرية الثابتة والمتنقلة، ورجعت السيطرة المباشرة للاحتلال الإسرائيلي أشد وأعنف، في ظل هذه الأجواء السياسية القاتمة التي تفرض إبداعا حقيقيا من القيادات السياسية للخروج بالشعب من محنته السياسية والاقتصادية أدخلته تلك القيادات في وهم جديد بانتخابات تحقق الآمال لمن فرضها، وكانت تستهدف إيجاد قيادات بديلة تتعامل مع الاحتلال ومتابعة مسيرة التفاوض المقيت وطحن المياه، وتجديد القيادات الأمنية التي تحرس الأمن داخليا وتمنع المقاومة والمقاومين، محققة بذلك إنجازات لم تكن إسرائيل تحلم بها!!
وتجري الانتخابات وتشارك كل الفصائل فيها إسلامية وعلمانية وتكون نتائجها كارثية، فقد فازت حركة حماس بأغلبية في المجلس التشريعي وشكلت الحكومة الفلسطينية التي لم يكن لها واقع سيادي حقيقي، وبقي أعضاؤها من نواب الشعب المنتخبين ينتظرون الإذن للتنقل من مدينة إلى أخرى من أصغر جندي إسرائيلي على أهون حاجز عسكري، ولم يكتف الاحتلال بذلك بل قام باعتقال بعض أعضاء المجلس التشريعي وزج بهم في السجون وخرب الحياة السياسية الشكلية مرة أخرى فارضا سيطرته على الجميع وممارسا سياسات تدميرية ضد الشعب الفلسطيني بمباركة الدول الفاعلة وفرض حصار خانق على الشعب الفلسطيني ولم يستطع الشعب أن يمارس حياته الطبيعية في ظل اقتصاد فلسطيني هزيل وقائم على المساعدات الدولية، فحُرمت السلطة من أعطياتها وأصبحت عاجزة عن دفع الرواتب لفترة طويلة، وكانت تلك أول ثمرة حنظل يتذوقها الشعب الفلسطيني لتلك الانتخابات التي هلل لنزاهتها العالم الحر.
وتتجاوز هذه الانتخابات مرة أخرى مدتها القانونية بحجج واهية، بعد أن تم الانقلاب على تلك الانتخابات وتقسيم فلسطين إلى معسكرين متناحرين وحكومتين واحدة متمركزة في رام الله تحرسها أمريكا وإسرائيل، وأخرى في غزة يمارس عليها التضييق والحصار، إلى أن أصبح الوضع في القطاع المحاصر كارثيا، وصولا إلى عملية “الرصاص المسكوب” أواخر عام 2008 وأوائل عام 2009، والتي كانت تستهدف في حقيقتها إنهاء وجود حركة حماس في القطاع وإرجاع غزة إلى حضن القيادة الفلسطينية المتمركزة في الضفة، وتفشل تلك العملية ويبوء الكل بالخسران، ولكن المأساة ما زالت مفتوحة الآفاق على أهوال كبيرة ومتعددة.
ويأتي العام 2012 وتأخذ فكرة الانتخابات إلى البروز مرة أخرى تحقيقا لمطالب المانحين الدوليين، وتفشل الجهود كافة في إنجاز انتخابات تنفيذية وتشريعية، فتم الاقتصار على إجراء انتخابات بلدية ومجالس قروية في الضفة الغربية فقط، إذ وقفت حركة حماس ضد إجرائها في القطاع الذي ما زال محاصرا يتعرض يوميا للضربات الاحتلالية القاسية والتي تكلفه الكثير من الدماء الزكية التي تسفح يوميا.
وتنافس حركة فتح نفسها مع مجموعات مستقلة عنها، فتخسر مواقعها المعهودة، وتنتقل إلى أيدي المستقلين، وبذلك تكون حركة فتح تلك الحركة المثخنة بالجراح السياسية والتنظيمية قد فشلت في السيطرة السياسية المجتمعية ليتراجع دورها، وتكشف الانتخابات القزمية هذه عن حجمها الحقيقي في الشارع الفلسطيني، والتي لن يرجعها أي بهرجات إعلامية أو مهرجانات التطبيل والتزمير، وهكذا تكتمل الحلقة المفرغة في وقوع فلسطين تحت أنياب الوهم في ظل حياة سياسية يحكمها الوهم بالاستقرار، فكيف سيكون استقرار والاحتلال على أهبة الاستعداد للدخول إلى مقار السلطة وتدميرها في أقل من ثانيتين ونصف؟؟!!
لقد أعطتنا الانتخابات تحت حراب الاحتلال دروسا سياسية يجب على كل واع ومنصف أن يقف عندها ويتأملها، وأول تلك الدروس وأهمها أنه لا يمكن أن يكون هناك استقرار سياسي ما دام الاحتلال قابعا في أرواح الساسة الفلسطينيين، ولن تكون هناك حياة سياسية نافعة ما دامت السلطة عاجزة عجزا لا مثيل له عن تأمين احتياجات الشعب الاقتصادية، ولن تكون هناك حياة سياسية إلا على الخازوق ما دام الشعب الفلسطيني في واد وقيادته في واد تعزف ألحان التناغم مع الاحتلال وأمريكا وأوروبا وتسعى للرضا والسلامة.
ولكن، أين نحن من ذلك كله؟ إن كل من شارك وسيشارك في هذه الانتخابات تحت حراب الاحتلال ومع قيادات تعمل عكس المصلحة الفلسطينية وتكرس الواقع بشيطنته هو مشارك فعال في الخوازيق السياسية، ولكن ما يثير الاستغراب والدهشة هو أن يصنع الشعب نفسه خوازيقه بيده ليظل متمتعا بألمها، إنها حالة من الانقلاب في المنطق. فهل من معتبر؟